رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إشارات تسخين الأجواء تتجمع في الفضاء العربي، بما يفتح الأبواب لاحتمالات تفجير المنطقة. لكن مصير «الربيع» سيظل مرهونا بمدى نجاح مصر وتونس في اجتياز الاختبار الديمقراطي.
(1)
موضوع التسخين هو سوريا، التي تشهد انتفاضة شعبية لم تتوقف منذ سبعة أشهر، وفشل النظام في إخمادها طوال هذه المدة، الأمر الذي جعل الحالة السورية نموذجا للاستعصاء، الذي لا يرى له حل سلمي في الأفق المنظور، أما الإشارات التي أتحدث عنها فتتمثل فيما يلي:
الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب يوم الأحد 16/10 بناء على طلب دول مجلس التعاون الخليجي لبحث تطورات الأزمة السورية بعدما دخل نزيف الدم هناك شهره الثامن. ودعا الوزراء الحكومة السورية إلى إجراء حوار المعارضة خلال أسبوعين قبل اتخاذ أية إجراءات أخرى، ترددت من بينها تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية وكانت الدول الخليجية قد سحبت سفراءها من دمشق، ودعت دول الجامعة العربية إلى اتخاذ موقف مماثل من النظام السوري، على غرار الموقف الذي اتخذه مجلس الجامعة من قبل، حين قرر تعليق عضوية ليبيا ثم دعا إلى فرض حظر جوي لحماية المدنيين، الأمر الذي مهد للتدخلات العسكرية الدولية التي تبناها حلف الأطلنطي واستهدفت الإطاحة بحكم القذافي.
وكان مجلس الجامعة قد ناقش قبل أسابيع اقتراحا مماثلا بخصوص سوريا تقدمت به أربع دول هي السعودية والإمارات وقطر والأردن، لكنه لم يصدر قرارا في هذا الصدد.
< تشكيل المجلس الوطني الانتقالي الذي توحدت فيه المعارضة السورية الداعية إلى إسقاط نظام الرئيس الأسد. ورفض المجلس لفكرة التدخل الدولي، مع تأييده للمطالبة بالحماية الدولية للمدنيين، إعمالا لمبدأ التدخل الإنساني الذي أقرته الأمم المتحدة، الذي جرى الاحتجاج به في الحالة الليبية. علما بأن مطالب التدخل الدولي لحماية المدنيين كان شعارا رفعته بعض مظاهرات الداخل في الأسبوعين الأخيرين، إزاء استمرار مسلسل القتل والاعتقال والتعذيب الذي طال جميع المعارضين.
< التوتر الحاصل مع تركيا على الحدود الشمالية لسوريا (910 كيلوات متر) الذي طال العلاقات التجارية الحيوية بين البلدين. والحديث التركي عن مناورات عسكرية وفكرة إقامة منقطة عازلة لحماية اللاجئين على الأراضي السورية. والتلويحات السورية بإعادة فتح ملف لواء الإسكندرون. الذي ضم إلى تركيا بعد الحرب العالمية الثانية وطوي صفحة الرئيس بشار الأسد حين تولى السلطة في عام 2002، ثمة تلويحات سورية أيضا باستثمار علاقات النظام التاريخية بحزب العمال الكردستاني الذي يحتمي قادته بالأراضي السورية في حين يقود التمرد ضد الحكومة التركية مطالبا بالحكم الذاتي وملوحا بالانفصال.
< محاولة إرباك إيران وإشغالها عن مساندتها الراهنة للنظام السوري.. انطلاقا من التحالف الإستراتيجي بين دمشق وطهران. وهذه المساندة تجاوزت حدود دعم النظام في الداخل، وإنما شملت أيضا التحركات التي شملتها منطقة الخليج مؤخرا، وطبقا لما سربته المصادر الموالية في بيروت فإن طهران أبلغت بعض دول الخليج (الإمارات العربية بوجه أخص) بأن النظام السوري خط أحمر، وأن تعرضه للخطر سيؤدي إلى إشعال منطقة الخليج بأكملها (الشرق الأوسط 15/6).
< أخيرا فجرت واشنطن قضية محاولة أحد الإيرانيين إجراء اتصالات لاغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، وظل النفخ في هذه العملية إلى حد الحديث عن نقل الموضوع إلى مجلس الأمن، وباحتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران بسببها. ورغم غرابة القصة، فثمة تحليل يرجعها إلى أحد احتمالين، الأول إرباك إيران وإشعارها بالخطر على نحو يضطرها إلى الكف عن مساندة النظام السوري لمواجهة التهديد الذي تتعرض له طهران بسببها. أما الثاني فهو توريط سوريا في «المؤامرة» واتهامها بأنها وراء العملية، الأمر الذي يزيد من الضغط الدولي عليها، ويدفع مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار بتأييد اتخاذ إجراء مشدد جديد ضد دمشق.
