رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

498

الدكتورة حصة حامد المرواني

البنية التحتية غير المرئية للنمو

18 أغسطس 2025 , 01:56ص

لا يخفى على أحد أن الأمم لا تنهض بالموارد الطبيعية وحدها، ولا بالمشاريع العمرانية الضخمة، بل بقيمة الإنسان وقدرته على التعلم والتطور. 

فالبنية التحتية الحقيقية لأي مجتمع متقدم تبدأ من بناء العقول وصقل المهارات، قبل أن تبدأ من تشييد الأبراج والطرق. وهنا يبرز التدريب باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري، وهو الاستثمار الأكثر استدامة والأعلى عائدًا على المدى الطويل. فالمجتمعات التي تجعل التدريب جزءًا أصيلًا من سياساتها التنموية قادرة على مواجهة الأزمات، وصناعة فرص جديدة، وحجز مكانة تنافسية متقدمة على خريطة العالم.

عندما نتحدث عن البنية التحتية للنمو الاقتصادي والاجتماعي، غالبًا ما يتبادر إلى الأذهان الطرق والجسور والمطارات وشبكات الاتصالات. غير أن هناك بنية تحتية أخرى، غير مرئية للعين لكنها حاسمة في صناعة المستقبل، ألا وهي التدريب.

فالتدريب ليس نشاطًا تكميليًا أو خدمة مساندة، بل هو محرك استراتيجي يعزز القدرة التنافسية، ويمد الاقتصادات بطاقة متجددة، ويمكّن الأفراد والمؤسسات من التكيّف مع عالم سريع التغير.

وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاستثمار في تنمية المهارات والتعلم المستمر يسهم في رفع إنتاجية الأفراد بنسبة تصل إلى 12% سنويًا، ويزيد من قدرة الاقتصادات على مواجهة التحولات التكنولوجية المتسارعة. كما تبرز المنظمة أن الدول التي تخصص أكثر من 1.5% من ناتجها المحلي الإجمالي للتدريب والتطوير تحقق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة مقارنة بغيرها.

وفي دراسة صادرة عن OECD عام 2022، تبين أن المؤسسات التي تستثمر في التدريب بشكل منتظم تقل لديها معدلات دوران الموظفين بما نسبته 30% ما يعزز الاستقرار المؤسسي ويخفض تكاليف الاستقطاب والتوظيف.

شواهد وأرقام تؤكد الأثر:

•تقرير Skills Outlook 2023 أوضح أن الاستثمار في التدريب رفع معدلات التوظيف في بعض الاقتصادات الأوروبية بنسبة تتراوح بين 6 – 9% خلال خمس سنوات فقط.

•كل دولار يُستثمر في التدريب يحقق مردودًا يقارب أربعة أضعافه عبر زيادة الإنتاجية والكفاءة التشغيلية.

•على المستوى الفردي، تزيد احتمالات الترقي الوظيفي للمشاركين في برامج التدريب المستمرة بنسبة 24% مقارنة بغيرهم.

هذه الأرقام تكشف أن التدريب ليس مجرد تكلفة، بل استثمار عالي العائد ينعكس على الفرد والمؤسسة والدولة.

التدريب ركيزة للنمو المستدام:

مع التحولات الكبرى كالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم يعد التدريب ترفًا أو خيارًا ثانويًا. 

فحتى أرقى البنى التحتية المادية لن تحقق أهدافها إذا لم تُدعَم بالإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها. وهنا يصبح التدريب ركيزة للنمو المستدام، يربط بين التقنية والإنسان، وبين الطموح والإنجاز.

خاتمة

إن التدريب هو البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها ازدهار المجتمعات وقوة الاقتصادات. إنه استثمار طويل الأمد تتضاعف عوائده بمرور الزمن، ويضمن أن تبقى المجتمعات قادرة على المنافسة والابتكار. وعليه، فإن إدماج التدريب كحق أساسي واستثمار وطني لم يعد خيارًا، بل التزام استراتيجي تجاه مستقبل أكثر إشراقًا.

مساحة إعلانية