رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت اسطنبول ـ التي كانت حاضرة الخلافة سابقا لقرون والتي قال في شأنها نابليون بونابرت: لو خيرت أن أجعل عاصمة للعالم لجعلتها اسطنبول ـ حراكا مميزا الأسبوع الماضي وهذا الأسبوع حيث تداعى العلماء والمفكرون والمدافعون عن حقوق الإنسان إلى مؤتمرين مهمين عقدا في سياق المواجهة العامة والخاصة والمشاركة الفاعلة للشعب السوري الجريح ضد الظلم والاستبداد اللذين لم يعودا خافيين على أحد في هذا العالم اللهم إلا من أراد أن يحجب الحقائق فيغطي الشمس بغربال وهو يعرف أنه مخادع منافق، أما المؤتمر الأول فكان من إعداد علماء المسلمين من السوريين وغيرهم حيث حضر وشارك العديد من الجنسيات الأخرى العربية والإسلامية نصرة لإخوانهم المظلومين في الشام، وخرج هذا المؤتمر بنتائج إيجابية بارزة أهمها التمسك بسلمية الثورة ورفض التدخل العسكري الخارجي والتأكيد على وجوب المظاهرات والنهي عن التخلف عنها إلا لعذر شرعي أو واقعي مقبول، والإهابة بالجيش السوري أن يظل حاميا لحدود الوطن من الأعداء، حيث مكانه الطبيعي لا أن يقمع الشعب الذي بناه من قوته وماله والترحيب بل الدعوة إلى أي انشقاق عنه كما فعل الضباط الأحرار، ثم أخيراً فضح الدور الخياني الذي تمارسه إيران وما يسمى حزب الله من الوقوف مع الظالم ضد المظلوم ومع الجلاد ضد الضحية حقدا وتجبرا واحتقارا لإرادة شعبنا البطل الذي ضرب ويضرب أروع الأمثلة في مقاومة العصابة الفاشية التي أذلت، ومازالت هذه الجماهير هي وحدها قوة الممانعة لبناء الذات لا من يهدمون البلاد ويقتلون العباد باسم المقاومة والممانعة (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) "الكهف".
وأما المؤتمر الثاني فهو ملتقى الإنقاذ الوطني الذي ضم أطياف شعبنا العظيم وقد تم فيه بعد تعثر نتيجة التراكمات التي لم يكن أحد متسببا في تداعياتها إلا هذا النظام الوحشي الرعيب – نعم تم في نتائجه اختيار قائمة توافقية تكون لجنة أو هيئة رسمية منتخبة من أعضاء هذا المؤتمر الذي عقد في ظروف استثنائية في دمشق واسطنبول والذي ارتكبت العصابة المجرمة إبان انعقاده في القابون بدمشق مجزرة رهيبة راح ضحيتها خمسة عشر شهيدا وجرح العديدون وهدد صاحب الصالة التي كان سيعقد فيها المؤتمر مما دعا المنظمون إلى إلغائه صونا للدماء ولكن الإباء الشامي قال لا رغم ذلك وتحدث عدد من الأعضاء من العاصمة لحاقا بأبنائهم الشهداء الذين قدموا أرواحهم وقالوا لابد للمداد أن يتبع الدماء وإن كل حر في سوريا إنما هو مشروع شهيد فشكرا جزيلا لمؤتمر الإنقاذ ممثلا برئيسه شيخ الحقوقين الرجل المجاهد السيد هيثم المالح وشكرا لمؤتمر العلماء ورابطة العلماء السوريين التي دعت المشاركين وكانت سببا مباشرا في نجاحه والحمد لله.