(2)
يمثل النموذج السوري حالة متفردة في الربيع العربي، بوسعنا أن نقول إنه بمثابة الوجه الرابع لذلك الربيع، الذي كانت ثورتا تونس ومصر موجته الأولى. ففي البلدين خرجت الجماهير في مظاهرات سلمية عارمة، فاجأت الجميع في الداخل والخارج. وهذه المظاهرات إما وقف الجيش منها موقفا محايدا (تونس) أو أنه انضم إليها وأيدها (مصر). ولم يحتمل النظام وقع المفاجأة فانهار خلال أيام معدودة. ونجحت الثورة على النظامين.
الحالة الليبية نموذج آخر. إذ انتفض جزء من الوطن في بني غازي وبعد أن تم تحرير ذلك الجزء، وبمساندة من حلف الناتو. زحف الثوار نحو بقية أجزاء الوطن حتى حرروا العاصمة وأسقطوا النظام فيها. إلا أن القذافي لم يستسلم فغادر العاصمة إلى الجنوب حيث احتمى بقبيلته وحلفائها، وبالقوات التي وضعها تحت قيادة أبنائه. ولا يزال الثوار يطاردونه ويسقطون معاقله واحدا تلو الآخر.
حالة اليمن قدمت نموذجا ثالثا لأن الثورة التي خرجت إلى الشارع مؤيدة بقطاعات عريضة من الجماهير تحدت النظام لكنها لم تسقط بعد. وهو لا يزال يعتمد في استمراره على عدة عوامل منها: العنصر القبلي الذي ينتمي إليه الرئيس علي عبدالله صالح، وأغلب الجيش والقوات الخاصة التي يقودها ابنه وأقاربه، ومنها المساندة السعودية والخليجية التي لم ترغب في أن يتم التغيير ومن خلال الثورة.
الحالة السورية تعد نموذجا رابعا. تميز بتماسك النظام بمختلف أجهزته ومؤسساته في مواجهة ثورة الجماهير. كما أنه اعتمد منذ اللحظة الأولى على المساندة الإيرانية في الخبرات والأدوات. فضلا عن أن البيئة الإقليمية والدولية أيضا تعاملت بحذر مع النظام بسبب ارتباطه بالخرائط المحيطة وتأثر تلك الخرائط بمصيره. ذلك أن سقوطه ستكون له تأثيراته المباشرة على الوضع في لبنان والعلاقة مع إيران، وبدائله لابد أن يكون لها صداها في العراق والأردن وتركيا وربما إسرائيل أيضا.
ثمة قواسم مشتركة بين مسار الأحداث في تلك الدول، منها مثلا أن الذي ثار هو، الجماهير العريضة ولم تقم بهذه الثورات أية قوة انقلابية مما اعتدناه في السابق. منها أيضا أنها جميعا بدأت ثورات سلمية وطالبت بالإصلاحات التي تحقق لها الحرية وتعيد إليها كرامتها المهدرة، ولكن بعضها دفع دفعا إلى اللجوء للقوة (كما في الحالة الليبية)، إلا أنها جميعا قوبلت بالعناد والاستعلاء، الأمر الذي أصابها باليأس من الإصلاح واضطرها إلى المطالبة بإسقاط النظام، ولئن كان لكل ثورة صداها غير المباشر في المحيط العربي، إلا أن سوريا كانت استثناء، حيث تفردت بتداعياتها المباشرة على محيطها الإقليمي. وهذه التداعيات الإقليمية أضفت بعدا آخر على الاستعصاء السوري. لأنه إذا تساوت سوريا مع اليمن في احتمالات الحرب الأهلية، (إذا وقعت لا قدر الله ستكون طائفية بين العلويين والسنة في الأولى وقبلية في الثانية)، إلا أن سقوط نظام صنعاء سيظل صداه داخل حدود الدولة، أما سقوط نظام دمشق فإن صداه الإقليمي سيكون مدويا.
