رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

علي المسعودي

مساحة إعلانية

مقالات

234

علي المسعودي

الأمير الوالد.. حين يصبح الحاكم فردًا من العائلة

18 يوليو 2026 , 11:52م

هذه صورة ستبقى في ذاكرة الزمن طويلاً، في وداع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي شكل حالة إنسانية وسياسية نادرة يصعب أن تتكرر. فقد استطاع، خلال سنوات حكمه وبعدها، أن يبني علاقة مختلفة مع شعبه، علاقة تقوم على القرب الإنساني، والمعرفة المباشرة، والمحبة المتبادلة. في كثير من البلدان، تحيط بالحاكم دوائر مغلقة، وحواجز من البروتوكول، حتى يصبح الوصول إليه أو معرفة شخصه أمرًا يمر عبر طبقات من المساعدين والمرافقين.

أما في قطر، فقد بدا المشهد مختلفًا. كان الأمير الوالد حاضرًا في ذاكرة الناس وحياتهم اليومية، وكأنه فرد من كل أسرة قطرية. قلما تجد بيتًا إلا وفيه من يروي قصة لقاء معه، أو يعرفه معرفة مباشرة، أو تربطه به صلة أو صداقة أو موقف إنساني. ولم تكن هذه المعرفة مجرد معرفة أسماء، بل كانت معرفة الناس بأحوالهم وأنسابهم. كان يسأل من يلقاه: من والدك؟ ومن والدتك؟ ثم يستحضر من ذاكرته قصة عن الأسرة أو عن الجد أو عن الأب، فيشعر محدثه أنه أمام رجل عاش بين الناس، لا فوقهم.

لذلك لم يكن مستغربًا أن يراه الناس في مجلس أو مناسبة أو في سوق واقف، يتبادل الحديث بعفوية، بعيدًا عن التكلف الذي يحيط غالبًا بأصحاب المناصب العليا.

وقد عزز هذه المكانة ما عُرف عنه من أيادٍ بيضاء داخل المجتمع القطري، إذ امتدت مبادراته وعطاياه إلى المحتاجين وأصحاب الظروف، حتى أصبح اسمه حاضرًا في كثير من قصص الفرج والعطاء التي يتداولها القطريون بمحبة وامتنان.

ومن أكثر المحطات التي صنعت فرادته، قراره التاريخي بالتنازل الطوعي عن الحكم لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وكان ذلك انتقالًا سلسًا للسلطة، نادرًا في المنطقة، جسّد ثقة القائد في الجيل الجديد، ورسّخ مفهوم الدولة التي تستمر بمؤسساتها لا بالأشخاص وحدهم. والأجمل من ذلك أنه بقي بعد التنازل حاضرًا بين الناس، يحمل لقب “الأمير الوالد” بكل ما يحمله هذا اللقب من احترام ومودة، من غير أن ينازع خليفته حضوره أو صلاحياته، بل كان داعمًا وسندًا ومرجعًا.

وظل حضوره الإنساني يلفت الأنظار حتى في سنواته الأخيرة. كانت ابتسامته لا تفارقه، سواء ظهر متكئًا على عصاه أو جالسًا على كرسيه.

لم يكن يترك لملامح المرض أن تطغى على روحه، فقد كان يمنح من حوله صورة الإنسان الراضي، الواثق، الذي يستقبل الحياة بالطمأنينة نفسها التي استقبل بها مسؤوليات الحكم.

أما على المستوى الخارجي، فقد ارتبط اسمه بمحطات كبرى في تاريخ المنطقة، وبسياسات كان لها أثر واضح في تعزيز حضور قطر الدولي، ودعم العديد من القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب مساهماته الإنسانية والتنموية في دول كثيرة، حتى غدت بصماته تتجاوز حدود وطنه إلى فضاءات أوسع. ولعل أصدق شاهد على هذه المكانة كان يوم رحيله. فقد بدا الحزن عامًا، وكأن كل بيت قطري فقد أحد أفراده.

وجاء المشهد الأكثر تأثيرًا عبر تلك اللحظات الإنسانية الخالصة؛ حين وقف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وإخوته حول قبر والدهم، يوارونه الثرى بأيديهم، ويرفعون أكفهم بالدعاء، وقد غطى التراب ثيابهم وملامحهم، وكان ذلك مشهدًا تختلط فيه هيبة الدولة بعاطفة الأبناء، ويجتمع فيه الحاكم والإنسان في صورة واحدة مؤثرة، تعكس عمق الوفاء، وصدق المحبة، وبساطة العلاقة التي ربطت هذه الأسرة بشعبها.

ولعل هذه المحبة لم تكن وليدة المصادفة، بل امتدت إلى الجيل التالي، حين عبّر صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عن فلسفة الحكم في كلمات أصبحت راسخة في وجدان القطريين، حين دعا الله أن يحببه إلى شعبه ويحبب شعبه إليه. فالمحبة لا تُفرض بسلطة، ولا تُشترى بمال، وإنما تُبنى عبر سنوات من القرب، والصدق، واحترام الإنسان.

إنها تجربة تستحق التأمل؛ تجربة تثبت أن أعظم ما يمكن أن يتركه الحاكم بعد رحيله ليس القصور ولا المشاريع وحدها، وإنما ذلك الرصيد العميق من المحبة الصادقة، حتى يشعر الناس أن الراحل سيبقى حاضرًا بينهم.

مساحة إعلانية