رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد هذا الموقف المتشدد للصين في دعم نظام بشار الأسد الذي تدينه جميع دول العالم، يتعين العودة إلى جذور قوة الصين: كيف بدأت؟ وإلام سوف تنتهي؟ وهل سوف تتحقق تنبؤات هنتجتون بدعم الصين للدول الإسلامية في مواجهة الولايات المتحدة؟ التاريخ ينبئنا أن جمهورية الصين الشعبية قامت في عام 1949، متبنية الماركسية اللينينية في بيئة مهيأة لانتشار الفكر الاشتراكي، حيث إن الصين منذ بداية القرن العشرين عانت من تدهور الأوضاع على الصعيد الداخلي، من تدهور مستويات معيشة الفلاحين الصينيين فكان الريف بذلك هو نواة الحركة الاشتراكية والأساس لها، خلافاً لفكر الاتحاد السوفيتي الذي كان يعوّل على البروليتاريا الصناعية وليس على الفلاحين مما عُد أحد أسس الخلاف الأيديولوجي الصيني - السوفيتي حول التطبيق الاشتراكي وأسلوب الثورة، ولاسيَّما بعد هجوم "خروتشوف" على سياسات ستالين (1956). فالصين لم تكن لتوافق على ذلك و"ستالين" هو الداعم الأساسي للحزب الشيوعي الصيني، فرأت الصين أن الاتحاد السوفيتي خرج عن المبادئ اللينينية الماركسية، حتى أطلقت عليه: "الدولة التحريفية" إشارة إلى أنه حرّف مبادئ لينين وستالين.
وترى عزة جلال هاشم (السياسة الدولية - ع132- أبريل 1998) أن أهم ملامح الاشتراكية الصينية مبدأ "ديكتاتورية الشعب الديمقراطية" الذي قصد -كما شرحه ماوتسي تونج- ديمقراطية للشعب بمختلف فئاته، أما الديكتاتورية فهي ليست موجهة للشعب وإنما هي موجهة إلى أعداء الشعب داخل الصين وخارجها، فهي ديمقراطية تخدم مصالح الشعب، وديكتاتورية في مواجهة أعداء الثورة، وكذلك مبدأ "المركزية الديمقراطية" وهي تعني أن تتم مناقشة القضايا في المستويات الدنيا المختلفة داخل الحزب الشيوعي ثم ترفع نتائج المناقشات إلى المستويات العليا فيتخذ القرار من القادة، وبعد اتخاذ القرار يصبح الجميع مُلزماً بطاعته، أي لا يسمح بالمعارضة بعد اتخاذ القرار.
بالإضافة إلى البراجماتية (الواقعية) وهي صفة قديمة اتصف بها الصينيون وتعني: سرعة تكيفهم مع الأوضاع، ولعل أبرز الأدلة على ذلك أن الصين عندما اعتنقت الفكر الماركسي لم تقبله كما هو، وإنما أدخلت عليه تعديلات لكي يتناسب مع طبيعة مجتمعها، حتى أصبح هناك ما عُرف بالنموذج الاشتراكي الصيني، الذي عملت الصين على نشره في مواجهة النموذج الاشتراكي السوفيتي، وبرغم حدة الصراع الأيديولوجي بين الصين والولايات المتحدة إلا أن المصلحة الصينية دعت إلى تقاربهما في 1971 - 1972 وعُد ذلك ملمحاً لواقعية الصين في التعامل مع الأحداث، وهو ما أسفر عنه احتلال الصين لموقعها في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. وكذلك يعود الفضل للواقعية الصينية في التركيز على الإصلاح الاقتصادي منذ بداية الثمانينيات، فإدخال تعديلات هامة على النظام الاقتصادي القائم وجدها البعض تتعارض مع المبادئ الاشتراكية، فكان رد "دينج شياوبنج" أن الاقتصاد أهم من الأيديولوجيا، أي أن مصلحة الصين تأتي أولاً.
ويتساءل "محمد فايز فرحات" (السياسة الدولية -ع132–أبريل 1998) عن كيفية قيام إصلاح اقتصادي في الصين دون حدوث تحولات سياسية موازية، أو انهيار سياسي على نحو ما شهدته دول أوروبا الشرقية، ثم يجيب عن هذا التساؤل بقوله: إن الإصلاح الاقتصادي في الصين جاء بمبادرة من الحزب الشيوعي الحاكم نفسه، أي أنها تتم في إطار مظلة الحزب الشيوعي وليس انقلاباً على مبادئ الحزب نفسه، وذلك في ظل إدراك مجموعة من الإصلاحيين داخل الحزب الشيوعي بضرورة إجراء هذا الإصلاح من أجل الحفاظ على معدلات النموّ الاقتصادي، وتعظيم الكفاءة الاقتصادية والمنافسة الاقتصادية الصينية في الأسواق الخارجية؛ ومن ثمّ لم يكن الإصلاح الاقتصادي هذا نتيجة لحدوث انهيار اقتصادي أو في مواجهة أزمات اقتصادية حادة بقدر ما كان سعياً من جانب القيادات الإصلاحية إلى الاستفادة من إمكانات وآليات نظام اقتصاد السوق في تحقيق معدلات كبرى من التنمية الاقتصادية.
