رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن يوم جلاء المحتل الفرنسي عن سوريا يوم مجيد للوطن الغالي فهو يوم الاستقلال الغالي للبلاد والعباد وهو الزمن الحقيقي المعتبر بساعاته الغاليات التي هي زبدة عمر التضحية والجهاد من أجل الحرية التي دفع الأحرار دماءهم مهورا حتى فتحوا أبوابها، لقد كان ذلك منذ بدء الاحتلال الفرنسي لسوريا في 25 يوليو عام 1920 حتى 17 أبريل عام 1946 فكانت الفرحة الكبرى ونامت سوريا ملء جفونها وتبدد حلم غورو كما يقول الشيخ علي الطنطاوي وخابت أماني ديغول قبله وتحققت أماني يوسف العظمة شهيد ميلسون وعادت أيام معاوية وعبدالملك بن مروان والوليد ابنه واتصل التاريخ الذي كان قد انقطع منذ قرون وأنشد الشاعر الحموي بدرالدين الحامد:
عيد الجلاء هو الدنيا وزهوتها
لنا ابتهاج وللباغين إرغام
غورو يجيء صلاح الدين منتقما
مهلا فدنياك أقدار وأيام
هؤلاء هم الفرنسيون الذين جاؤوا مع البريطانيين، فرنسا صاحبة الثورة الكبرى والنهضة التي ادعت أنها قامت على العدالة والحرية وهي التي أنجبت جان جاك روسو وهوكو ولامارتين، وهي التي صنعت تمثال الحرية ثم أهدته إلى أمريكا، فرنسا أم الحرية التي ذبحت هذه الحرية في الشام وأساءت إلى تاريخها إلى أن أعطاها الثوار درسا لن تنساه فلم يخشوها حين كانت تخشاها الدول القوية، أما بريطانيا التي لم تكن الشمس تغيب عنها فلم تكن أقل سوء إذ كان الجنرال سبيرس بريطانيا يعمل كل حيلة لأن تحل بلاده مكان فرنسا في الاحتلال ولكننا ابتلينا بالاستعمار الفرنسي الشنيع الإرهابي كما ابتليت بلاد غيرنا به، وإننا نقول: إنه لولا تشرشل البريطاني ما نجح شارل ديغول هذا الرجل الذي هاجم المجلس النيابي في سوريا بقواته الغادرة ومثل بالشرطة عام 1364هـ، وبقر جنوده البطون وسملوا الأعين وسرقوا الصندوق المالي للبرلمان، لقد كان الاحتلال الفرنسي بشعا جدا، حيث فجع الشعب بأبنائه وبناته وأطفاله حتى قال شوقي عن دمشق:
وبي مما رمتك به الليالي
جراحات لها في القلب عمق
وللمستعمرين وإن ألانوا
قلوب كالحجارة لا ترق
وحتى قال عزالدين التنوخي عن حماة:
أعلمت أن حماة لم يدعوا بها
حجرا على حجر يريك ظلالها
الله للأطفال كيف غدت لقى
صرعى القنابل بعثرت أوصالها
ولكن هل يترك أهل سوريا فرنسا المتحضرة تخوض في دمائهم يا ترى كلا فقد هب الثوار الأبطال رجالا ونساء يدافعون عن الحمى ويطلبون الشهادة كي توهب لهم الحياة واستهزؤوا بقوات المستعمر وآلياته فكانوا أقوى شكيمة منه وفتح الشباب صدورهم للرصاص وصمدوا أمام هذا الجيش اللجب وفعلوا بالمحتل الأفاعيل حتى ضاقت المقابر بالشهداء فرقموا التاريخ بدمائهم.
دم الثوار تعرفه فرنسا
وتعلم أنه نور وحق
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
وكانت ثورة إبراهيم هنانو الذي قاد أكثر من سبع وعشرين معركة حتى استرد مواقع عديدة منها منطقته كفر تخاريم وأصدر الفرنسيون أربع مرات قرارات بإعدامه حتى توفي عام 1935م، بعد أن تولى الجهاد في جبل الزاوية وحلب وما حولها، وكانت الثورة من غوطة دمشق ومن جبال اللاذقية إلى جبل العرب ومن أعالي حلب إلى أدنى حمص وحماة، وهنا يجب ألا ننسى كما فعل عديد من المؤرخين للثورة السورية الجهود الجبارة التي قام بها شيخ العلماء والمحدث الأكبر بدر الدين الحسيني تـ 1935م، حيث كان مقره في داره والجامع الأموي ودار الحديث فتحرك وطاف في البلاد يحرص الناس حتى الشمال والجنوب فكانت هبته هي الشرارة الأولى للالتقاء في غوطة دمشق ثم الانطلاق منها، وقد حدثني والدي حفظه الله وهو ممن اشترك في القتال في الغوطة وحماة مع المحاربين القدماء كيف كان التخطيط وكيف كان توجه المجاهدين في ضرب دبابات فرنسا وإصابته مازال أثرها في جسمه حتى اليوم، وعرفت منه أيضا كيف كان من الوطنيين الشرفاء الدكتور عبدالرحمن الشهبندر وحسن الحكيم وزكي الخطيب وسعيد حيدر، حيث قابلوا منذ اندلاع الثورة كراين المندوب الأمريكي الذي حضر لتقصي بعض الحقائق ثم كان نصيب هؤلاء لأنهم شرفاء أن نفوا إلى