رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ وقت قريب كان الطالب، حتى يستطيع حل واجبه، يصبح محاطا بالكتب، ويقلب صفحاتها، ويحاول جاهداً بين السطور العثور على إجابة الأسئلة التي أعطاها إياه المعلم ليقوم بحلها في البيت، أي الواجب المدرسي، ويستغرق الأمر ساعات، لكن النتيجة النهائية ليست فقط في تحصيل الإجابة، بل إنه أثناء رحلة البحث في الكتب تكون المحصلة خبرة في البحث وقراءة معلومات يتم ترسيخ معظمها في عقله لحين عثوره على الإجابات الصحيحة للأسئلة، وبعدها يولد شعور الثقة بالنفس والانتصار؛ لأنه قد عرف كيف وصل إليها دون مساعدة أحد. ولكن اليوم، ومع مواكبة التكنولوجيا، أصبح الذكاء الاصطناعي يوفر كل شيء في أقل من ثوان معدودة، وتكون الإجابة مثالية ومنظمة ومرتبة، حتى إنه يصعب على الطالب الكتابة بالاحترافية التي تفعلها أدوات الذكاء الاصطناعي، وهذا تسبب في وجود مميزات وعيوب، من أحد تلك المميزات هو توفر كمية هائلة من المعلومات متوفرة بين يدي الطالب، ولكن في نفس ذات الوقت يمكننا القول إنه أحد العيوب الجسيمة التي تسبب فيها الذكاء الاصطناعي هو تعطيل العقل البشري وجعله يعتمد بشكل أساسي على تلك الآلة التي تستطيع أن تنجز أي مهمة بكل بساطة. وهنا يطرح على الساحة سؤال مهم: كيف يتم استغلال الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى أداة نافعة؟ حيث إننا يجب أن نعي جيدا أن طلاب اليوم هم بناة المستقبل، فلا نريد أن يخرج أجيال تعتمد على الذكاء الاصطناعي وليس لديها أي معرفة أو علم. ومن هنا تبدأ فكرة إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم بدلا من تحريم استخدامه؛ لأنه من الصعب الآن، وفي هذا العصر الذي نعيش فيه، أن نغض الطرف عن تلك الأداة التي تعتبر سيفا ذا حدين، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن الطالب يستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن المدارس ما زالت تطلب منه مهام قد صممت في زمن لم تكن فيه هذه الأدوات موجودة، لذلك علينا أن نعيد التفكير في بعض التكليفات والواجبات المدرسية وإعادة هيكلتها من جديد لتتناسب مع الأدوات الجديدة والمعاصرة. على سبيل المثال، الواجب الذي كان يقيس قدرة الطالب على البحث والكتابة يجب أن يتحول إلى مقياس يتم من خلاله صياغة وتحليل ما تكتبه الآلة. ومن ذلك المنطلق يمكننا القول إن الحل هو ألا نغلق الباب أمام الذكاء الاصطناعي، بل هو أن نفتح له باباً آخر إلى المدارس تحت الرقابة التعليمية، حيث إن أول الأمور التي يجب أن نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن العقل، وإنما أداة يمكن للعقل أن يحسن استخدامها، حيث يستطيع الطالب أن يستعين به لفهم درس استعصى عليه، أو أن يحول فكرة معقدة إلى مثال بسيط، أو أن يطلب منه أسئلة تساعده على اختبار نفسه، ثم يعود إلى الكتاب والمصادر ليتأكد مما قرأ. ومن هذه الفكرة يمكن أن تولد مادة دراسية جديدة تحمل عنواناً مثل «الذكاء الاصطناعي والتعلم»؛ مادة لا تعلم الطالب كيف يجعل الآلة تنجز واجباته، وإنما كيف يستخدمها ليصبح أكثر قدرة على التعلم، وتحليل المعلومات، ومنها يتعلم الطالب كيف يصوغ السؤال بدقة، وكيف يطلب الشرح بالطريقة التي تناسب مستواه، وكيف يناقش الإجابة بدلا من قبولها كما هي. ويتعلم كذلك أن الذكاء الاصطناعي ليس مصدراً معصوماً من الخطأ، وأن المعلومة التي تظهر أمامه بثقة قد تحتاج إلى مراجعة وتحقق. ويمكن أن نعلم الطالب كيف يسأله عن