رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة هواجس وشكوك ووساوس تتناهب دواخل السوريين اليوم وهم يتابعون الأطوار الماراثونية لتشكيل والتئام ما تسمى اللجنة الدستورية المزمع إنشاؤها لمناقشة-على أساس- الدستور السوري العتيد المرتقب، مستذكرين بألم ومرارة مسرحية تعديل الدستور الهزلية في صيف العام 2000 لتنصيب الفتى التحفة وأعجوبة الزمان ملكاً ووريثاً مطوباً ومدموغاً "أولبراتياً" للمزرعة الأسدية-المخلوفية أو ما كان يعرف سابقاً، قبل "النكبة"، باسم سوريا، فمنذ مؤتمر جنيف قبل سنوات طوال وهم يتحدثون ويتناقشون ويتصارعون و"يتباكسون" ويختلفون على وضع دستور جديد لسوريا، وما زالوا مختلفين، مرة على بعض البنود، ومرة على أعضاء اللجنة الدستورية، ومرة على صلاحيات الرئيس الموسعة التي جعلت من "الأسدين" (المؤسس ووريث المزرعة)، أكثر صلاحية ونفوذاً وقوة من نابليون بونابرت وإمبراطور اليابان والشاهنشاه أيام العز والجاه.
ومن الواضح أن المتلاعبين بمصير سوريا وشعبها سيظلون يماطلون ويضحكون على السوريين بلعبة الدستور السخيفة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. طبعاً ونحن نتابع فصول هذه المسرحية الممجوجة يتبادر إلى أذهاننا أمران صارخان، ونتساءل ونحن نرى هذه الجلبة والصراع المحلي والدولي على الدستور الجديد: لماذا يا ترى استغرق تعديل الدستور السوري بضع دقائق في مجلس الشعب بعد وفاة حافظ الأسد للسماح لبشار "الولد" المهرّج القاصر المعاق أن يصبح رئيساً لسوريا؟ لماذا لم نسمع أي اعتراضات أو خلافات أو ضجة أو مماحكات؟ لماذا مر الأمر بلمح البصر وبدقائق معدودات أسدل الستار مسرحية التوريث؟ بالمناسبة نحن لا نحاول إهانة بشار الأسد بوصفه بالولد عندما تم تعديل الدستور من أجل وصوله إلى الرئاسة، لا أبداً، فقد كان بشار وقتها حسب الدستور السوري غير مؤهل لأن يصبح رئيساً بسبب صغر سنه، وبالتالي كان غير بالغ سياسياً عندما أصبح رئيساً وذلك حسب بنود الدستور السوري الذي وضعه أبوه المؤسس حافظ الأسد. لكن الأهم هنا أنه تم تعديل الدستور السوري من أجل عيني طبيب العيون كما لو كنت تعدل رقماً بقلم رصاص على "شقفة" ورقة.
تعالوا نقارن الآن عملية تعديل الدستور السوري في مجلس الشعب من أجل بشار بعملية تعديل الدستور السوري من أجل سوريا وشعبها. من أجل بشار جرى التعديل بكل يسر وسهولة، أما من أجل السوريين والوطن فما زال الدستور يواجه ألف عثرة وعثرة منذ بداية الثورة. الأمر مختلف هذه المرة عن مسرحية مجلس الشعب، فالشعب دفع تضحيات لم يدفعها أي شعب في العالم من ملايين الشهداء والمشردين واللاجئين من أجل دستور يخدم مصالحه لا مصالح الطغمة الحاكمة، لهذا ما زال النظام وكفلاؤه الروس يماطلون مع القوى السورية المطالبة بدستور جديد من أجل سوريا وشعبها. لكن السؤال الأهم في هذه اللعبة الدستورية: ما فائدة أن يتم وضع دستور جديد لسوريا حتى لو كان في صالح الشعب لا في صالح النظام؟ هل قامت الثورة أصلاً من أجل دستور جديد؟ لا نعتقد مطلقاً، فالدستور السوري القديم يصلح لأن يحكم سويسرا بعد تعديل بعض المواد البسيطة الخاصة بصلاحيات رئيس الجمهورية وأجهزة الأمن.
بعبارة أخرى، المشكلة ليست في الدستور، بل في تطبيق مواده وبنوده. متى عمل النظام أصلاً بالدستور إلا حينما احتاجه لتعديل مادة تسمح لبشار الأسد بالوصول إلى سدة الرئاسة؟ السوريون جميعاً يعلمون أن الدستور مجرد كراس لا قيمة له، لأن النظام يحكم سوريا منذ عقود بقوانين الطوارئ، وبالتالي يستطيع أي عنصر أمن بحاجة لعشرين عاماً لأن يصبح حماراً، يستطيع أن يدوس الدستور وكل القوانين الدستورية بمباركة من رئيس الجمهورية الذي أعطى للمخابرات التي تحمي نظامه صلاحيات أسطورية، ومنع أي جهة مدنية أو قضائية أن تقاضيها، وبالتالي صار عنصر الأمن أقوى من أي دستور. وكي لا نطيل في الشرح، فإن الدستور السوري حسب محمد الماغوط قد أكله الحمار "الأمني" دون أن يدري أنه دستور ربما، أو يؤكل حتى، وذلك منذ زمن بعيد منذ فقدت سوريا عذريتها وكرامتها على يد الأسدين المؤسس والوريث، فلماذا إذاً كل هذه الضجة حول الدستور الجديد؟
لو كان الدستور الجديد مهماً فعلاً، لما عمل المحتلون الروس والإيرانيون والأمريكيون والإسرائيليون على إعادة تأهيل النظام وأجهزته الأمنية. ما فائدة الدستور حتى لو كان نسخة عن جمهورية أفلاطون إذا كان النظام وكفلاؤه يريدون إعادة سوريا والسوريين إلى تحت أحذية أجهزة المخابرات وكلابها ووحوشها؟ إن سوريا الجديدة التي يتحدثون عنها أصبحت معروفة الملامح بعد التغييرات والتعينات الأمنية الأخيرة التي جرت بمباركة روسية وأمريكية وإسرائيلية وإيرانية والتي أحيطت بهالة وتغطية إعلامية نادرة تأكيداً لدورها وأهميتها بالمرحلة القادمة واستمراريتها ما ينسق ويلغي أي دور وجدوى ومعنى للدستور العتيد ما يؤكد أنه لا يبدو أنه سيكون هناك أي نية لتغيير النظام أو تركيبته أو عقليته بوجود تلك الأسماء والأجهزة القدرية التي لم يكن لها من شغل سوى الدوس على الدستور وانتهاكه آناء الليل وأطراف النهار حتى تحولت سوريا إلى جزر أمنية وإقطاعات مافيوزية يتناهبها ويتقاسمها هؤلاء ويوزعون مواردها وثرواتها فيما بينهم، بدليل أن كل القيادات الأمنية الجديدة هي من صلب النظام ومن قرية واحدة مثلاً قرية "جنينة رسلان" العلوية بالدريكيش قضاء طرطوس، فيها اثنان من مدراء الإدارات الأقوى في سوريا.
ما فائدة أن تستبدل السفاح الطائفي التاريخي جميل الحسن رئيس المخابرات الجوية بنائبه العلوي غسان إسماعيل الذي تتلمذ على يديه وساعده على مدى عقود في كل مهماته الإجرامية؟ ما فائدة استبدال عليشة بعلوش، و"أبو جعفر بأبو حيدر"؟ وحتى القيادات الأمنية السنية الجديدة لا يمكن التعويل عليها، فهي غالباً تزايد على الضباط العلويين في البطش والإجرام كي تثبت كفاءتها أمام القيادة الطائفية. قبل سنوات سألت مسؤولاً سورياً كبيراً في عز الثورة: "هل نحن مقبلون على سوريا ديمقراطية جديدة بعد الثورة وبعد كل هذه التضحيات التاريخية؟ هل سيحكمنا الدستور والقانون بدل رجل الأمن الطائفي؟" فرد ضاحكاً: " شوف يا حبيبي. لقد كانت هذه الفورة درساً رائعاً للمخابرات السورية، فقد تعلمت منها الكثير الكثير، وأصبحت أكثر قدرة وكفاءة على ضبط سوريا والسيطرة عليها وعلى السوريين". يعني كل ما عاناه السوريون على أيدي هذه الأجهزة المغولية الوحشية القذرة على مدى عقود كان مجرد مقبلات. ثم يأتي بعض المغفلين ليراهن على دستور جديد. لا يفل الحديد إلا الحديد.
لن "يشيل الدستور العتيد الزير من البير"، ولا يعول عليه في أية عملية تغيير، ولا معنى لأي دستور قادم دون ثقافة دستورية، ودولة وأجهزة تحترم القانون وتصون الدستور، وآليات ومؤسسات رقابية تتابع الانتهاكات وتحاسب المرتكبين والمنتهكين، وطالما بقي نفس هذا النهج الفاشي البربري الوحشي الإقصائي ونفس هؤلاء الذين داسوا على القانون والدستور لعقود ولعقود فلا معنى، حقيقة، ولا قيمة، بالمآل، لأي قانون ودستور.
وسلامتكم!
kasimf@aljazeera.net
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3795
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3141
| 30 أكتوبر 2026