رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

غاليه آل عبد الغني

مساحة إعلانية

مقالات

612

غاليه آل عبد الغني

«لسنا أرقاماً!»

18 يونيو 2026 , 01:00ص

كم عبقرية أُعدمت قبل أن تُولد، لأن رقمًا صغيرًا قرر مصيرها؟ وكم حلمًا أُغلق بابه لا لعجز صاحبه، بل لأنه لم ينجح في إرضاء معايير لا تقيس إلا جزءًا ضئيلًا من قدراته؟ وكم شابًا عاش وهو يعتقد أنه أقل شأنًا من غيره، فقط لأن ورقة أكاديمية اختزلت قيمته الإنسانية والعقلية في بضعة أرقام؟

إن المأساة الحقيقية ليست في انخفاض المعدل، بل في إقناع الإنسان بأن قيمته تنخفض معه.

لقد أصبحنا نعيش في مجتمع يبالغ أحيانًا في تقديس الشهادات حتى كاد يختزل الإنسان بأكمله في معدل أو تقدير ويُسأل الشاب عن درجاته قبل أن يُسأل عن أفكاره، وعن معدله قبل أن يُسأل عن طموحه، وكأن قيمة الإنسان أصبحت رقمًا يُكتب في سجل أكاديمي. لا عقلًا يفكر، ولا شخصية تقود، ولا موهبه تبتكر.

لا أحد ينكر أهمية التعليم، فالعلم أساس التقدم، والشهادات ثمرة سنوات من الجهد والتعب. لكن الخطأ يبدأ عندما نعامل الشهادة على أنها المقياس الوحيد للنجاح، فلو كانت الشهادات وحدها تصنع المستقبل، لما رأينا آلاف الخريجين يبحثون عن فرصة، ولما رأينا أشخاصًا غيّروا مجرى حياتهم ومجتمعاتهم رغم أنهم لم يكونوا أصحاب أعلى الدرجات.

المؤلم أن بعض الشباب لم يفشلوا في حياتهم، بل أُقنعوا بأنهم فشلوا. أُقنعوا أن المعدل المنخفض نهاية الطريق، وأن التعثر الأكاديمي حكم نهائي على قدراتهم، ومع مرور الوقت يتحول هذا الوهم إلى قيد نفسي يجعلهم يرون أنفسهم بعين الأرقام لا بعين القدرات.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع بالشباب ليس أن يمنعهم من النجاح، بل أن يجعلهم يعتقدون أن النجاح له شكل واحد فقط. فليس كل قائد متفوقًا دراسيًا، وليس كل مبتكر صاحب أعلى الدرجات، وليس كل مؤثر في مجتمعه يحمل قائمة طويلة من الشهادات. 

اليوم نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف النجاح، نحتاج إلى أن نعلّم أنفسنا وأبناءنا أن المعدل مهم، لكنه ليس الهوية، وأن الشهادة تفتح بابًا، لكنها لا تبني مستقبلًا بمفردها، وأن الإنسان قد يتعثر في اختبار، لكنه لا يتعثر بالضرورة في الحياة. فالمجتمعات لا تنهض بالشهادات المعلقة على الجدران، بل بالعقول القادرة على التفكير، وبالشباب الذين يملكون الجرأة على الإبداع، وبالأشخاص الذين يرفضون أن تختصرهم الأرقام.

لذلك يبقى السؤال الذي يجب أن نواجه أنفسنا به: كم موهبة ما زلنا نخسرها لأننا ننظر إلى كشف الدرجات؟

مساحة إعلانية