رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتجاذب الأهواء والأنواء سؤال جوهري في مصر الآن، ماذا بعد الاستفتاء على مسودة الدستور بنعم ولا بعيدا عن التوافق الوطني الذي افتقدته الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور الجديد؟ ويتردد موازيا لذلك وعيد مبارك بأنه أو الفوضى على ألسن عديدة وكأنه هروب من مسؤولية استكمال الثورة.
ثم كيف انتقلت الأصوات والجماعات الإسلامية التي كانت تكفر الخروج على الحاكم الذي يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها، إلى الادعاء بحق الولاية على الأمر بعد الثورة، والاحتشاد لحصار مفاصل الدولة؟ بل وتتجاوز ذلك إلى أعمال التخريب والقتل، وآخر حوادثها ما جرى من إطلاق طلقات الخرطوش على أكبر تجمع للمقاهي في قلب القاهرة في الساعات الأولى من يوم الاثنين 17 ديسمبر، بعد أن أعلنوا عن بنك الأهداف الذي يرصدونه شاملا 10 محطات فضائية وعشرين جريدة وعشرات الأشخاص بين إعلاميين وسياسيين.
ولماذا كانت جماعة الإخوان تقبل بالحوار مع جهاز أمن الدولة في عصر مبارك، وتهاجم مسيرات سلمية وصلت إلى قصر الرئاسة بالسلاح الأبيض والخرطوش والحي، ليصل القتلى إلى 10 حسب الإحصاء الرسمي ويتجاوز 23 حسب شهود العيان، بل تعذب من يقع بأيديهم، وتهين وتتحرش وكأن الأمر انتقام وليس إنهاء لحالة الاحتشاد؟
ثم هل فيروس العناد يقيم بقصر الرئاسة لتنتقل عدوى العناد من مبارك إلى مرسي، فيعاند متناسيا أنه ما كان ليصل إلى كرسي الرئاسة دون ثور يناير؟
وسط هذه الحالة من الفوضى جرى الاستفتاء على مسودة الدستور بعد تجميد دور القضاء والحيلولة بينه وبين الحكم في صحة تشكيل الجمعية التأسيسية وقانون انتخاب مجلس الشورى، ثم ما ترتب على الإعلان الدستوري الأخير من صدام بين القضاة والرئيس المنتخب مما جعلهم يرفضون الإشراف على عملية الاستفتاء. وبمجرد انتهاء المرحلة الأولى يدخل نادي مجلس الدولة على خط المواجهة ليعقد أمس الاثنين اجتماعا لدراسة مخالفات المرحلة الأولى (56% نعم، 44% لا) مما يمهد لحكم مسبق على الإجراءات قبل تلقي أي طعن بشأنها.
العناد والإعلانات الدستورية التي لا حق للرئيس في إصدارها والأسئلة الحائرة والدم المسال لمواطنين مصريين بيد آخرين مثلهم أيا كان موقفهم أو انتماؤهم السياسي، كل ذلك أدى إلى انقسام المجتمع المصري.
لا أحد يمارس السياسة أو الصراع أو حتى الحرب الأهلية، كل الأمور تمارس على غير علومها وأصولها، وبغير القدرات الواجبة لممارستها، فالسياسة كلام مبتور وبلا فاعلية بل ويفتقد المصداقية والقبول لدى الشارع، والصراع بلا قوة وبلا رؤية، ومقدمات الحرب الأهلية لا تتجاوز الانفعال والبلطجة.
والحشود المليونية التي يجمعها رد الفعل منذ فبراير 2011 حتى اليوم، لم تعد حشودا قادرة على إحداث التغيير، ولكنها في أقصى ما تصل إليه هي حشود تعبيرية، تفرغ ما يجيش بالصدور، ولكنها لا تجري تعديلا على ميزان القوى، بل جرى إهدار معناها بتبادل الحشود على الجانبين، ولعل الحشود أمام المحكمة الدستورية قد منعتها من الانعقاد وحالت بينها وبين دورها، ولكن الحشود من حول قصر الرئاسة لم تتجاوز مجرد التعبير لأنها لم تأخذ قرارا بالاستمرار أو قرارا بالدخول إلى القصر ذاته.