مصدر المعلومة، ويقارنها بكتابه، ويراجع المصادر الموثوقة، ويبحث عن التناقض قبل أن يبني رأيه عليها، وهذه المهارة تحديدا ستكون أكثر أهمية في المستقبل؛ لأن المشكلة لن تكون في قلة المعلومات، وإنما في وفرتها، وفي قدرة الإنسان على التمييز بينها. لكن علينا أن نعي جيداً أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم لا يعني أن نستخدمه في كل شيء، ومن هنا يأتي المعلم لترسيخ تلك الفكرة، فبعض الأسئلة يجب أن تظل بلا آلة، وبعض الواجبات يجب أن تترك الطالب وحيداً أمام الورقة، لأن العقل يحتاج إلى تلك المساحة التي لا يجد فيها إجابة جاهزة، يحتاج إلى أن يحاول، وأن يخطئ، وأن يحتار، ثم يكتشف الطريق بنفسه. ولهذا يمكن أن يصبح التعليم أكثر توازناً؛ فيستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي في بعض المهام، بينما يؤدي مهام أخرى بصورة مستقلة، وفي كلتا الحالتين يعرف لماذا استخدم الأداة، ولماذا اختار ألا يستخدمها، وحينها يمكن أن يتغير شكل الواجب المدرسي، فبدلاً من أن يطلب المعلم من الطالب كتابة بحث كامل، يستطيع أن يطلب منه تحليل إجابة أنتجها الذكاء الاصطناعي، واكتشاف نقاط ضعفها، والتحقق من مصادرها، ثم بناء إجابته الخاصة، وبدلا من أن يصبح التركيز على الورقة النهائية وحدها، يصبح جزء من التقييم مرتبطا بالطريق الذي سلكه الطالب للوصول إليها. وهنا يستعيد الواجب وظيفته القديمة، ولكن بصورة جديدة: لم يعد اختبارا لقدرة الطالب على الوصول إلى الإجابة، وإنما اختبار لما يستطيع أن يفعل بعد أن يصل إليها. إن المدارس التي ستنجح في المستقبل ليست التي تمنع طلابها من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، ولا التي تسلمه إليهم بلا ضوابط؛ وإنما المدارس التي تعلمهم كيف يعيشون معه دون أن يفقدوا استقلال عقولهم.
351
| 18 سبتمبر 2026
في خضم التطور الكبير الذي شهده علم النفس في العصر الحديث، ظهرت مصطلحات جديدة أخذت مكانها في الأذهان، وصارت تتردد على الألسن بشكل يومي. من بين هذه المصطلحات: النرجسية، الشخصية السامة، والسيكوباتية. تلك الكلمات التي لم تكن في الماضي تحمل أي معنى عند الكثيرين، أصبحت اليوم شائعة الاستخدام، مختصرة في حروف قليلة مفاهيم معقدة وسلوكيات خطرة. لكن، هل أدى تبسيط هذه المصطلحات إلى فهم أعمق للظاهرة أم إلى تبريرها وتقبلها دون وعي؟ النرجسية، في جوهرها، تعني حب النفس المفرط والرغبة الدائمة في تلقي الإعجاب والاحترام من الآخرين. لكنها في حقيقة الأمر تحمل في طياتها صفات الأنانية والتكبر والغرور، تلك الصفات التي طالما كانت محل استهجان في مختلف الثقافات، بل وفي الأديان. ولعل أبرز مثال على ذلك قول الله تعالى: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا» (سورة الإسراء، الآية 37)، حيث يحذر القرآن الكريم من التكبر والتعالي. ومع ذلك، حين نصف شخصًا بأنه نرجسي اليوم، يبدو الأمر أقل وطأة، وكأننا نقلل من أثر سلوكه على من حوله، متجاهلين أن النرجسية هي وجه آخر للأنانية المقيتة. أما الشخصية السامة، فهي تلك التي تتصف بالسلبية المستمرة والسعي إلى إيذاء الآخرين لتحقيق مصالح ذاتية. قد يستخدم البعض مصطلح السامة لوصف شخص ينشر الطاقة السلبية أو يؤذي نفسيًا، لكن الحقيقة أن السمية في معناها الأعمق هي قدرة على استغلال الآخرين بشكل ممنهج، وبث القلق والخوف في نفوس من يحيطون به. أليس هذا ما يفعله الإنسان المستغل الذي يسلب من حوله راحتهم؟ في الواقع، السمية ليست مجرد صفة نفسية بسيطة، بل هي خطر على التوازن الاجتماعي والعاطفي. وأما السيكوباتي، فهو ذلك الشخص الذي يفتقر للتعاطف، ويتسم بالعدوانية والخداع، دون مراعاة لعواقب أفعاله على الآخرين. ورغم أن هذا المصطلح قد يبدو علميًا ومعقدًا، إلا أن حقيقته ليست بعيدة عن أولئك الذين يستمتعون بإيذاء الغير ويتلذذون بالسيطرة على مشاعرهم وعقولهم. إن السيكوباتية ليست مجرد اضطراب نفسي، بل هي تجسيد للشر الكامن في النفس البشرية. إن العلم، حين يسعى إلى تفسير السلوكيات المؤذية في إطار علمي، قد يساهم دون قصد في تخفيف وطأتها على المجتمعات. فتلك المصطلحات التي تختصر الشخصيات الأنانية والمتعجرفة والمغرورة والمستغلة في كلمات بسيطة، قد تبدو كأنها محاولة لفهمهم وتقبلهم. لكن في الواقع، هي عملية تلطيف للمشكلة، تجعل من السهل على الناس استخدام هذه الصفات دون الشعور بثقلها الأخلاقي. إن القول بأن شخصًا نرجسي أو سام أو سيكوباتي، دون إدراك المعاني الحقيقية لتلك الصفات، يفتح الباب أمام تقبل ما كان يجب أن يُرفض. ففي نهاية المطاف، حين نقول إن فلانًا نرجسي، هل نعني بذلك أنه شخص يبالغ في حبه لذاته فقط؟ أم أننا نتجاهل الضرر الذي يلحقه بالآخرين من جراء تصرفاته؟ وماذا عن الشخصية السامة؟ هل نسميها هكذا لمجرد أنها متعبة أم لأنها تزرع الشك والألم في النفوس؟ إن استخدام المصطلحات النفسية بشكل دارج قد يجعل من الصعب علينا رفض السلوكيات السلبية بشكل حازم. ولعل الأخطر من ذلك هو أن علم النفس ذاته، بأسلوبه في تبسيط المفاهيم، قد يُسهم دون وعي في خدمة هذه الشخصيات المؤذية، حيث يمنحهم غطاءً علميًا يسهل عليهم تبرير تصرفاتهم. إن علم النفس بمصطلحاته الحديثة قد يلعب دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة يقدم تشخيصًا علميًا لحالات معقدة، لكنه من جهة أخرى يخفف من وطأة تلك السلوكيات على المجتمع. هذا التبسيط قد يساعد الشخصيات النرجسية والسامة والسيكوباتية على إيجاد المبررات لسلوكهم، مما يزيد من ضحاياهم في نهاية المطاف. إن التسامح مع الشر بحجة الفهم هو في ذاته جهل بحقيقة الأخلاق. علينا أن نعيد النظر في كيفية تناولنا لهذه المفاهيم، وأن نحرص على إبقاء المسافة بين التفسير العلمي وتبرير السلوك. فالفهم العلمي لا يجب أن يكون مبررًا للتطبيع مع السلوكيات التي تتنافى مع القيم الأخلاقية.
477
| 05 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...
3300
| 06 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...
1065
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...
1062
| 04 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...
777
| 09 أكتوبر 2026
في مشهد يحبس الأنفاس، أقرب إلى جنون أفلام...
483
| 04 أكتوبر 2026
نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...
465
| 07 أكتوبر 2026
الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...
444
| 07 أكتوبر 2026
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...
417
| 05 أكتوبر 2026
- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة...
414
| 04 أكتوبر 2026
توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...
402
| 06 أكتوبر 2026
ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...
396
| 06 أكتوبر 2026
يُحكى أن أحد الحكماء كان يعتقد في الصغر...
390
| 04 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية