رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بحيادية وتَجرُّد مطلقين وبموضوعية لحمتها وسداها الصدق والإنصاف، لا أملك تحت ضغط ضميري الإنساني وشعوري القومي والإسلامي والأخلاقي، أقول لا أملك والأمة العربية تصارع بل تغالب، في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخها، قوى الشر لنيل حريتها والقبض على مستقبلها تحقيقاً لرقيها ونهضتها بعد طول سبات، أو أن هذه الأمة – بالأحرى - تقارع قوى الغزو من الداخل، على حد تعبير الشاعر العربي الكبير البردوني، أقول لا أملك في هذا الأفق السديمي والواقع المؤلم، إلا أن أشيد، بعثاً للأمل وانتصاراً للقيم وإحقاقاً للحق، بتلك الأدوار الاستثنائية، بل والمواقف الخالدة لدولة قطر الشقيقة تجاه أمتها العربية تحديداً، لاسيَّما وأن بعضاً من أصحاب الأقلام والأصوات المأجورة الذين في قلوبهم مرض وفي أعينهم غشاوة، قد حاول ويحاول - مع عظيم الأسف - وفي هذه الأيام بالذات، وعلى نحو من الأنحاء، التقليل من تلكم الأدوار والمواقف الذهبية، إن لم نقل حاول التعمية – وبوقاحة متناهية - إلى درجة الغمط والاستلاب، بل أكثر من ذلك؛ إذ سعى إلى قلب الحقائق ومحاولة تزييف وعي الناس والأمة، متناسياً بأن هذه الأمة قد شبت عن الطوق وما عاد من السهل تضليل وعيها أو تزييفه.
من هنا رأيت أن من واجبي كعربي يهمه شأن أمته ككثيرين غيره، هذا من ناحية، وكمتابع محايد، أظنه يحسن سبر حقائق الأشياء والأفعال والمواقف، من خلال التوسل بأهداب العلمية والموضوعية ولا شيء غير ذلك، وهذا من ناحية ثانية، أقول رأيت أن أبين الأدوار والمواقف العظيمة لدولة قطر حيال أمتها العربية وشعوبها، ولا تخالجني، في هذا الصدد، ذرّة من شك بأن جلّ أبناء العروبة، إن لم يكونوا كلهم من الماء إلى الماء. يعلمون علم اليقين، عظيم ما صنعتْه وقدَّمته قطر- وبسخاء أخوي استثنائي - للأمة العربية في أكثر من مجال وعلى أكثر من صعيد، الشيء الذي يعرفه القاصي قبل الداني.
ومن هذا الإيمان أجدني محقاً لو ذهبت إلى القول، يشاركني في ذلك – بالقطع - الغالبية العظمى من أبناء أمتنا العربية، القول بأن قطر تمثل اليوم – بالفعل - الضوء في زمن العتمة العربي، بل الضوء والأمل معاً؛ كيف لا، وهذه الدولة الصغيرة حجماً، والكبيرة أفعالاً قد قامت بأدوار ومواقف عظيمة خالدة تجاه أمتها، بحيث أن هذه الأفعال والمواقف لعظمتها وكثرتها وتتاليها، أصبحت مما لا تخطئه الأعين الصادقة ولا القلوب النابضة، ولا الضمائر الحية.
والحقُّ أن كلَّ هذه الأعمال الجليلة، والمواقف الخالدة الكبيرة، التي نهضت بها قطر وما تزال، قد صبّت فقط في نهر مصلحة الأمة، والنهوض بها وبشعوبها المغلوبة على أمرها، من قبل عصابات الحكم وعلوج الطغيان والاستبداد الذين انتهوا بشعوبهم – كما يشهد الواقع والعالم – إلى دوائر الجوع والفقر، ومهاوي الهلكة والفساد واللا نظام.
