رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المفاجأة عنصر من عناصر المواجهات عسكرية أو دبلوماسية، والمفاجأة واحدة من صفات الشعب المصري، فكان قول للدكتور أحمد أنيس أستاذ التاريخ في عام 1971 "إن الشعب المصري حيّر علماء الاجتماع في تفسير حركته، فهو لا يتحرك عندما يتوقع منه الجميع الثورة، ويثور عندما لا يتوقع أحد منه الحركة"، وكانت وقائع يناير 2011 شاهدا على مخزون الإبداع لدى الشعب المصري وفي إطار من السلمية، أي أن علاقته بالأديان وعبادة الخالق منذ فجر التاريخ، وضعت حرمة الدم موضع القداسة، ووضعت الصبر عمقا للمقاومة، كما وضعت الحفاظ على طهارة مياه النيل موضعا للحساب بعد الموت، وكان الإبداع تطور مظاهرات الاعتراض على ممارسات الداخلية ضد الشعب إلى إزالة رأس النظام، ومن عشرات يحتشدون إلى ملايين بلغوا العشرين مليونا وطوال 18 يوما ستخلد في تاريخ حركات الشعوب.
ليس هناك من يحدد للحرب أو الثورة والانقلاب يوما وساعة، ولكن ما تمر به مصر فرض عليها أن تتجاوز القواعد الأساسية للحركة بكون المفاجأة عنصرا من عناصر القوة، وللمرة الثانية تبدأ الحركة عبر دعوة مجموعة من الشباب إلى "تمرد" على الحاكم، وبتوقيع استمارة مضمونها "أعلن أنا الموقع أدناه بكامل إرادتي. وبصفتي عضوا في الجمعية العمومية للشعب المصري سحب الثقة من رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي عيسى العياط. وأدعو لانتخابات رئاسية مبكرة، وأتعهد بالتمسك بأهداف الثورة والعمل على تحقيقها ونشر حملة تمرد بين صفوف الجماهير، حتى نستطيع معا تحقيق مجتمع الكرامة والعدل والحرية ". وتطالب الدعوة كل مواطن يوقع أن يكتب رقمه القومي، وبمرور قرابة الشهر وحتى 30 يونيو يتوقع المراقبون والإحصاءات وصول أعداد الموقعين إلى 15 مليون مواطن، هنا تكمن المفاجأة، فالشعب الذي اخترع الصبر، يعلن نفاده، ويكشف عن موقفه، وتوقيت خروجه لفرض مطالبه، دلالة يقين أن قناعته بالتمرد بلغت اليقين..
الأحداث في مصر تخرج عما يمكن للعقل أن يقبل به، وتلقي بسؤال جوهري: هل هذه مصر التي نحيا فيها ونعلمها وعشناها قلعة للعروبة ورائدة التحرر الإفريقي والعالمي؟، هل هذه مصر التي يئن فيها الأزهر تحت وطأة الهجوم الإخواني عليه؟، هل هذه مصر قلب الإمبراطورية العربية والإفريقية والتي يصل تعداد من يتأثرون بحركتها المباشرة ما يتجاوز ملياري نسمة؟، هل هذه مصر التي قالت جولدا مائير عندما بلغها نبأ وفاة عبد الناصر "ما هذه النكتة السخيفة"؟ بينما اليوم تشيد إسرائيل بحكمة رئيسها!، هل هذه مصر التي صارت بيئة خصبة للإرهاب تحت راية الدين وحاضنة له؟.
إن ما يحدث في مصر الآن يستفز حجر الأرض أن يثور، فالألسن تلوك تعبيرات الديمقراطية والشرعية والإيمان والكفر والحرية والاستبداد، دون أن يكون الفعل دالا على استيعاب المضمون، وتنعقد موالد بأوهام اليقظة على أنها لقاءات سياسية تناقش أمن مصر القومي، بعيدا عن المسؤولين المباشرين عنه.
إن البلاء الذي أصاب مصر في الإدارة الحالية، لا يمكن أن يكون من صنع حضارة، ولا ابنا شرعيا لتاريخ مصر، إنه هجمة تتارية بلا حضارة تحول اليقين إلى شك، والحضارة القائمة على عقيدة التوحيد إلى كفر، وتمنح نفسها حق الولاية على الدين والبشر والعلم وحتى تحديد مصادر الخطر، وكأنها هجمة من العصر الحجري أصابت القرن الواحد والعشرين.
