رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأشهر التي مضت من عمر الثورة المصرية سمحت لنا بأن نتفرس في وجوهنا كما تبدت في مرآة الحقيقة، الأمر الذي كشف عن أننا جميعا خرجنا مشوهين من رحم النظام السابق.
(1)
الفكرة المفتاح فيما أتحدث عنه أننا جميعا أبناء بيئة اجتماعية وسياسية واحدة، وإن اختلفت مشاربنا ومرجعياتنا الفكرية والسياسية. وهذه البيئة خضعت طوال الثلاثة أو الأربعة عقود الأخيرة لنظام اقترن فيه الاستبداد المقيم بالفساد المستشري. وللاستبداد طبائعه المدمرة. فهو مؤذن بفساد العمران. بمعنى الاجتماع البشري، عند ابن خلدون. وهو أصل كل فساد آخر عند عبدالرحمن الكواكبي، وقد فصَّل في ذلك في كتابه الشهير الذي تحدث عن تلك الطبائع. ونوه في مقدمته إلى أهمية أن «يعرف الذين قضوا نحبهم أنهم هم المتسببون لما حل بهم، فلا يعقبون على الأغيار ولا على الأقدار».
ليس منا إذن من نجا من التأثر بأجواء المرحلة السابقة. وليس بوسع أي أحد أن يدعي أنه كان معصوما من أصدائها. بالتالي فلا محل للتساؤل عن وجود ذلك الفساد من عدمه، ولكن السؤال قد يصح إذا ما انصب على درجة التأثر بتلك الأجواء. وهو ما يسوغ لي أن أقول إننا جميعا ــ أفرادا وجماعات ــ خرجنا من النظام السابق بيوتنا من زجاج، قد تختلف فيه درجة الهشاشة ولكنه يظل زجاجا في نهاية المطاف.
بوجه أخص، فإن طول عمر النظام السابق، الذي استمر ثلاثين عاما، وفر له فسحة كافية لتفكيك المجتمع وإعادة تركيبه من جديد بالمواصفات التي ارتآها مناسبة له. رأينا ذلك بصورة جلية في مؤسسات السلطة وجهازها الإداري، كما رأيناه في الكيانات السياسية التي ظهرت في تلك الفترة، بل رأيناه أيضا في تراجع منظومة القيم السائدة في المجتمع.
(2)
إن بعض أنصار النظام السابق وأبواقه ما برحوا يتحدثون عن الأسواق الكبيرة (المولات) التي ظهرت في عهده والمنتجعات والجسور التي أنشئت، وشبكة المترو التي امتدت وأعداد المشاركين في الإنترنت ومشتري الهواتف النقالة وغير ذلك. وهذا قد يكون صحيحا، إلا أنه يظل منسوبا إلى محيط العمران الإنشائي إذا صح التعبير، لكنه أبعد ما يكون عن العمران الاجتماعي والبشري. بكلام آخر فإن البنايات والمشروعات التي نفذت لا تعد دليلا كافيا على التقدم، وإنما هي بعض مظاهر التقدم الذي ينبغي ألا يقاس بالمشروعات الاستهلاكية والإنشائية وحدها، ولكنه يقاس أساسا بمدى إيجابية منظومة القيم الحاكمة للمجتمع في المجالات المختلفة.
إن ما تتحدث عنه هذه الأيام وسائل الإعلام وما تلوكه ألسنة الطبقة السياسية المصرية، عن الاستحواذ والإقصاء والتهميش وإهدار أحكام القضاء وسلطة القانون. هذه العناوين كلها ليست طارئة في فضائنا السياسي، ولكنها من مخلفات ومواريث النظام السابق. أو قل إنها جزء من ثقافة تلك المرحلة التي لم نتخلص منها بعد. في هذا الصدد أزعم أن الذين مكنوا من موقع في ظل النظام السابق مارسوا ذلك الذي ينتقدونه اليوم، إلا من رحم ربك بطبيعة الحال. لا أعني نظام مبارك وحزبه الوطني فحسب، ولكنني أعني أيضا مختلف الجماعات والقوى السياسية التي حالفها حظ التمكين، وقدر لها أن تدير منبرا أو جماعة أو منظمة في تلك المرحلة. أتحدث عن شرائح الليبراليين والعلمانيين واليساريين الذين كان أغلبهم إما مرضيا عنهم من قبل النظام السابق أو متحالفين معه. صحيح أن مبارك سلم مقاليد السياسة والإدارة لجماعته الذين شغلوا المواقع الأساسية في السلطة والحزب. إلا أنه سلم أبرز منابر الإعلام والثقافة لممثلي تلك الشرائح. وظل الاتفاق غير المكتوب بين الجانبين مستقرا على إقصاء الإسلاميين وتهميشهم حيثما وجدوا. عندي عشرات القصص التي تؤيد تلك المقولة، بعضها يتعلق بخبرات شخصية والبعض الآخر يخص آخرين أعرفهم، لكني لا أريد أن أذكر أسماء حتى لا أحرج أحدا. لذلك سأكتفي بالإشارة إلى ثلاثة نماذج فقط، فقد حرِّمت جوائز الدولة التقديرية على أي مرشح من الإسلاميين حتى إذا لم يكن من الإخوان. وتم ذلك طوال الوقت بتوافق بين مجموعة من المثقفين وبين جهاز أمن الدولة، وعبرَّ لي أعضاء في إحدى اللجان الاستشارية لمشروع ثقافي خليجي كان يختار كل عام شخصية عربية يمنحها جائزته عن استيائهم من موقف اثنين من المثقفين المصريين ــ أحدهما صار وزيرا فيما بعد ــ دأبا على الاعتراض على أي شخصية إسلامية ترشح للجائزة، خصوصا من بين المصريين ولم يكن هناك تفسير لذلك سوى أن الاثنين من العلمانيين الأصوليين، الذين أصبحوا الآن يعظوننا في ضرورة القبول بالآخر واحترامه.
النموذج الثاني يتعلق بقصة الدكتور نصر أبوزيد، الذي اعترضت حينها على فكرة محاكمته ولكن القضاء بمختلف مراتبه أدانه، بما في ذلك محكمتا الاستئناف والنقض. حينذاك انهالت مقالات وتصريحات تسفيه القضاء واتهامه بالتحيز لصالح الإسلاميين واختراقه من جانبهم. وهؤلاء الذين ظلوا يكيلون الاتهامات للقضاء وقتذاك وجدناهم يتصدون للدفاع عنه ويشددون على ضرورة احترام أحكامه، حين أصدرت المحكمة الدستورية مؤخرا حكمها الذي دعت فيه إلى حل مجلس الشعب ذي الأغلبية الإسلامية.
لاتزال تلك النخب تمارس إرهابها الفكري في ذات الاتجاه الأمر الذي دفع وزير الثقافة الحالي لأن يصرح لصحيفة (المصري اليوم) في حديث نشرته له في 7/9 الحالي قائلا إنه لم يستعن بإخواني واحد في أي موقع ثقافي. ويبدو أنه بذلك الإقصاء أراد أن يبرئ ساحته ويثبت أنه عند حسن ظن تلك الفئات به ليأمن من التشهير والاتهام في وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها.
(3)
لا أريد أن أبرز الاستحواذ الذي يتحدثون عنه هذه الأيام وهو ما أدينه وأستنكره إذا صح. ولكني أردت فقط أن أنبه إلى أن ثمة أمراضا من مخلفات النظام السابق توطنت في الساحة الثقافية المصرية، فأصابت الجميع ولم يعد أحد مبرأ منها، وبسبب عموم البلوى، فليس لأحد أن يكابر ويعاير الآخر بما أصابه. ولكن واجب الوقت ونداءه هو كيف نعالج أنفسنا لنبرأ جميعا من تلك الآفات. وأولى مراحل العلاج أن يعترف المريض بمرضه.
إن قسمة البلدين إلى معسكرين الأول انخرطت فيه ما سمي بالقوى المدنية، والثاني شمل التيارات الإسلامية التي عرفت باسم القوى الدينية هو صياغة حديثة أضفت نوعا من التقنين للحرب الباردة التي ظلت مستمرة طوال الفترة الماضية. وما استجد فيها أن الطرف الإسلامي اكتسب شرعية وخروجا من الظل إلى الضوء والنور. وقد ذكرت من قبل أنها صياغة خطرة ومغلوطة كرست التقاطع بين الطرفين وأغلقت باب التلاقي أو حتى التوازي بينهما. الأمر الذي يعني أن الطرفين خرجا متخاصمين من خبرة النظام السابق. وبدت خصومة الطرف العلماني والليبرالي واليساري أشد. ليس فقط لأنه ظل تاريخيا منحازا إلى موقف الرفض الحاسم للإسلاميين، ولكن أيضا لأنه استشعر أن صعود الأخيرين يهدد احتكار الأولين للمواقع التي هيمنوا عليها طوال الوقت.
هذه المفاصلة بين الطرفين ظلت مصدرا للتشوهات التي أصابتهما معا. ذلك أن خصامهم لم يتح لهم أن يعملوا معا، فلم يعرفوا بعضهم بعضا ولم يثقوا في بعضهم بعضا. وبالتالي ظل سوء الظن مخيما على علاقاتهم. فقد ظن بعض الإسلاميين أن الآخرين متفلتون وضالون إن لم يكونوا كفارا ومطعونا في إسلامهم وهي معان كرسها وضعهم في موقف الضد من المتدينين. وشاع في أوساط الآخرين أن الإسلاميين جهلاء ومتخلفون ويتاجرون بالدين. وتنطع بعضهم حتى وصفوهم بالمتأسلمين. (لاحظ أن بعض رسامي الكاريكاتير لا يزالون يقدمون الإسلاميين باعتبارهم رموزا للتخلف والقبح والغباء وليس فيهم ما يدعو إلى التقدير أو الاحترام).
ذلك التوجس المتبادل المسكون بالنفور وعدم الثقة، كان كفيلا بتعطيل وإفساد أي عمل مشترك بين الطرفين، حتى بدا أن كلا منهما ليس مؤهلا للتعاون مع الآخر، الأمر الذي لم يكن مستغربا أن يفشل الطرفان في التفاعل فيما بينهما وأن تصبح كلمة التوافق عنوانا فارغ المضمون.
إذا أردنا أن نتصارح أكثر فينبغي أن نعترف بأننا بعد الثورة حاولنا أن نؤسس نظاما ديمقراطيا في حين أننا ظللنا نفتقد إلى الثقافة الديمقراطية، حيث لم نتعلم كيف نعمل معا، وكيف يمكن أن نستخلص من الآخر أفضل ما فيه لتنتفع به الجماعة الوطنية، بدلا من أن ننشغل بإبراز أسوأ ما في الآخر لإقصائه ونفيه من الساحة الوطنية.
(4)
الخلاصة أننا لابد أن نعترف بأننا مازلنا في «حضانة» أو تمهيدية الديمقراطية. من ثَمَّ فحاجتنا ملحة لأن نستعيد ثقافة الممارسة الديمقراطية، فيتعرف بعضنا على بعض، بحيث يكمل كل منا الآن، ولا يتردد في التعلم منه. بغير استعلاء أو استكبار. والحرص على التعلم واكتساب الخبرة يتطلب تواضعا للذات واحتراما وتقديرا للآخر.
هذه الروح تستصحب اقتناعا ضروريا بأن الجميع شركاء في الوطن، الذي هو أكبر من أي طرف بذاته، وبالتالي فإن النهوض بذلك الوطن يقتضي تفاعلا بين أطيافه واحتشادا لكل مكوناته. في هذا الصدد أذكر بأنني دعوت من قبل إلى ترحيل مطلب تطبيق الشريعة المثير للخلاف، والاكتفاء في الوقت الراهن بالاتفاق على مجموعة من المبادئ والقيم التي تحظى بالإجماع الوطني، قياسا على ترحيب النبي محمد بفكرة حلف الفضول الذي عقده نفر من وجهاء قريش لحماية الضعفاء قبل الإسلام، وهو ما يجعلني أدعو إلى خطوة أخرى على طريق تواضع الأهداف، مناديا بالكف عن الحديث عن مشروع «النهضة» الذي يبدو المصطلح فيه أكبر بكثير من قدرة وطاقة المجتمع الذي يمر بفترة النقاهة. بل أدعو إلى الاعتراف بأن جميع القوى السياسية والإسلامية في المقدمة منهم ليست لديها إستراتيجيات واضحة المعالم للمستقبل. ذلك أن تلك القوى لم تحلم يوما ما بأن تكون شريكة في إدارة البلد، ولم يتجاوز حلمها طوال تلك المرحلة حدود إثبات الحضور ضمن مؤسسات النظام السابق. أما الإخوان فقد ظلوا مشغولين طوال الوقت بالدفاع عن الذات وأحكام الحفاظ على التنظيم في مواجهة الغارات المستمرة التي ظلوا يتعرضون لها. وإذا صح ذلك فإنه لا ينبغي أن يكون سببا لإحباطنا، ولكنه يجب أن يكون حافزا لإقناعنا بحاجة كل منا للآخر، لوضع إستراتيجيات النهوض المرجوة من خلال التجربة والخطأ. وهو ما لا يشين أحدا أو ينتقص من قدره. لأن المشين حقا أن يدعي أي طرف أن لديه إستراتيجيات كاملة الأوصاف للحاضر والمستقبل والداخل والخارج، في حين أنه لا يزال يتعلم ويحاول التعرف على محيطه وعلى العالم من حوله.
إن أولى خطوات علاج أي مريض أن يعترف بمرضه، وهو ما لا أراه حاصلا حتى الآن، رغم أننا لسنا بالسوء الذي يعجزنا عن ذلك ــ سنواصل الكلام في الموضوع الأسبوع المقبل بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3432
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3234
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026