رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنالك تواريخ مهمة غيرت وجه العالم وتؤثر بقوة على ما يجري اليوم. في 9\11\1989 سقط حائط برلين وبدأت وحدة ألمانيا كما انتهت عمليا الحرب الباردة. في 8\12\1991 انتهى الاتحاد السوفيتي وتحول إلى مجموعة من الدول المستقلة تتناحر وتتنازع فيما بينها. مات الاتحاد السوفيتي وعاشت روسيا. في 12\6\1991 انتخب "بوريس يلتسين" رئيسا لروسيا ويمكن اعتبار هذا التاريخ ولادة روسيا الحديثة التي نعرفها. تعتبر سنة 1992 تاريخ الطلاق الروسي الحقيقي والنهائي مع الشيوعية. في الواقع هنالك قائدان لروسيا الحديثة، أي ما بعد الشيوعية وما بعد الاتحاد السوفيتي وهما "بوريس يلتسين" و"فلاديمير بوتين". الأول ثبت انتهاء الشيوعية وفتح الاقتصاد على الحرية والمنافسة، والثاني حاول ويحاول إعادة روسيا إلى لعب الدور السياسي الاقتصادي الرئيسي العالمي. أتت مشكلة أوكرانيا لتعطيه الفرصة التي ينتظرها. المعلوم أن جمهورية القرم قدمت في سنة 1954 كهدية من روسيا إلى أوكرانيا في عهد "نيكيتا خروتشيف" ذي الأصول الأوكرانية. كانت هدية من منطقة إلى أخرى ضمن الدولة السوفيتية الواحدة. ما تحقق خلال الفترة السوفيتية يمكن أن يستعاد أو يتغير في الفترة اللاحقة المختلفة بل المعاكسة.
هنالك فكرتان كبيرتان حيرتا يلتسين وهما هل تعتبر روسيا دولة أوروبية؟ هل من مصلحة روسيا التحالف مع أوروبا أو مع الاتحاد السوفيتي أو مع الصين؟ أوروبا ليست جاهزة لاستيعاب روسيا لأسباب جغرافية وسياسية ومؤسساتية وتاريخية، وبالتالي احتار يلتسين بشأن توجهاته التحالفية. انتظر يلتسين الكثير من العالم الغربي الذي لم يعطه إلا القليل، ربما لإبقاء روسيا ضعيفة. هذا ليس عجيبا إذ إن الحرب الباردة والنزاعات المختلفة كانت حية في عقول وقلوب كل القادة الغربيين. طبق يلتسين النظام الاقتصادي الليبرالي بسرعة وقوة معتمدا على نصائح الاقتصادي "ايغور غايدار" الذي بدوره اتكل على مجموعة من المستشارين الغربيين الذين حولوا بسرعة روسيا من شيوعية اشتراكية إلى رأسمالية حرة.
توجه يلتسين إلى واشنطن في منتصف سنة 1992 لبحث مشروع اتفاقية بشأن الأسلحة START2 وصولا إلى التوقيع عليها في 3\1\1993. لم تصبح الاتفاقية فاعلة ونافذة إلا بعد 7 سنوات بسبب السياسة والنزاعات والمصالح والتقصير المتعمد في معظم الأحيان. بدأ من سنة 1993، قوى يلتسين علاقاته مع الغرب وانضمت روسيا إلى مجموعة الدول الثماني الكبرى وتحقق الكثير من التعاون مع حلف شمال الأطلسي. توطدت العلاقات مع المؤسسات الدولية وفي طليعتها صندوق النقد. في الحقيقة لم يبق لروسيا من عظمتها السابقة إلا مقعدها في مجلس الأمن الذي يعطيها حق الفيتو على مشاريع القرارات، والذي مارسته مرارا مؤخرا. قبل يلتسين في البدء تحول العالم من سيطرة جبارين كبار إلى سيطرة قوة واحدة هي الولايات المتحدة وتصرف على هذا الأساس. فيما بعد وبسبب النتائج السياسية خاصة الاقتصادية، حاول يلتسين توسيع تحالفاته، فوقع مع الصين اتفاقية في سنة 1996 بحيث يشكل التحالف الروسي الصيني منافسا جديا لأمريكا. تأسست "مجموعة شانغهاي" التي ضمت بالإضافة إلى روسيا والصين دولا آسيوية مجاورة وفي مقدمها كازاخستان. في الواقع لم تكن الصين راغبة جديا في منافسة أمريكا، إذ تفضل أن تتحضر أكثر للمنافسة القادمة حتما. أما روسيا، فهي غير قادرة على المنافسة بعد زوال الاتحاد السوفيتي.
رغم توجهه نحو الصين، كان يلتسين يعتقد أن مصلحة روسيا هي مع الولايات المتحدة ليس فقط في السياسة وإنما خاصة في الاقتصاد والتكنولوجيا، إلا أن أمريكا لم تكن متجاوبة خاصة غير متحمسة. أتت أزمة 1997 الآسيوية التي امتدت إلى روسيا، فانهار الروبل وتعثرت الأوضاع المالية والاقتصادية. يمكن وصف الفترة الرئاسية الثانية ليلتسين بالكارثية ليس فقط بسبب سياساته، بل لأن الأوضاع الخارجية لم تكن مواتية.
في 26\3\2000 انتخب بوتين رئيسا لروسيا من الدورة الأولى مع 52.9% من الأصوات. انتخب لتغيير سياسة يلتسين ويعيد العظمة والقوة إلى روسيا. مشروع السيطرة الروسية الجديد بدأ مع بوتين الذي انتخب وجدد له لتنفيذه وهو يحاول فعل ذلك.
تقول الكاتبة المتخصصة "هيلين كارير دونكوس" D’Encausse في كتابها عن روسيا إن التجربة الروسية مع يلتسين أقنعت الصين أن النموذج الروسي للإصلاح والتغيير ليس النظام الأفضل وبالتالي يجب النظر في بدائل. تجربة بوتين تعتبر أفضل في نظر الروس الذين يريدون أن تكون دولتهم عظمى. قال بوتين "إن انفراط الدولة السوفيتية هي أكبر كارثة سياسية في العالم في القرن العشرين". اعتبر أن روسيا هي "القوة العظمى الفقيرة" وبالتالي يريد إعادة الدور التاريخي، بل جعل روسيا دولة نموذجية للقرن الواحد والعشرين. ما هي التحديات الأساسية التي واجهها ويواجهها بوتين والتي تقف حتى اليوم أمام طموحاته؟
أولا: التطور السكاني الذي لا يلبي طموحات دولة ترغب في بسط نفوذها السياسي والعسكري، ليس فقط إقليميا بل ربما دوليا. في سنة 1970 بلغ عدد سكان الاتحاد السوفيتي 242 مليون نسمة. أما اليوم وبعد انفراط عقد الاتحاد وضعف مؤشرات الإنجاب، لا يبلغ عدد الروس أكثر من 142 مليون مقابل 320 مليون شخص في الولايات المتحدة. حاول بوتين التعويض عن الخسارة السكانية بالتطوير والتجديد التكنولوجيين .
ثانيا: مشاكل اجتماعية في الداخل وخارج الحدود تؤثر على وحدة وانسجام السكان فيما بينهم. هنالك أديان ومذاهب وأعراق مختلفة تحاول الإدارة الروسية وضعها جميعها وراء المشروع السياسي الكبير الذي تمارسه فيما يخص سوريا وأوكرانيا وغيرهما من الدول.
ثالثا: الفوضى الاقتصادية الموروثة من يلتسين والمتأثرة بالأوضاع الدولية المتقلبة، يهدف بوتين منذ الانتهاء من فترة الفوضى الاقتصادية إلى إعادة القوة السياسية والعسكرية لروسيا، وما هي قضية "القرم" إلا نموذج لما يمكن أن يحصل مستقبلا. تعتبر روسيا دولة أوكرانيا منطقة نفوذ لها. يمكن تشبيه هذا النفوذ بالشعور الأمريكي تجاه المكسيك وكوبا وأي دولة أمريكية لاتينية. لا شك أن الغرب خاصة أمريكا أخطأ في التعامل مع الروس خاصة في فترة يلتسين مما أسهم في تأييد الروس لسياسات بوتين الهجومية. لا يمكن إنكار الصدمات السلبية التي واجهتها روسيا من الغرب بدأ بحروب الخليج وثم بالنزاعات العربية والآسيوية. نعيش اليوم حكما في ظروف دولية مختلفة عن السابق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4884
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1452
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
987
| 06 أغسطس 2026