وأحسبني لا أعدو الحقيقة، إذا ما قلت إن قطر - فيما يبدو جلياً ساطعاً - قد استشعرت من خلال قيادتها التاريخية الاستثنائية: أفقاً ورؤية وإستراتيجية، أقول استشعرت بل استلهمت اللحظة التاريخية والواجب القومي والأخلاقي والإسلامي، مدعومة بالإمكانات الذاتية والمكانة الكونية التي حباها الله – سبحانه – إيّاها، فما كان منها، وقد رأت ارتكاس الأمة، وأيضاً ارتكاس الدول الأكبر عربياً، أقول ما كان منها إلا أن آلت على نفسها، إلا أن تنهض بالدور التاريخي الفذّ، الذي غايته ومبتغاه الارتقاء بالأمة العربية وشعوبها، إيماناً منها بأن هذه الأمة جديرة بأن تكون في صدارة العالمين كما هو ديدنها وقدرها. وإنَّه – ولا ريب – لدور عظيم يقدِّره كل عربي حرٍّ من المحيط إلى الخليج، وقد تجلَّى هذا الدور في أفعال ومواقف لا أقل من أن توصف بالخالدة.
وأول تجليات هذا الدور الخلّاق، تمثّل في إحداث قطر ثورة خلّاقة في فضاء الإعلام العربي وما أدراك ما الإعلام؟ حتى إنه فاق – وعن استحقاق - الإعلام العالمي كما شهد بذلك أساطينه وقادته، وقد تجسَّد ذلك الفعل البنّاء في قناة الجزيرة، التي استحالت إلى شبكة إعلامية متنوعة، حيث استطاعت هذه القناة العملاقة – وبجدارة فائقة – أن تحرِّر عقل الإنسان العربي من كل أشكال الخوف والإرهاب النفسي والضلال المبين الذي غلّه بها الحكام الطغاة وسدنتهم الفاسدون، بل لقد استطاعت هذه القناة أن تفجِّر طاقات هذا الإنسان العربي الكامنة والمكبوتة لتجعله، وخلال فترة ليست بالطويلة يدرك حقيقة أوضاعه وواقعه المشين، فما كان منه إلا أن ثار على ذلك الواقع القبيح والمأساوي بكل المقاييس، ألا وهو واقع النكوص الحضاري والتردي والضياع والتخلف والفقر والقهر والحرمان والجهل والاستبداد والظلم والطغيان، فضلاً عن واقع الشعور بالدونية وامتهان الكرامة، وكل أولئك من معطيات الأنظمة الفاسدة المتكلسة، التي ليست بأكثر من عصابات إجرامية امتلكت، فحسب، مشاريع للهدم لا البناء، من خلال ممارساتها لأفعال ممنهجة، ضدّ كل ما من شأنه النهوض والارتقاء بهذا الإنسان العربي، والتحليق به في آفاق الديمقراطية والحرية والتقدم والازدهار والمساواة والعدالة والحياة الكريمة.
ونكادُ نؤمن إيماناً حاسماً، بأنه لولا قناة الجزيرة، لما كُسِرَ حاجز الخوف عند هذا الإنسان العربي المقهور، ولولاها أيضاً لما تحطمت تلك الأيقونات المزعومة من الطغاة المستبدين لعقود طوال، ولولاها أيضاً لما تململ الإعلام العربي في بقية المناطق العربية، نحو آفاق الحرية وكشف الحقيقة، والانتصار للشعوب.
ويتجلّى دور قطر التاريخي تجاه أمتها أيضاً في أكثر من محطة، وعلى أكثر من صعيد، بحيث لا ينكر ذلك إلا جاحد حُقن عقله وقلبه وخلاياه، بل وكل كيانه الآدمي بفيروسات النكران والجحود والغياب والعمى الأبدي؛ فقـــطــر – بكلمة واحدة – تعشق أمتها وتحرص على وحدتها وتماسكها، وليس أدل على ذلك من موقفها الخالد تجاه وحدة اليمن عندما تعرضت للتآمر والخطر في عام 1994م، إذ قدّمت قطر كل غالٍ ونفيس من أجل ديمومة تلك الوحدة، في حين مارست قوى عربية أخرى الفعل النقيض المقيت.