ناقشتني شهرزاد، وهي شابة جزائرية، في رسائل متتالية عن خشيتها من "الدم"، واستطردت "لا أستطيع أن أمنع نفسي عن التفكير وكيف لا ومصر القاطرة، وأنا لا أعلم ما يشاع ولكنه ربما الخوف لأني أعلم معنى أن يصل ما يحدث للعرب لغاية مصر، وأعتقد هو المطلوب في ظل المكائد الدائرة حولها".
كان لمتابعاتها ورسائلها وقع البعث للحياة، فالشباب العربي يدرك معنى العروبة رغم أنه لم يعش سنوات الصعود القومي، ولكنه العلم والمعاصرة لحقائق الواقع العربي وطبيعة الصراع، والشباب العربي وقع في أخدود الدين والكفر، ويملك بالفطرة السليمة تمييز الخبيث من الطيب، ووقع الشباب في اختيار يبدو شاذا ساقته إليه أحداث سوريا، فلم يكد يغض الطرف عن أحداث ليبيا، حتى اتضح أن التكرار يجري في سوريا، وبات خياره مؤلما، أهي ثورة ضد استبداد نظام حكم، أم أنها تكرار للعراق وليبيا وحتى مصر؟، هل الأمة العربية بكل مقوماتها المكتملة صارت ماضيا؟ وأن البديل هو الإرهاب الديني؟، وهل ما يجري في سوريا والذي انقسم العرب فيه إلى فريق واحد ومعه جامعة الدول العربية وأمريكا وإسرائيل وتركيا على حق، أم أن طبيعة التكوين ومشتملاته تبعث على الشك؟، ما يراه الشباب يزرع الحيرة في الاختيار، فبينما كان الأزهر في منتصف القرن العشرين يرفع راية إلغاء الانقسام المذهبي ويقوده الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، نجد الأزهر في مصر محل هجوم ممن يدعون العلم، ويكفرون من عداهم، وهؤلاء الأدعياء ومعهم الأزهر أيضاً يزيدون الانقسام المذهبي، بتقسيم العالم إلى سني وشيعي، ثم اتخاذ المواقف السياسية في الحسابات القومية على الأساس المذهبي، وكأنها استجابة لمخططات أمريكا خلال السنوات العشر الأخيرة لإعادة توجيه الصراع فوق الأرض العربية، من صراع مصالح إلى حروب مذهبية، وفي المواجهات المذهبية، تصبح أمريكا وإسرائيل هي الكاسب الأعظم، وكأن البيت الأبيض وأجهزته وتل أبيب وعدوانياتها على "السنة" في فلسطين العربية، صارا أنصار السنة من المسلمين، ويسأل الشباب تفسيرا، وتحتويه ظلمات الطنين بلا مضمون.
كان الاتصال مع أرض المليون ونصف المليون شهيد في حرب التحرير، جسرا يعيد الربط بين الأقطار العربية، ومضمون القومية العربية، كما كانت وقائع سد النهضة وردود الفعل الخارجة عن أي توصيف صحيح للدبلوماسية وإدارة الأزمات، من الإدارة المصرية جرس إنذار عما يحيق بالعمق الإفريقي للأمة من أخطار وسوء إدارة، وكان خبر القبض على عناصر تتجسس في مصر لصالح إسرائيل معامل إفاقة آخر لحقيقة من العدو.
مصر كما هي القاطرة (حسب ما تراها شهرزاد في يقينها)، فهي أيضاً الجائزة الكبرى لأعداء الأمة العربية، وأن تتحول مصر إلى حاضنة للإرهاب هو مقصد أمريكي وإسرائيلي لتدخل في دائرة الدول المستهدفة لمواجهة الإرهاب.
قيمة مصر كقاطرة، ووقودها، كان في بعدها عن التلوث العقلي والديني والانقسام الطائفي والعرقي وبعدها عن احتمالات الاقتتال الداخلي مما جسد ظاهرة وحدة الأمة، وفتح نقاء العقل إمكانية لاكتشاف اللحظة المواتية في آفاق الإمبراطورية العربية الإفريقية الممتدة من إيران إلى الأطلسي ومن تركيا إلى منابع النيل ونيجيريا بل تشمل كل إفريقيا.