ويرى د. محمد نعمان جلال (السياسة الدولية – ع152- أبريل 2003) أن العقلية السياسية الصينية تمتلك فلسفة فريدة من نوعها، فماوتسي تونج عندما بلغ به الكبر ترك كثيراً من الأمور للقائد الصيني المتواضع والبالغ الكفاءة "شوان لاي" ولم يمانع في إعادة الاعتبار لقائد صيني آخر هو "دنج سياوبنج" وهذا الأخير عندما بلغ به الكبر ترك القيادة لجيانج زيمين، واكتفى بمنصب شرفي هو رئيس اللجنة العليا للرياضة، ولكنه كان بمثابة الأب الروحي للقيادات الجديدة، وجيانج عندما واجه نفس الاختيار اكتفى بالاحتفاظ برئاسة اللجنة العسكرية المركزية، وترك القيادة الجديدة بزعامة "هوجينتاو" تضطلع بدور قيادة الصين وإدارتها في بداية القرن الحادي والعشرين.
ويرأس "هوجينتاو" -59 عاماً- اللجنة الدائمة وهو القائد الأعلى للصين، وينتمي للجيل الرابع، وقد تم إعداده لخلافة "جيانج" منذ تم اختياره من قبل دينج قبل حوالي عشر سنوات، وينظر إليه بصفة عامة على أنه محافظ وقد انضم للحزب في عام 1964 وترقى ليصبح رئيس رابطة الشباب الشيوعي في عام 1948 وفي العام التالي أصبح أصغر زعيم إقليمي سناً في الصين وهو في الثالثة والأربعين من عمره. ويبدو عليه أنه زعيم بيروقراطي هادئ، ويقول النقاد إنه يفتقر للكاريزما، ويعرفه غالبية الصينيين بصورة أساسية لقيادته حملة الترويج لنظرية "جيانج" المعروفة باسم التمثيل الثلاثي خلال العامين الماضيين.
ويتضح من العرض السابق أن القيادات الصينية المتعاقبة تولي اهتماماً خاصاً بالإصلاح الاقتصادي وذلك في ظل النظام الاشتراكي الذي يحدده الحزب الشيوعي الحاكم، وقد أدى هذا النظام السياسي الفريد في إدارة شؤون الدولة إلى تبوء الصين مكانة عالمية في السوق الدولية حيث شهدت في السنوات الأخيرة طفرة واسعة في تطورها الاقتصادي بحيث استطاعت تحقيق معدلات نموّ اقتصادي تفوق ما حققته بعض الدول الصناعية المتقدمة، مما يرشحها لتصبح قوة عظمى اقتصادياً خلال السنوات المقبلة. وقد قال مسؤول صيني إن بلاده ستصبح ثاني أكبر قوة تجارية في العالم بعد الولايات المتحدة في بضع سنين إذا ما تمكنت من الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي وهي وتيرة قوية وسريعة للغاية.
وقد كانت الصين في عام 1989 تحتل المرتبة الـ 15 في قائمة أكبر القوى التجارية في العالم، لكنها تقدمت العام الماضي لتصبح سادس أكبر مصدر ومستورد على مستوى العالم. فنجد أن التجارة الخارجية في الصين – وهي أكبر دولة من حيث عدد السكان- قد نمت في السنوات الـ 12 الماضية بوتيرة كبرى من متوسط النموّ العالمي.
فالصين حالياً هي المصدر الأول لعديد من السلع مثل: الملابس والأحذية والساعات والدراجات الهوائية. وتشير تقديرات رسمية إلى أن إجمالي حجم التجارة الصينية بلغ العام الحالي 600 مليار دولار مقارنة مع أقل من 510 مليارات العام الماضي، فالصادرات ارتفعت في الشهور التسعة الماضية بنسبة 19.4% وهو ما رفع الفائض التجاري بنسبة 49.4% أي بقيمة 20 مليار دولار.