وقطر ذات أفعال مشهودة في دعم القضية الفلسطينية، حيث قدّمت – وعلى نحو استثنائي – كل أشكال الدعم، سواء السياسي أو الاقتصادي أو التنموي أو الإنساني أو الإعلامي، ولا أدل على ذلك من وقفتها الجسورة والمضيئة، مع الفلسطينيين في أوقات عصيبة من تاريخهم، في الوقت الذي أدار لهم الآخرون من أبناء العروبة الظهور، وحسبنا أن نتذكّر موقفها مع غزة عندما تعرضت للمحنة الكبرى في عام 2008.
أما أبرز صور الأدوار القطرية الخلّاقة تجاه الأمة العربية، فتتجلّى ساطعة في دعم قطر للربيع العربي - بارقة أمل نهضة الأمة العربية؛ إذ وقفت إلى جانب الشعوب العربية الثائرة منتصرة لقضاياها في التحرّر والانعتاق من بين براثن الطغاة وزبانيتهم المنقوعين بالفساد والإفساد.
والحق أنه لموقف خالد يسجله التاريخ لقطر بأحرف من نور في كتابه الخالد، كيف لا، وقد ساندت الشعوب الثائرة بكل ما تملك، فقدمت، بسخاء منقطع النظير. كل أشكال العون والدعم، حتى تغنّى بجليل فعالها وعظيم صنائعها ثوّار مصر، واليمن، وليبيا، وتونس، وسوريا. ولا نجاوز الحقيقة، إذا ما قلنا، لقد استحالت قطر – نتيجة لموقفها العظيم في هذا السبيل – إلى أنشودة تردّدها شفاه أبناء العروبة الحالمين بالحرية واسترداد الكرامة.
وللإنصاف فقد كانت قطر في هذا الصدد – نعني وقوفها مع دول الربيع العربي - تمتلك من الشجاعة والإصرار والإرادة ما كان محط تقدير وثناء أبناء الشعوب العربية قاطبة، بل لقد نالها الكثير من سهام الطغاة الغابرين وأزلامهم قبل أن يترنحوا ويسقطوا، فما كان منها، إزاء ذلك، إلا الصبر والاحتساب؛ لأنها – باختصار – صاحبة رسالة تجاه أمتها، ومن ثم فلا عجب، كيف لا وهذا هو دوماً حظ وقدر أصحاب الرسالات الخالدة؟
وهكذا، فأدوار قطر ومواقفها الخالدة، التي تستهدف الارتقاء بالأمة العربية، تبدو من الكثرة بمكان لو رحنا نعددها، ناهيك بأدوارها الخلاقة في سبيل الأمة الإسلامية بل والإنسانية؛ وحسبنا أن نتذكّر جليل ما قدّمته للدول الإسلامية، سواء في آسيا أو إفريقيا أو أواسط أوروبا.
وأخيراً، لا نملك مدفوعين بمشاعر التقدير والإجلال والإكبار لــقــطــر المعنى الكبير والحميم المنزرع في وجدانات الأجيال العربية الحالمة بالحرية والتقدم، لا نملك إلا أن نقول عاشت قطر: قيادة وشعباً، وبارك الله خطاها، وأدامها ضوءًا ساطعاً ينير كل أرجاء العروبة والإسلام بل والإنسانية، ولا يسعنا في هذا المقام سوى مخاطبتها كونها صانعة التحولات الكبرى في حركة تاريخنا العربي المعاصر، قائلين: أي قـــطـــر يا قبلة الأحرار سيري تحرسك رعاية الله، أيتها المملوءة بالمبادئ والقيم العليا المشتهاة، سيري فمن يمتلك رسالة سامية، ومشروعاً نبيلاً يستهدف صناعة الحياة للمظلومين والمقهورين على امتداد وطننا العربي الكبير، فإن الله حتماً معه، شاء من شاء وأبى من أبى، والله غالب على أمره، أيتها الرائدة التي لا تكذب أهلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1224
| 01 أكتوبر 2026