مصر تخوض مواجهة عالمية، ووقودها شعبها، بينما تنشغل باقي مؤسسات الدولة بالدفاع عن وجودها ذاته في مواجهة هجمة تفكيك الدولة، ودون عمقها العربي والإفريقي، بل جرت إعادة توجيه حركتها إلى مواجهات عربية وطائفية ومذهبية وإفريقية، وإذا كنا لا نقبل أن يتحول ماء النيل إلى نهر من الدم، فإن العقيدة لدى الشعب المصري ألا يستحل الدم ليصير ماء.
ما طبيعة ما سيجري يوم 30 يونيو في الداخل؟ سؤال تحمل أيام يونيو كلها إجابة عليه، غير منتظرة هذا الخروج الشعبي.
الرئيس ينشغل بحشد أنصار له، حتى إن موقفه الأخير من سحب السفير المصري من دمشق وطرد السفير السوري من مصر، يجرى تفسيره بأنه تقديم أوراق تجديد اعتماده للإدارة الأمريكية، وفي ذات الوقت محاولة لحشد باقي التنظيمات الدينية من حوله، حتى إن شيخا منهم وقف داعيا ضد الكفرة الذين سيتحركون يوم 30 يونيو، وخرج أكثر من تصريح مطالبا بالمواجهات الحاسمة والرادعة لمن يمس شرعية الرئيس، وكأن شرعية الرئيس أكبر من الشعب، وكأنهم يستكثرون على أي أحد أن يقول "الشعب يريد" بينما هم يخصون أنفسهم بأنهم أصحاب دين الله والقائمين عليه.
الشرطة في حالة انقسام بين، خاصة بعد المعاناة التي عاشها أفرادها جراء التراخي في الموقف من الإرهاب في سيناء، والإفراج المتتالي عن رؤوس الإرهاب في مصر.
الجيش يعلن أنه يحمي الشعب، وكأن الشعب والأمن القومي صنفان مختلفان في المسؤولية والتفسير، فأي شعب يحمي بينما الأرض والماء والعلاقات الدولية تتداعى دون رادع.
والإخوان بدءوا المواجهة، في زي جديد مكون من خوذات على الرأس، وحتى اللحظة "هراوات" بالأيدي، وشهد يوم الأحد مواجهات عنيفة في الفيوم (أصيب أكثر من خمسين مواطنا)، وفي الدقهلية، وهاجم محامي الإخوان وعناصرهم الحضور في قاعة محاكمات الهروب من سجن وادي النطرون بعد رفض طلبهم برد رئيس المحكمة، وتتصاعد الأمور مع تعيينات جديدة لمحافظين من الإخوان كل مؤهلاتهم أنهم أعضاء بالإخوان.
وتشهد وزارة الثقافة موقفا بالعصيان من كافة الأدباء والفنانين ورجال الثقافة بلغ حد احتلال مبنى الوزارة ومنع الوزير من الوصول إلى مكتبه، في مواجهة قرارات يرونها تهدم البناء الثقافي والإبداعي في مصر، وواجه الإخوان هذا العصيان والاعتصام بمحاولة التعرض له بالقوة، ولم تنجح المحاولة.
وتدعو الجماعات والتنظيمات الدينية إلى الاحتشاد يومي 21 و28 يونيو والاعتصام لمواجهة وقائع 30 يونيو المحتملة.
هذه العناصر المكونة لمشهد القوة والسلطة ومنهج التعامل، يواجهها حتى الآن تحرك "مطلبي"، وليس تحرك "بالعصيان" لتكون المطالب قرارات.
ويبقى السؤال، ماذا في جعبة الوعي الجمعي المصري من إبداع حال تحركه؟، وهل سيكون الصدام بين حركة الشعب وبين التنظيمات الدينية باب التدخل الخارجي، أم أنه سيكون باب التحرك من الجيش المصري؟، أسئلة لا أحد يستطيع بيان الإجابة عليها، فهي سلاح المفاجآت الذي تذخر به حركة الشعب المصري.
قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى
1000 يوم، بل وتجاوزناها منذ أن سُمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حربا ونحن نعلم بأن الحرب يجب... اقرأ المزيد
114
| 28 يوليو 2026
من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟
بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في... اقرأ المزيد
177
| 28 يوليو 2026
المرء نِتاج خلواته !
ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد
255
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
1647
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1512
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
765
| 23 يوليو 2026