ويستعرض د. سيار الجمل مظاهر النمو الاقتصادي في حقبة التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة في ملف البيان السياسي (ع 602 – 30 نوفمبر 2002) قائلاً: إن المعدل الوسطي لنمو الاقتصاد الصيني بلغ خلال التسعينيات أكثر من 10% سنوياً، وهو باستثناء ما سجلته التنانين الآسيوية الأخرى، وهو أعلى معدل للنمو في العالم، وأنه مقارنة مع ذلك الذي تسجله الدول المتقدمة، مثل: الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، يتفوق بخمس مرات أو أكثر، ففي حين سجل الاقتصاد الأمريكي عام 1995 نمواً بلغ معدله 2% والألماني 2.1% والفرنسي 2.2% سجل الاقتصاد الصيني نمواً بمعدل 10.2% وهو أمر أثار ولم يزل يثير المزيد من التساؤلات في العالم أجمع، وارتفعت الصادرات في الصين من 18 مليار دولار أمريكي عام 1980 ولم يزل في حالة من الارتفاع، ولقد احتلت الصين عام 1994 مكانها في لائحة الدول الثلاثين المهيمنة على التجارة الدولية بالمرتبة الحادية عشرة، ورشحت حين ذلك للقفز إلى المرتبة السادسة عام 2000 وقد حصل ذلك فعلاً، إذ كانت الصين قد حققت رقماً إجمالياً لتجارتها الخارجية بلغ 280ميار دولار أمريكي عام 1995 وراكمت في العام نفسه مبلغاً قدره 74 مليار دولار من العملات الصعبة، وبلغ فائض ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية 40 مليار دولار، ويقدر الخبراء بأن حصة الصين من الاقتصاد العالمي ستصل في العام 2020 إلى 20%، وهو رقم يعادل الوزن الذي تحتله الولايات المتحدة الأمريكية في الاقتصاد العالمي في تسعينيات القرن الماضي.
وتشير آخر المعلومات الإحصائية الصادرة عن مصلحة الدولة في الصين إلى أن إجمالي الناتج الوطني ازداد 7.9% في التسعة شهور الأولى من العام 2002 مقارنة بما كان عليه الحال خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وشهد الاقتصاد الصيني ازدياداً سريعاً خلال السنوات الثلاث عشرة، إذ بلغ معدّل الزيادة في إجمالي الناتج الوطني 9.3% سنوياً في حين بلغ المعدل في الاقتصاد العالمي 2.5% فقط في تسعينيات القرن العشرين، وبلغ معدل الزيادة في إجمالي الناتج الوطني وللفترة 1990–1997 يقدر بـ11.2% سنوياً، لقد بلغ النمو الاقتصادي في الصين العام 1997 رقماً قدره 8.8% في حين ارتفعت أسعار المبيعات للسلع بالتجزئة 0.8% فقط عن العام 1996 مقارنة بمطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين. لقد قفزت زيادة حجم إجمالي ذلك الناتج من 100 مليار يوان إلى أكثر من 900 مليار يوان على أثر التغيرات التي أصابت بنية الاقتصاد الصيني في عقد التسعينيات.
ولعل الثورة الصناعية التي تشهدها الصين اليوم وارتفاع نسب الصناعات الأولى والثانية والثالثة بأرقام كبرى قد جعل الصين وقد ارتفعت فيها نسبة الواردات والصادرات من إجمالي الناتج القومي 44% في العام 2001 بعد أن كان 24.6% في العام 1989، ولقد أدى ذلك كله إلى زيادة دخل المواطنين في الصين، فضلاً عن الأرباح الخيالية التي حققتها الشركات والمؤسسات الصينية وما حققته الدولة من إيرادات مالية، لقد تكللت الخطة الاقتصادية الخمسية في الصين عن إنجاز انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية رسمياً في 10 نوفمبر 2001.
ونحن العرب نتعاطف مع صمود الصين الواثق والخارق إلى مكانة القوة العظمى في غضون عقد واحد قادم من السنين على الأرجح، ذلك أننا نعرف أن تعدد القطبية في عالمنا الجديد قد يحمي شعوبنا من سطوة الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت عصراً إمبريالياً جديداً ولم تعد تكتفي بالهيمنة السياسية والأمنية والعسكرية والثقافية في مناطق المصالح الحيوية الأمريكية، وفي مقدمتها الشرق الأوسط بوجه عام، والمنطقة العربية بصفة خاصة. بل تركز حالياً على التغلغل الاقتصادي وتطمع في بترول العرب ودول آسيا الوسطى الإسلامية، وفي أسواقها التجارية، ثم في استثماراتها ومدخراتها، ومواقعها الجيواستراتيجية المتحكمة في التجارة العالمية وفي الإستراتيجية الكوكبية، ويدرك كثير من المثقفين العرب تلك التناقضات الحادة بين الثقافتين الأمريكية والإسلامية التي تغذيها أفكار"صموئيل هنتيغتون" عن الصدام القادم بعد نهاية العقد الأول من القرن الحالي بين الحضارة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وتحالف الصين الكونفوشوسية مع بعض الدول الإسلامية.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
57
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
93
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
54
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5925
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3645
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2349
| 01 أغسطس 2026