رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلما قرأت سورة الكهف، تذكرت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال"، ليثير تساؤلاً لا يتوقف عندي، بل ربما كثيرين غيري حول هذا المخلوق المعروف بالمسيح الدجال، وكيف هي فتنته أو كيف عظمتها وشرها إلى الدرجة التي يحذرنا منها نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم.
ما جاء هذا التحذير النبوي منه ومن فتنته إلا لأنها أعظم فتنة تمر على البشرية إطلاقاً منذ خلق آدم عليه السلام حتى القيامة، كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: "ما من خَلق آدمَ إلى قيام الساعة فتنة أعظمُ من فتنة المسيح الدَّجَّال"، حتى ذهب طائفة من السلف والخلف، كما يقول ابن تيمية رحمه الله، إلى وجوب الدعاء الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - آخر الصلاة بقوله (إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال).
قبل التعمق بعض الشيء في موضوع المسيح الدجال، أجده مفيداً ذكر بعض قوته أو فتنته، التي تجعل الملايين تجري خلفه، حيث لن تكون في تلك الفترة عبرة أو قيمة للمستوى التعليمي أو الفكري والثقافي للذين سيتبعونه، إلا من عصمه الله يومئذ، وإن أكثر التابعين له سيكونون من النساء، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قال: "ينزل الدجال في هذه السبخة بمرّ قناة – واد في المدينة - فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته، فيوثقها رباطاً، مخافة أن تخرج إليه".
يظهر المسيح الدجال أو مسيح الضلالة أولاً في صورة ملك من الملوك الجبابرة - كما يصفه الحافظ ابن كثير- ثم "يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم، والطغام من الرعاعٍ والعوام، ويخالفه ويَرُدُّ عليه مَن هَدَى الله من عباده الصالحين وحزب الله المتقين، يأخذ البلاد بلداً بلداً، وحصناً حصناً، وإقليماً إقليماً، ولا يبقى بلد من البلاد إلا وطئه بخيله ورجله غير مكة والمدينة، ومدة مقامه في الأرض أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف الشهر".
دجال العصر
ما جاء في الأحاديث إذن عن المسيح الدجال، ليس بالشيء المستغرب أو غير القابل للتصديق، حتى لو لم تكن صاحب إيمان قوي وعقيدة صحيحة، فالمنطق السائد اليوم في عصرنا هذا فيما يتعلق بمسائل التبعية في كثير من المجالات، يدعوك إلى عدم التشكيك فيما جاء عن هذا الدجال، وما سيكون عليه في زمن قادم لا نعرف توقيته، لكنه في آخر الزمان، وليس بالمهم أن نعرف أي زمان، بقدر أنه زمان قادم لا شك فيه.
ما نجده اليوم في مجالات التواصل مثلاً أو مجالات السياسة والتحزب، أو ما شابه من مجالات، وكثرة الأتباع لرموز ومشاهير دون كثير وعي وتبصّر، يجعلك تؤمن إيماناً راسخاً بأن ما يحدث الآن كما لو أنه تهيئة الأرضية والأجواء لما سيكون عليه البشر في قادم الزمان.
حين تجد شاباً يتبعه ملايين من البشر، ليس لشيء سوى أنه اشتهر بالغناء فقط، أو مثله لاعب رياضي اشتهر بفنه في هذا المجال، أو ممثل، أو سياسي، أو غيرهم كُثُر في مجالات متنوعة، ثم تجد الأتباع بالملايين وقد تناسى كثير منهم عقائدهم وقيمهم وأخلاقياتهم في متابعتهم لأولئك البشر.. فإنه دون شك لن يكون غريباً بعد كل هذا خروج شخص من بني آدم مثل المسيح الدجال، يتمتع بنفوذ وقوة تأثير هائلة ليس في مجال واحد فحسب، بل مجالات عديدة لم يخضها ويقدر عليها أحد من بني البشر من ذي قبل، تجعل الملايين من البشر تنجذب إليه بشكل لافت للنظر، دون أن يلتفت أحد إلى وجهه القبيح.
إن الوسامة وجمال الوجه والأناقة وغيرها من مظاهر الجذب، لن تكون يومها من معايير وشروط يبحث عنها التابعون في الدجال، كما يحدث اليوم في وسائل التواصل، وإنما يحدث الانجذاب بسبب نفوذه وتأثيره على البشر حينها بصورة تجعلهم يندفعون صوبه، بلا كثير تفكير وكثير عناء.. حيث يتناسى البشر أيضاً يومها ما تبقى من عقائد وقيم وأخلاقيات، وهم في طريقهم نحوه.
هي فتنة عظيمة لن نستشعر خطرها الآن، لكن التحذير من خطرها واجب، وهو ما جعل النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يحذر أصحابه، كي يقوم الناس من بعدهم جيلاً بعد جيل، بالتحذير المستمر من هذه الفتنة المستقبلية المرتقبة.
أما من سيعيش تلك الأيام، التي لن تدوم سوى 469 يوماً من أيامنا التي نعيشها، وفق الحديث، فستكون بالنسبة لهم أياماً عاصفة، لن ينجو منها إلا القليل القليل، وهم الذين سيكونون من القابضين على دينهم كالجمر. الذين سيمنحهم الله قدرة في رؤية علامة الدجال المميزة، فيرونها رؤية بصيرة قبل رؤية بصر، وهي كلمة كافر أو ك ف ر مكتوبة بين عينيه. سيقرأها أي مؤمن متعلم أو غير متعلم. لكنها تغيب عن ملايين البشر يومها والعياذ بالله.
فاللهم قنا عذاب القبر وعذاب جهنم، ومن فتنة المسيح الدجال. وقبل ذلك يا رب، قنا فتنة التواصل الأعمى وفتنة فقاعات الشهرة والمشاهير، إنك سميع عليم مجيب الدعوات.
السياسة حين تُربك البوصلة
كما قال نيقولا مكيافيلي: احذر ممن لا يلعب علناً ولا يُظهر نفسه، لكنه يتحكم في النتيجة. هذه العبارة... اقرأ المزيد
120
| 07 مايو 2026
الإنسانية العابرة للخوف والمخاطر!
تؤكد موسوعة "بيرز" البريطانية (Pears' Cyclopaedia)، أن "احترام الإنسان لأخيه الإنسان - بغض النظر عن الطبقة، أو العرق،... اقرأ المزيد
60
| 07 مايو 2026
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة،... اقرأ المزيد
219
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3003
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2895
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1068
| 05 مايو 2026