(3)
أمام الاستعصاء السوري ثلاثة سيناريوهات. الأول أن يتمكن النظام من احتواء الأزمة واجتيازها. وهو الاحتمال الذي كان واردا من خلال السياسة في البداية، إلا أن النظام انحاز إلى الخيار الأمني وآثرت السلطة أن تقمع المعارضين وتسحقهم بدلا من أن تتجاوب معهم وتستجيب لأشواقهم. لكن من الواضح أن ذلك الخيار الأخير لم يحقق نجاحا حتى الآن، بدليل استمرار ثورة الجماهير لسبعة أشهر رغم الترويع والقسوة المفرطة، إلا أن نفاد صبر الجماهير التي لم تعد تحتمل استمرار استبداد النظام وإذلاله لها، إضافة إلى غزارة الدم الذي يراق كل يوم والتضامن الأخلاقي واسع النطاق مع الانتفاضة، ذلك كله عزز صمود الشعب السوري وزاد من إصراره على استعادة حريته.
هذا الإصرار من الجانبين يرشح المواجهة للاستمرار لفترة قد تتراوح بين سنة وسنة ونصف، في تقدير الخبراء، إلا أن حدث على المشهد خياران آخران هما:
< انشقاق الجيش وانفراط عقده، ذلك أن استمرار أجهزة الأمن في التعامل مع المظاهرات بالرصاص الحي، من خلال الشبيحة والقناصة من شأنه أن يستثير عناصر الجيش. فالأولون مدربون على القتل ويمارسونه منذ أربعة عقود جيلا بعد جيل. لكن وضع الجيش مختلف وتوريطه في القتل اليومي للجماهير لا يخلو من مغامرة. وفي رأى البعض فإنه إذا كان قادة الأجهزة الأمنية وقواعدها أغلبهم من طائفة العلويين الحاكمة، فإن وضع الجيش مختلف. ذلك أن نسبة غير قليلة من الرتب الوسيطة وأغلب قواعده من أهل السنة. وقد لاحت بوادر ذلك الانشقاق فعلا حيث تمرد بعض الجنود في درعا ومدينة الرستن بحمص وفي بانياس، مما دفع أجهزة الأمن إلى تصفيتهم. وبعد ذلك ظهرت الانشقاقات بين الضباط الذين ذكرت وكالات الأنباء أنهم شكلوا نواة لما سموه جيش سوريا الحر. إلا أن تلك الانشقاقات لا يبدو أن بمقدورها إحداث تغير جذري يهدد النظام. ولذلك يصعب المراهنة عليها في الأجل المنظور.
< الاحتمال الثاني أو السيناريو الثالث يتمثل في التدخل الدولي الذي تلوح بعض مقترحات به في الوقت الراهن، ورغم أن فرنسا تدفع بشدة في ذلك الاتجاه، بالتنسيق مع واشنطن بطبيعة الحال، كما أن روسيا على رأس الدول التي تقاومه، وهي التي تعتبر سوريا آخر موطئ قدم لها من منطقة الشرق الأوسط، إلا أن المخاطر الإقليمية التي يمكن أن تترتب على ذلك السيناريو تجعل الأطراف المختلفة حذرة تلك الخطوة. وعلى ذلك يراهن النظام السوري في الأغلب.
(4)
هذه الخلفية تكاد تحاصر الربيع العربي في بلدين اثنين هما مصر وتونس. رغم أن الدول الكبرى تحاول اختراق الوضع المستجد واحتواءه، ففرنسا حاضرة بقوة في تونس كما أن الولايات المتحدة لها حضورها المماثل في مصر، إلا أن ذلك ليس نهاية المطاف. فالبلدان مقبلان على انتخابات ديمقراطية هذا العام يفترض أن تعبر لأول مرة عن صوت الجماهير وتطلعاتها. وتلك بحد ذاتها خطوة إلى الأمام توفر طاقة أمل في تجسيد الربيع المنشود على أرض الواقع بل أزعم أن نجاح البلدين في هذه الجولة لن يقتصر أثره على حدودهما فحسب، وإنما سيكون له صداه الإيجابي في المحيط العربي كله.
أدري أن الجماهير العربية في كل مكان قد علا صوتها وكسرت حاجز الخوف، يشهد بذلك ثباتها في الشارع العربي طوال الأشهر الماضية، منذ تفجرت الثورة في تونس ومصر. لكن التحدي الكبير والذي تواجهه هو كيف تحول الربيع من نسمة عابرة تنعشنا وترفع معنوياتنا، إلى واقع حي نعيشه وليس فقط نتنفس عطره. وهذا الأمل معقود في الوقت الراهن على هذين البلدين وبقدر نجاحهما في الاختبار الديمقراطي بقدر ما يكرم الإنسان العربي أو يهان.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1006
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026