رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خلود زايد

- كاتبة وروائية

مساحة إعلانية

مقالات

360

خلود زايد

الذكاء الاصطناعي بين مقاعد الدراسة

18 سبتمبر 2026 , 12:15ص

منذ وقت قريب كان الطالب، حتى يستطيع حل واجبه، يصبح محاطا بالكتب، ويقلب صفحاتها، ويحاول جاهداً بين السطور العثور على إجابة الأسئلة التي أعطاها إياه المعلم ليقوم بحلها في البيت، أي الواجب المدرسي، ويستغرق الأمر ساعات، لكن النتيجة النهائية ليست فقط في تحصيل الإجابة، بل إنه أثناء رحلة البحث في الكتب تكون المحصلة خبرة في البحث وقراءة معلومات يتم ترسيخ معظمها في عقله لحين عثوره على الإجابات الصحيحة للأسئلة، وبعدها يولد شعور الثقة بالنفس والانتصار؛ لأنه قد عرف كيف وصل إليها دون مساعدة أحد.

ولكن اليوم، ومع مواكبة التكنولوجيا، أصبح الذكاء الاصطناعي يوفر كل شيء في أقل من ثوان معدودة، وتكون الإجابة مثالية ومنظمة ومرتبة، حتى إنه يصعب على الطالب الكتابة بالاحترافية التي تفعلها أدوات الذكاء الاصطناعي، وهذا تسبب في وجود مميزات وعيوب، من أحد تلك المميزات هو توفر كمية هائلة من المعلومات متوفرة بين يدي الطالب، ولكن في نفس ذات الوقت يمكننا القول إنه أحد العيوب الجسيمة التي تسبب فيها الذكاء الاصطناعي هو تعطيل العقل البشري وجعله يعتمد بشكل أساسي على تلك الآلة التي تستطيع أن تنجز أي مهمة بكل بساطة. وهنا يطرح على الساحة سؤال مهم: كيف يتم استغلال الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى أداة نافعة؟ حيث إننا يجب أن نعي جيدا أن طلاب اليوم هم بناة المستقبل، فلا نريد أن يخرج أجيال تعتمد على الذكاء الاصطناعي وليس لديها أي معرفة أو علم.

ومن هنا تبدأ فكرة إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم بدلا من تحريم استخدامه؛ لأنه من الصعب الآن، وفي هذا العصر الذي نعيش فيه، أن نغض الطرف عن تلك الأداة التي تعتبر سيفا ذا حدين، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن الطالب يستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن المدارس ما زالت تطلب منه مهام قد صممت في زمن لم تكن فيه هذه الأدوات موجودة، لذلك علينا أن نعيد التفكير في بعض التكليفات والواجبات المدرسية وإعادة هيكلتها من جديد لتتناسب مع الأدوات الجديدة والمعاصرة. على سبيل المثال، الواجب الذي كان يقيس قدرة الطالب على البحث والكتابة يجب أن يتحول إلى مقياس يتم من خلاله صياغة وتحليل ما تكتبه الآلة.

ومن ذلك المنطلق يمكننا القول إن الحل هو ألا نغلق الباب أمام الذكاء الاصطناعي، بل هو أن نفتح له باباً آخر إلى المدارس تحت الرقابة التعليمية، حيث إن أول الأمور التي يجب أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن العقل، وإنما أداة يمكن للعقل أن يحسن استخدامها، حيث يستطيع الطالب أن يستعين به لفهم درس استعصى عليه، أو أن يحول فكرة معقدة إلى مثال بسيط، أو أن يطلب منه أسئلة تساعده على اختبار نفسه، ثم يعود إلى الكتاب والمصادر ليتأكد مما قرأ.

ومن هذه الفكرة يمكن أن تولد مادة دراسية جديدة تحمل عنواناً مثل «الذكاء الاصطناعي والتعلم»؛ مادة لا تعلم الطالب كيف يجعل الآلة تنجز واجباته، وإنما كيف يستخدمها ليصبح أكثر قدرة على التعلم، وتحليل المعلومات، ومنها يتعلم الطالب كيف يصوغ السؤال بدقة، وكيف يطلب الشرح بالطريقة التي تناسب مستواه، وكيف يناقش الإجابة بدلا من قبولها كما هي. ويتعلم كذلك أن الذكاء الاصطناعي ليس مصدراً معصوماً من الخطأ، وأن المعلومة التي تظهر أمامه بثقة قد تحتاج إلى مراجعة وتحقق.

ويمكن أن نعلم الطالب كيف يسأله عن مصدر المعلومة، ويقارنها بكتابه، ويراجع المصادر الموثوقة، ويبحث عن التناقض قبل أن يبني رأيه عليها، وهذه المهارة تحديدا ستكون أكثر أهمية في المستقبل؛ لأن المشكلة لن تكون في قلة المعلومات، وإنما في وفرتها، وفي قدرة الإنسان على التمييز بينها.

لكن علينا أن نعي جيداً أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم لا يعني أن نستخدمه في كل شيء، ومن هنا يأتي المعلم لترسيخ تلك الفكرة، فبعض الأسئلة يجب أن تظل بلا آلة، وبعض الواجبات يجب أن تترك الطالب وحيداً أمام الورقة، لأن العقل يحتاج إلى تلك المساحة التي لا يجد فيها إجابة جاهزة، يحتاج إلى أن يحاول، وأن يخطئ، وأن يحتار، ثم يكتشف الطريق بنفسه.

ولهذا يمكن أن يصبح التعليم أكثر توازناً؛ فيستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي في بعض المهام، بينما يؤدي مهام أخرى بصورة مستقلة، وفي كلتا الحالتين يعرف لماذا استخدم الأداة، ولماذا اختار ألا يستخدمها، وحينها يمكن أن يتغير شكل الواجب المدرسي، فبدلاً من أن يطلب المعلم من الطالب كتابة بحث كامل، يستطيع أن يطلب منه تحليل إجابة أنتجها الذكاء الاصطناعي، واكتشاف نقاط ضعفها، والتحقق من مصادرها، ثم بناء إجابته الخاصة، وبدلا من أن يصبح التركيز على الورقة النهائية وحدها، يصبح جزء من التقييم مرتبطا بالطريق الذي سلكه الطالب للوصول إليها.

وهنا يستعيد الواجب وظيفته القديمة، ولكن بصورة جديدة: لم يعد اختبارا لقدرة الطالب على الوصول إلى الإجابة، وإنما اختبار لما يستطيع أن يفعل بعد أن يصل إليها.

إن المدارس التي ستنجح في المستقبل ليست التي تمنع طلابها من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، ولا التي تسلمه إليهم بلا ضوابط؛ وإنما المدارس التي تعلمهم كيف يعيشون معه دون أن يفقدوا استقلال عقولهم.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية