رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إلى ظهر الخميس الماضي 16/4، كنت أعرف إلى أين نحن ذاهبون. إلا أنه منذ ذلك الحين وبعد إعلان الانقلاب الذي هز الساحة السياسية في مصر، صرت عاجزا عن الإجابة على السؤال، لأنني لم أعد أرى إلا نفقا مظلما وأسئلة مؤرقة.
(1)
لي صديق لم يكن مطمئنا إلى ما يجري في مصر منذ سقوط النظام السابق. وظللت أتلقى منه رسائل على هاتفي المحمول بين الحين والآخر، يردد فيها عبارة واحدة تشير إلى أن ما يحدث يفتقد إلى البراءة، وأنه بمثابة «فيلم هندي». وطوال الأشهر الماضية كنت أقاوم فكرته تلك. مرجحا احتمال سوء التقدير فيما حل بنا من نوازل، ومستبعدا سوء النية. لكني بعد صدمة الخميس ما عاد بمقدوري أن أرد به على ملاحظته، وإنما صار السؤال الذي يشغلني هو: هل هو حقا فيلم هندي، أم أمريكي؟! - ذلك أن ما جرى يفتح الباب واسعا لإساءة الظن بالأطراف التي تقف وراءه. فضلا على أنه يهدي أنصار فكرة المؤامرة نقطة ثمينة لصالحهم، ناهيك عن أنه يكشف لنا عن أن ثمة خطرا حقيقيا يهدد الثورة المصرية، الأمر الذي لا أشك في أنه سيكون له صداه السلبي على مختلف تجليات الربيع العربي.
في ذلك اليوم الحزين ــ الخميس ــ حلت بمصر أربع كوارث لم تخطر على البال. هذا الكلام ليس لي، ولكنه رأي المستشار سمير حافظ رئيس محكمة الاستئناف السابق، الذي عرض تلك الكوارث على النحو التالي: الأولى تمثلت في قرار وزير العدل إعطاء ضباط الجيش سلطة الضبطية القضائية، بالمخالفة لصريح القانون. ذلك أن نص قانون الإجراءات الجنائية (المادة 23) يخول وزير العدل حق التفويض لممارسة تلك السلطة بالنسبة لبعض الموظفين في حالة الجرائم التي تدخل في اختصاصهم وتتعلق بأعمال وظائفهم. بمعنى أن التفويض مقيد بشرط وقوع الجرائم في دائرة اختصاص الموظف، كما هو الحال بالنسبة لمفتشي العمل ومفتشي الأغذية ومأموري الجمارك. ولما كان ضباط الجيش لهم وظيفة أصلية لا علاقة لها بما يجري في الشوارع والميادين، فإن الاستثناء لا يشملهم. وبالتالي فإن قرار وزير العدل يصبح باطلا لمخالفته النص الصريح في هذا الصدد.
< الكارثة الثانية أن المستشار حاتم بجاتو عضو لجنة الانتخابات رفض تسليم بيانات الناخبين لمرشحي الرئاسة بحجة أن ذلك يشكل مساسا بالأمن القومي للبلاد، فضلا عن أن قانون انتخابات الرئاسة لا ينص على ذلك. وذكر أن تلك البيانات توزع على مرشحي الانتخابات البرلمانية لأن القانون يسمح بذلك. وهو منطق معوج، لأن البيانات اعتبرت من قبيل الأمن القومي في الانتخابات الرئاسية حين لم ينص عليها القانون. في حين أنها ذاتها لم تعد كذلك حين نص عليها القانون في الانتخابات البرلمانية.
< الثالثة أن حكم المحكمة الدستورية العليا أبطل في المنطوق انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشعب، لكنه وسع الدائرة في الأسباب، وقرر بطلان كل المجلس. في تميز وتعسف ظاهرين. علما بأن الحجية في الحكم للمنطوق وحده، ولا حجية لما يترتب عليه من نتائج ترد في الأسباب. خصوصا أن الأحكام القضائية تقوم على اليقين القانوني ولا تقوم على الاحتمالات الواقعية.
< الكارثة الرابعة تتصل بقانون العزل، لأن ثمة خطأ قانونيا جسيما في إحالته إلى المحكمة الدستورية. ذلك أن القضية الأصلية التي كانت طعنا من جانب أحد المرشحين المستقلين أمام محكمة ابتدائية، كان ينبغي أن تحال إلى دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، ولكنها أحيلت لسبب غامض ومريب إلى المحكمة الدستورية العليا، واتخذت ذريعة لتهديد مجلس الشعب بالحل، ثم أصبحت ذريعة لحله كما رأينا.
(ملحوظة: هذا الكلام قيل قبل ظهور الكارثة الخامسة المتمثلة فيما سمي بالإعلان الدستوري المكمل الذي كرس سلطة المجلس العسكري حتى مع وجود رئيس منتخب للجمهورية).
(2)
في رأي المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض السابق أن كل ما أعلن يوم الخميس من قرارات وأحكام مجرحة قانونا، وباب المنازعة فيها أمام المحاكم مفتوح على مصراعيه، وأن مرجعية السياسة وتأثيرها عليها أقوى من مرجعية القانون. الأمر الذي لا يثير فقط علامات استفهام كبيرة حول الهدف من كل ذلك في التوقيت الراهن، وإنما أيضا يستدعي فتح ملف استقلال السلطة القضائية وتحصينها ضد مظان الغواية والاختراق من جانب السلطة التنفيذية.
أضاف المستشار مكي أن قرار المحكمة الدستورية الذي أبطل مجلس الشعب دون حاجة إلى إجراء آخر، لا مثل له في تاريخ القضاء المصري. وهو يفتح الباب لتداعيات سلبية كثيرة. لأن المجلس الذي انتخبه الشعب لا تحله المحكمة الدستورية أو أي جهة قضائية أو تنفيذية أخرى. وحين تم ذلك في السابق، في عامي 84 و87، فإن حل المجلس تم بعد الاستفتاء على ذلك، بمعنى أن الشعب الذي انتخب المجلس هو الذي تم الرجوع إليه في حله. وقد نص دستور عام 1971 في المادة 136 على أن الحل لا يكون إلا عند الضرورة، ويجب أن يشمل قرار الحل دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب في موعد لا يتجاوز ستين يوما، وهو ما لم يحدث.
إزاء ذلك فإن منطوق الحكم حين أعفى المجلس العسكري من اتخاذ أي إجراء لحل المجلس اكتفاء بما ورد في المنطوق فإنه ترك الأمر معلقا وقادنا إلى مستقبل مجهول حافل بجميع الاحتمالات والشرور.
(3)
الوضع كله مرتبك من الناحيتين القانونية والسياسية، الأمر الذي يضع مصير الثورة في مهب الريح. فالمؤسسة الشرعية الوحيدة التي تم انتخابها في ظل النظام الجديد (مجلس الشعب) أطاح به حكم الدستورية. وليس معروفا مصير الطعن في طريقة تنفيذه، وهل سيشمل الحل ثلث المجلس فقط، كما قال منطوق الحكم أم أنه سيشمل المجلس كله. كما ذكرت الحيثيات. وفي رأي المستشار طارق البشري أن المجلس العسكري لا يملك سلطة حل المجلس. كما أنه لا يملك حق إصدار إعلان دستوري مكمل. فضلا عن أنه لا يستطيع أن يدعي استرداد سلطة التشريع في غياب مجلس الشعب، لأنه لم يكن أصيلا في ممارسة تلك السلطة، التي انتقلت إلى البرلمان بمجرد انتخابه، وصار هو الطرف الأصيل في الموضوع.
لا أعرف إلى أي مدى ستؤثر نتائج الانتخابات الرئاسية على ذلك الوضع المرتبك (لاحظ أن المقال كتب قبل الإعلان الرسمي للنتائج). لكن هناك عدة أمور جديرة بالملاحظة في هذا الصدد في مقدمتها ما يلي: إن ثمة علامات استفهام حائرة ومحيرة يثيرها تتابع تلك العواصف قبل 48 ساعة من انتخابات الرئاسة، وقبل نحو أسبوعين من تسليم السلطة للمدنيين، الذي يفرض أن يتم يوم 30 يونيو، حسب الوعد الذي أعلنه المشير طنطاوي. فإذا كان النظر في قانون العزل مفهوما لتحديد موقف أحد المرشحين قبل التصويت، فليس مفهوما أن يحل مجلس الشعب في الوقت نفسه، بما يرتبه ذلك من ارتباك وفراغ تشريعي.
< إن هناك انطباعات متواترة تذهب إلى أن الأمر كان مرتبا من جانب الدولة العميقة التي استثمرت إلى مدى بعيد أخطاء الإخوان ورصيدهم المتراجع، كما استثمرت حالة الضيق بالثورة التي أعربت عنها بعض الدوائر التي تأثرت مصالحها بالمليونيات والاعتصامات والإضرابات.