جزيرة ارواد، ولقد كان مع الشيخ بدر الدين الحسني الشيخ خالد الخطيب حيث كان المتظاهرون يخرجون بعد خطبة الجمعة وكانت ثورة المساجد على المحتل في دمشق وريفها وكانت معركة ميسلون الشهيرة، حيث استشهد يوسف العظمة رحمه الله ولعل من الجدير بالذكر أن لا نغفل ذكرى البطل حسن الخراط الذي كان حارسا ليليا وقد استطاع أن يدخل دمشق ولا يبقي فيها فرنسيا بعد أن وقفت فرنسا بجيشها تخاف أن تعبر جسرا تورا المعروف وقامت ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب وكانت البداية منذ جاءه رجل لبناني اسمه أدهم محكوم عليه بالإعدام فأجاره ثم تحركت الثورة وكانت ثورة الشيخ صالح العلي التي انطلقت من قرية بدر في الساحل، وفي عام 1943م، تسلم الوطنيون الحكم في سوريا على رأسهم شكري بك القوتلي الذي رفض الاعتراف بمركز فرنسا، ورغم أن تشرشل الانجليزي أخذ يستميله ويطمعه من خلال اقتراحات بذلك لكنه رفض اقتراحاته وكان ما كان حتى أكرم الله شعب سوريا الأبي والأبطال الأشاوس المؤمنين المجاهدين بالنصر وكما يقول الشيخ الطنطاوي في مذكراته "1/269" و "5/101" و "8/273"، ويفصل في أشياء كثيرة يجب أن نكون حريصين على معرفتها وفهمها: لقد كسرنا فرنسا في مواقع عديدة في دمشق وسائر المحافظات، أقول: وقد عرف الشعب السوري وقتها بوحدته الوطنية التي كانت قائمة على احترام الرجال وأحوالهم وإن كان للدين الإسلامي أوفر نصيب في دحر فرنسا عن بلاد الشام.
والجدير بالذكر أننا نقول ذلك وسوريا تمر بظروف حساسة بما جرى ويجري من أحداث تتطلب قراءة جديدة لمرحلة جديدة في عصر التقنية والمعلومات وتحرر الشعوب من حكامها المتجبرين، فحتى لا يعيش الناس بين محتل ومستغل فلابد من الإفادة من تاريخنا المجيد في الثورة السورية والعمل على نهضة حقيقية لا شكلية في بلادنا ونحن مهما قدمنا من تضحيات في سبيل حريتنا وكرامتنا وتخلصنا من الاستبداد والاستذلال والخوف فهذا شيء قليل وكما قال علي رضي الله عنه: لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وأن نعمل بعقل فكما قال (لبنتز) العقل روح الحرية ولا حرية دون مسؤولية كما قال جان جاك روسو، وعلى هذا فيمكننا القول بكل شفافية إن كلمة الرئيس بشار الأسد التي وجهها أول أمس لوزراء الحكومة الجديدة وإن كان فيها بعض الشيء الخدمي الذي هو أصلا من حقوق الشعب ولا علاقة له بالإصلاحات أو المنح لم ترق أبداً أن تركز على مهمات وزارة الداخلية وكف قبضتها الأمنية، ولا وزارة الدفاع والتطرق إلى أن الجيش مهمته الحماية من إسرائيل والأعداء ولا ذلك وزارة الخارجية وتنسيقها بما يحفظ هيبة الدولة إذ هيبتها من هيبة الشعب وأين التركيز مع الخارجية على تسهيل وثائق السفر والآليات ذات الصلة للمواطنين إن الشكوى في ذلك على كل لسان تقريبا، ثم وزارة المالية وأن كان جيدا ما ذكره الرئيس من ضرورة أن يسجل كل وزير رصيد حسابه من بداية تسلمه ثم تراجع حساباته أقول: إلا أن هذا يجب أن يعم الجميع من الهرم إلى القدم وألا تكون هناك ثلة من القرابة لها امتيازات يعرفها الجميع لا تحاسب ولا تراقب!
باختصار أن معظم مطالب المحتجين لم يتناولها الرئيس والتي أهمها الحرية السياسية وهي تعني اشتراك كل سوري مهما كان رأيه مخالفا في القرار فسوريا للسوريين جميعا وكذلك إطلاق سراح المعتقلين القدامى والجدد والبت في الملفات الإنسانية ووضع حال المهجرين قسرا وصل مجلس الشعب الذي لا يمثل الشعب حقيقة وإبعاد حزب البعث عن القيادة وحده، وكم آلمني أمس وأنا أسمع التليفزيون السوري الساعة الثانية ليلا بمناسبة عيد الجلاء أن يتصل متصل مقيم في السعودية وهو سوري من الرقة اسمه رحيمي مع مقدم البرنامج الأستاذ علاء ويقول غير معلق على الجلاء ويذكر القرضاوي بألفاظ بذيئة وآخر فنان اسمه حسن حسن يقول: البعث ديني وبشار الأسد ربي!!
أي والله فيبرر له علاء أن هذا مجاز فكيف تتوقف الاحتجاجات؟
وإن المجازر المستمرة لن تقبرها.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3084
| 24 سبتمبر 2026