وإذا كان من طبيعة مجريات الحياة أن الإنسان لا يكاد يهب عليه نسيم الفرح والسرور إلا ويلفحه الكدر مرة بعد مرة فإننا كنا في غاية الحزن لما سمعنا الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي لدى زيارته الرئيس السوري بشار الأسد وقيادته يعرب عن امتنانه لمقابلة هؤلاء ويصرح أنه لا يمكن لأحد أن ينزع شرعية أي رئيس، مؤيدا لبقاء بشار الذي امتدحه في دمشق وكرر لدى زيارته إلى دولة قطر مساندته للإصلاح في سوريا، مبينا أنه قرأ في صحيفة البعث السورية التنويه بذلك في عشرين موضعا، ولكنه ألمح كأن خطابه هذا هو الممكن أو هو ما يجب أن يصرح به أي للذي يفهم فحوى الكلام أنه مكلف بذلك.
وعلى أي حال فما نظن أن نبيل العربي كان نبيلا في تناسي مأساة شعبنا السوري البطل الذي أصبحت أخبار ثورته ملء السمع والبصر، ولكن طبعا لم يسمع سماع إنسانيته ووعي لا كمن وصفهم القرآن أنهم يسمعون وهم لا يسمعون، وكذلك فإننا بكل يقين نشكك أن يستحق هذا الرجل وصف العروبة وما تحمله من معان عظيمة، فالعربي بطبعه ناشد للحق ثائر على الباطل ودمه الذي يجري في عروقه يأبى عليه محاسنه ومغازلة الظالم بل والثناء عليه دون أي إشارة أو تلميح وربما كان كغيره يخاف كغيره طبعا من الشخصيات بل والمؤسسات والدول التي تعرف تماماً سجل النظام السوري في الاغتيالات والتفجيرات وتصفية المعارضين أو الذين يرفضون خطاب فرعون الذي يهتف: ما علمت لكم من إله غيري.. فما نبس ببنت شفة مشاركة لجماهيرنا المقهورة ولم يأبه لهذا النهر من الدماء الذي جرى ويجري على أرض الشام المباركة، لم يحمل نبيل العربي أو قل العجمي الذي لم يفهم أي دبلوماسية في تصريحاته تلك وكان ضعيف الشخصية مهزوزاً في حديثه الذي ملأه بالتلعثمات والتأتأة حتى إنني أجزم أن أي طفل عربي متعلم لو تحدث لكان أفضل منه وليته سكت إننا نقول نبيل لأنه عندما يعوج المسؤول ولا يقف مع أشواق وتطلعات الأمة تعوج مؤسسته وهي هنا ما شاء الله جامعة الدول العربية.
أقول: إن هذه الجامعة منذ تأسيسها عام 1945 قد أقرت في ميثاقها ومهماتها إضافة إلى التعاون والتنسيق بين الدول العربية على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية خاصة وكذلك التعاون لدرء العدوان، وصيانة استقلال الدول والنظر في شؤونها بما يحقق مصالحها، أقرت التعاون مع تلك البلاد بكل ما يضمن السلم الأهلي فيها، ولذا فقد صرح عمرو موسى إثر أحداث ليبيا وتعرض الشعب لجرائم ضده من قبل القذافي، وحيث أقدم على استعمال الطيران والأسلحة الثقيلة قائلاً: لن نقف مكتوفي الأيدي إزاء ما يحدث في ليبيا من انتهاكات ضد الشعب وتمت المشاورات مع مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الإفريقي لوقف الجرائم ضد هذا الشعب وسحب الأسلحة الثقيلة من المدن والمناطق والوصول إلى قرار الطلب من مجلس الأمن تحمل مسؤوليته تجاه ما يجري وأن يتم الحظر الجوي، وأن تقام أماكن آمنة للسكان وأن يتم التعاون مع المجلس الانتقالي بعد ذلك والتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي، والكل يعرف أن هذا قد تم ولم ترق من الدماء الليبية العزيزة إلا القليل بالنسبة لما يجري الآن في سوريا، نعم، إن عمرو موسى صرح مؤخرا أن الجامعة قلقة لما يجري وأن بعض وزراء الخارجية العرب طلب منه اللقاء والتفاهم والتشاور في ذلك ولكن الستار أسدل بعدها حتى جاءنا هذا الأمين العام الجديد وفي أي وقت في وقت انتصار الثورة المصرية والتوقع أن مناصرة الشعوب الأخرى يجب أن تسود لا خذلانها إن الحق أبلج وإن الباطل لجلج وإن المظاهرات المليونية التي خرجت في سوريا خاصة في حماة ودير الزور حيث هب فيهما مليون متظاهر وكلهم حنق على العربي وجامعته حيث يقول الشعب كلمته ويعلن وفاة هذه الجامعة وسقوطها هو أكبر دليل أن النفاق السياسي لن ينفع صاحبه أبدا، ولعل الشاهد بالشاهد يذكر فقد نشرت صحيفة الحياة في 20/6/2011 مقالا للكاتب داود شريان ذكر فيه ما نقله موقع إيلاف عن الناشط السوري فراس تميم قال: قابلنا أحمد بن حلي نائب الأمين العام وسألناه عن دور الجامعة إزاء ما يجري، فأجاب: إن الجامعة وجدت لتسيير مصالح الحكومات لا لتلبية مطالب الشعوب، ولما سأله أحد المصريين هل أنت إنسان؟ قال: أنا إنسان خارج الجامعة لكنني هنا لست إنسانا!! أي ارتباك وأي اضطراب بل انهيار في هذه الجامعة التي لا يكون القرار فيها إلا لأمينها وهو هنا اليوم نبيل العربي فما لم يستدرك هذا الرجل الخطر الذي وقع فيه فستبقى الأمة تلاحقه بضمائرها دائما وهل يرتاح إن كان له ضمير يؤنبه أن يتعرض لمأساة ثلاثة وعشرين مليونا في سوريا، إنه بفعله هذا يسهم حقا في إسقاط الجامعة وإن الثورات العربية سوف تسقطها ما لم تنسجم مع مبادئها وتحترم عقول ومشاعر الأمة كلها، إن الكيل بمكيالين يدل دلالة واضحة أن الجامعة ما هي إلا أداة ضيقة بيد أصحاب القرار الكبار ومهما اختلفت التصريحات فهي تصب في مصالحهم أخيرا.
إن نبيل العربي بتصريحاته تلك أكبر شاهد حكومي مسؤول عن ذبح الشعب السوري، وإن جامعته لتحمل خارج رحم الأمة، وإننا لنسأله أخيرا ماذا قدم الأسد الابن وأبوه حتى ينحاز إلى رأيهما لا إلى الشعب وأين رؤيته لتاريخ سوريا إن كان له رؤية، إن سوريا اليوم تعيش حالة شبه فراغ سياسي، أفيأتي نبيل ليقوي الظالم ويسد شيئا من ثغراته باسم ما يسمى الإصلاح الذي هو كمواعيد عرقوب؟ وفي نهاية المطاف إن المجازر التي عمت سوريا من قبل هذا النظام وعم خبرها في الدنيا ستكون قريبا قريبا إن شاء الله هي المحرك للنصر وليس كلام الشبيح المصري نبيل العربي الذي نطالبه بالتراجع الفوري عن تصريحاته.
Khaled-hindawi@hotmail.com
قطر.. دعم وتضامن كامل مع الكويت والبحرين
جاءت ادانة ورفض دولة قطر الهجمات الإيرانية على أعيان مدنية في دولة الكويت الشقيقة، ومملكة البحرين الشقيقة، بما... اقرأ المزيد
39
| 03 يونيو 2026
الشراكة التركية القطرية.. أبعد من المصالح..
لم تكن العلاقات التركية القطرية يوماً وليدة حسابات سياسية عابرة، بل هي امتداد لروابط تاريخية وأخوية تجذرت منذ... اقرأ المزيد
45
| 03 يونيو 2026
غزة التي استمرت
من قال إن القصف قد توقف في غزة فليراجع حساباته ومن يقول إن وقف إطلاق النار الإسرائيلي قد... اقرأ المزيد
33
| 03 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5076
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2715
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2334
| 02 يونيو 2026