< إن حل مجلس الشعب قبل إجراء الانتخابات الرئاسية استهدف تعزيز موقف المجلس العسكري في مواجهة الرئيس الجديد. فإذا كان الفريق شفيق فإنه سيصبح جزءا متجانسا مع المجلس الحاكم، لن يستطع أن يقاوم ضغوطه أو يرفض طلباته. أما إذا كان الدكتور مرسي فإنه سيصبح رئيسا ضعيفا. لا يتكئ على أي قوة برلمانية أو سياسية. وإذا سارت الأمور كما يشتهي آخرون، وتم حل جماعة الإخوان والحزب المتفرع عنها، استجابة للدعوى التي يفترض أن ينظرها القضاء اليوم (الثلاثاء) فإن ذلك سيحول الدكتور مرسي في هذه الحالة إلى موظف لدى المجلس العسكري بدرجة رئيس.
< إن العصف بالجمعية التأسيسية للدستور بعد حل البرلمان، الذي دعا إليه البعض، سوف يسترضي بقية القوى السياسية الأخرى المعارضة للإخوان، ويمكنها من صياغة الدستور على النحو الذي تشتهيه، دون أي مقاومة أو إزعاج من جانب ممثلي التيار الإسلامي. ولأن التشكيل الحالي للجمعية ينبغي ألا يتأثر بحل المجلس، على فرض استمراره، باعتبار أن التشكيل كان صحيحا وصدر به قرار من المجلس حسب الإعلان الدستوري، فضلا عن أن الحكم ببطلان المجلس لا يستصحب بطلان ما صدر عنه من أعمال، فالمعلومات المتوافرة تقول إن ثمة التفافا ماكرا يجري لحل الجمعية التأسيسية. ويتمثل ذلك الالتفاف في تكثيف الضغوط على الأعضاء لتوسيع نطاق الانسحاب من الجمعية، بحيث يؤدي ذلك إلى انحلالها بما يجنب اللجوء إلى حلها.
(4)
أهم ما ينبغي أن تلاحظه أن أهداف الثورة ومصيرها ليست واردة في السياق، كما أن القطيعة مع النظام السابق لم تعد مطروحة، ولكن المطروح بقوة هو استمرار دور المجلس العسكري واستنساخ النظام القديم مع إدخال بعض التعديلات التجميلية عليه، أما محور الصراع الدائر فلم يكن سوى حصص المتصارعين من السلطة والنفوذ، الأمر الذي يعني أن ملف الثورة جرى تنحيته من على الطاولة. وأن الكلام عنها ــ إذا صار ــ فإنه لم يعد يتجاوز صرف تعويضات أسر الشهداء وعلاج المصابين، كأننا بصدد الدخول في مرحلة إزالة آثار الثورة. (لاحظ أن أحد أهم وعود الفريق شفيق إعادة انضباط المرور في القاهرة، الذي أفسدته المليونيات).
المسألة لم تعد نفقا مظلما دخلته الثورة وسط حفاوة نفر من محترفي السياسة والثقافة وأعوان النظام السابق، لكنها نقطة تحول في مسار الربيع العربي كله. وأحسب أنني لست الوحيد الذي تلقى تعليقات الدهشة والقلق التي انتابت أوساط النشطاء العرب حين صدمتهم أخبار الانقلاب الذي حدث في مصر يوم الخميس.
ومن المصادفات ذات الدلالة في هذا السياق أنه في اليوم الذي بدأ فيه التصويت بين مرشحي الرئاسة في مصر، أعلن في تونس عن تشكيل حزب جديد لفلول النظام السابق باسم «حركة نداء تونس»، وقد أسسه الباجي قائد السيسي (85 سنة) الذي كان بدوره رئيسا سابقا للوزراء(!!) ــ في حين أطلق النشطاء مظاهرة مضادة له ظلت تهتف: لا رجوع.. لا رجوع لعصابة المخلوع.
سأدع التعليق لك. لكني تلقيت رسالة على هاتفي من صديق تونسي يقول: كنا روادا في الثورة ولا نريد لمصر أن تكون رائدة في انتكاستها. وإذا وضعت هذه الخلفية جنبا إلى جنب مع التزوير الفاضح الذي تم في انتخابات الجزائر التشريعية، الذي باركته الدوائر الغربية، والاضطرابات التي تحدث في ليبيا والقلق المتنامي على ثورة اليمن، فلعلك تتفق معي أن الربيع العربي تجاوز مرحلة المد ويُراد له أن يدخل في مرحلة الجزر. وهي نبوءة سوداء أتمنى أن تكذبها الأيام.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1018
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5886
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4218
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3138
| 24 سبتمبر 2026