ومن الغريب أن يخرج نائب مرشد الإخوان ليقول: "لن نسمح بسرقة الثورة مرة أخرى"، خاصة وأن الاتهام يلاحق جماعة الإخوان بأنهم سرقوا الثورة في المرة الأولى، إلى هذا الحد بلغ تزييف المواقف والادعاء بغير ما جرى ولم يمض زمن يمكن فيه النسيان بعد.
كتب واحد من شباب الثورة تغريدة على تويتر يقول فيها: "إن كل تذكرة انتخاب توضع في صندوق الاقتراع ملطخة بدم الشهداء"، يموت الشهداء ويرث الثورة غيرهم لغايات غير التي خرج من أجلها الشهداء.
ضجيج الأرقام والنسب بين نعم ولا، وملاحظات يوم الاستفتاء في مرحلته الأولى، لا يجب أن تشغلنا عن جوهر خطر الانقسام الذي أصاب المجتمع المصري. وارتفاع صوت التنظيمات والجماعات الإسلامية أيضا لا يجب أن يحول دون الاعتراف بضعف القوى السياسية التي تواجهها، فالشارع المصري قد سبق الجميع، والإسلاميون صامتون عن حالة الانقسام والشارع يتحرك ضدهم وقراءة نمو حالة الرفض لأفعالهم تؤكد ذلك، وانعدام قدرة التيارات السياسية على إبداع وخلق حالة لتوازن القوى جعل الشارع يتجاوزها، بل ويسعى بذاته لإحداث التوازن سواء بالعصيان المدني أو بالسعي التنظيمي أو بتنامي الحوار عن استدعاء للجيش لإحداث التوازن.
الفارق كبير بين القدرة، وصدق الموقف، واستبدال العجز عن اختيار الموقف الصحيح بمحاولة الحديث عن الشرعية، وبأن هناك حاكما شرعيا ومعارضة، وكأن الثورة قد ألقت مراسيها على شاطئ الانقسام، قبل أن تبحر أساسا في اتجاه أهدافها، فانتخاب الرئيس جاء عبر صندوق رفض عودة النظام السابق، وهو ذاته الفارق الضخم بين ادعاء الشرعية وانعدام الأهلية والقدرة على إدارة الدولة، فجملة قرارات الرئيس المنتخب وتراجعه عنها تنم عن كونه لا يملك أو أحد من مستشاريه مقومات تقدير صحيح للمواقف قانونيا أو طبقا للأعراف أو سياسيا، بل إن الرئيس المنتخب نسي كافة تعهداته الخاصة بالتوافق العام حول الدستور، ولا يعدم الأمر أن يسوق البعض أن تراجعاته تؤكد ديمقراطيته وأنه ليس بديكتاتور، وصارت الديمقراطية مجرد تراجعات عن قرارات وليست مشاركة في حوار قبل القرارات حسب ما تفرضه طبيعة المرحلة بعد توليه وعلى أساس الاتفاقات معه قبل انتخابات الإعادة في مواجهة منافسة القادم من عمق النظام السابق.
تتزامن في اللحظة الراهنة ثلاثة موضوعات في مواجهة تتناقض مع شعار الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".
الأول أن تناول أمر الدستور من جانب القوى المدنية هو محض كلام، ومن جانب الرئيس وجماعته هو فعل وتحد وقرارات، والقوى المدنية تطعن في صحة تشكيل الجمعية التأسيسية بالأساس، والتيارات الإسلامية والرئيس يتحدثون عن "المنتج" النهائي، مما جعل الهوة تتسع، فكل يتحدث في اتجاه مختلف، والرئيس المسؤول عن تحقيق التوافق الوطني حسب وعده يرى أن الاختلاف في مواد الدستور يتولاه مجلس الشعب القادم، وكأنه يقول لهم: "هاتوا آخركم"، وهذا ما عندي!
وسواء انتهت نتائج الاستفتاء بنعم أو لا فإن الحقيقة أن الرئيس المنتخب معتمدا على جماعته ووفاء لتعهدات لمن يحيطون به، مارس لي ذراع المجتمع ليصنع دستورا على الهوى الخاص بهم، وهذا النحو يسقط أهلية الرئيس المنتخب للحكم، خاصة وأن مبرر وجوده ليس الانتماء للثورة ولكنه يستمد مبرر وجوده من أصوات حصل عليها في صندوق انتخابات، تؤكد حسابات الأصوات أن حصة جماعته ومن نجحوا في استقطابهم لا تتجاوز 35% من جملة الأصوات التي حصل عليها.
كل ذلك سيؤدي إلى استمرار المواجهة وبلا أفق يمكن القول إنه أفق التعايش، ففي مجتمع التكفير والبلطجة لا إمكانية للتعايش، بل يجب أن تنفجر الأزمة حتى يدرك الجميع ضرورة التعايش والمشاركة، والأزمة لم تصل لأقصى تطور لها بعد كي تنفجر.
الأمر الثاني وهو جوهر ثورة يناير "عيش وعدالة اجتماعية"، وليس معنى العيش هنا هو رغيف الخبز، ولكن معناه إعادة التوازن بين الأسعار والأجور، ويتضمن الأمر كذلك هؤلاء الذين يعيشون تحت خط الفقر، وفي مقابل هذا التحدي تتجه سلطة حكم الإخوان إلى زيادة الأسعار مما أدى إلى مضاعفة عبء الحياة على الشعب، وأصبح الشعب ضحية الغلاء، حتى يمكن الحصول على قرض صندوق النقد لسد عجز الميزانية. والسؤال إذا نجح نظام حكم الإخوان في أن يعبر عجز الميزانية، فكيف به سيتصرف في شأن القادم من مسؤوليات اقتصادية، أم أنها آخر ميزانية في تاريخ مصر أو تاريخهم.
الأمر الثالث هو الأمن القومي المصري والعلاقة مع أمريكا وإسرائيل، وتصل أقوال أمريكية وإسرائيلية بأن مرسي قبل ما لم يقبله مبارك في الرقابة على سيناء، وأن الدستور الجديد منح الجيش المصري حالة الحكم الذاتي، وأخيرا يتردد في الداخل أن دعما مسلحا من ميليشيات حماس دخلت إلى مصر لدعم جماعة الإخوان!
الإسلاميون يتهمون القوى المدنية بالتحالف مع فلول نظام مبارك، والقوى المدنية تتهامس بأن ميليشيات مسلحة تدعم التيار الإسلامي، وأن أجهزة الأمن تتعامل مع الأمر على أنه مشاجرة لا تعنيها من قريب أو بعيد، والجيش المصري كأن الجبهة الداخلية ظهره والسند الأساسي له لا تعنيه.
توقف الحديث عن إسرائيل كمصدر رئيسي للخطر، وصار الخطر متبادلا بعد حالة الانقسام بين طرفين في الأمة، لا حدود لهما ولا ألوان مميزة لأي منهما، أي أن الاقتتال القادم بين المواطن وذاته.
الحوار غائب ولغة الخطاب السياسي ساقطة، والوطن ومشاكله آخر ما يشغل الرؤوس.
العقول التي تصنع المشكلة ليست مرشحة لحلها، وأصبح المطلوب البحث خارج المطروح على المجتمع، حتى وإن توصل المقتتلون الآن إلى هدنة فيما بينهم، فهم غير مرشحين للقدرة على صنع مستقبل مصر الذي تنشده والمتوافق مع العصر الذي نعيش ومسؤولياته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
2715
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2247
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2133
| 29 يوليو 2026