رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة جاسم الدرويش

*باحثة في الشؤون الدولية والسياسة العامة

مساحة إعلانية

مقالات

330

فاطمة جاسم الدرويش

هل أصبح التفوق الرقمي جزءًا من هيبة الدولة؟

08 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في العلاقات الدولية، لم تكن مكانة الدول يومًا نتيجة عامل واحد. فالقوة العسكرية تمنح الردع، والاقتصاد يمنح النفوذ، والدبلوماسية توسّع مساحة التأثير، فيما تسهم القوة الناعمة في تشكيل صورة الدولة وتعزيز قدرتها على الجذب. لكن التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم يطرح اليوم سؤالًا سياسيًا جديدًا: هل أصبحت القدرة الرقمية عنصرًا جديدًا في معادلة قوة الدولة ومكانتها؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا. فالتنافس بين الدول لم يعد يدور فقط حول من يمتلك الموارد الأكبر، بل امتد إلى من يمتلك البيانات، ومن يطوّر بنية رقمية أكثر كفاءة، ومن يستطيع توظيف الذكاء الاصطناعي، ومن يبني مؤسسات حكومية قادرة على العمل بسرعة وفاعلية في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من الاقتصاد والأمن وصناعة القرار.

فالحكومة الرقمية ليست مجرد تطبيقات وخدمات تنقل المعاملة من المكتب إلى الهاتف، بل هي، في أحد أبعادها، انعكاس لقدرة الدولة المؤسسية. والدولة التي تستطيع ربط مؤسساتها، وإدارة بياناتها، وتقديم خدماتها بكفاءة، وبناء ثقة المجتمع في منظومتها الرقمية، تقدم في الوقت نفسه صورة عن قدرتها على الإدارة والتنظيم والاستجابة.

ولهذا، لم يعد الأداء الرقمي شأنًا داخليًا بالكامل. فقد أصبحت الدول تُقارن عالميًا من خلال مؤشرات تقيس مستوى تطور حكوماتها الرقمية، من بينها مؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية EGDI. ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات في ترتيب الدول فحسب، بل فيما تكشفه عن تحوّل الرقمنة إلى مجال جديد تتنافس فيه الحكومات وتُقاس من خلاله جوانب من قدراتها المؤسسية.

وتُعد التجربة الإستونية مثالًا واضحًا على هذا التحول. فدولة صغيرة من حيث المساحة والسكان استطاعت أن تجعل من نموذجها الرقمي جزءًا من هويتها الدولية، حتى أصبحت تجربتها في الحكومة الرقمية حاضرة في صورتها الخارجية ودبلوماسيتها. وهنا تظهر إحدى خصائص القوة في العصر الحديث: ليس بالضرورة أن تكون الدولة الأكبر حتى تمتلك نموذجًا يسعى الآخرون إلى دراسته والاستفادة منه.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التجربة القطرية أيضًا.

فتقدم قطر في مؤشر EGDI لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبرًا تقنيًا منفصلًا عن السياق الأوسع. فانتقالها في تقرير الأمم المتحدة لعام 2024 من المرتبة 78 إلى المرتبة 53، ودخولها ضمن فئة الدول ذات المستوى المرتفع جدًا في تنمية الحكومة الإلكترونية، يعكس مسارًا متسارعًا في تطوير القدرات الحكومية الرقمية.

لكن الأهم، في تقديري، ليس فقط أين وصلت قطر اليوم، بل ماذا يمكن أن يعني استمرار هذا المسار مستقبلًا؟

تمتلك قطر بالفعل عناصر للقوة والتأثير تتجاوز حجمها الجغرافي؛ حضورًا دبلوماسيًا فاعلًا، واستثمارات دولية واسعة، وقطاعًا للطاقة ذا تأثير عالمي، إلى جانب دورها في الوساطة واستضافة الأحداث الدولية الكبرى. وإذا أضيف إلى هذه العناصر نموذج حكومي رقمي متقدم وقادر على أن يصبح مرجعًا إقليميًا أو دوليًا، فإن التكنولوجيا هنا لا تعود منفصلة عن السياسة الخارجية وصورة الدولة، بل تصبح عنصرًا مكملًا لهما.

وهذه الفكرة ليست بعيدة عن مفهوم القوة الناعمة. فالدول لا تؤثر في غيرها بما تقوله فقط، بل أيضًا بالنموذج الذي تقدمه. وعندما تصبح تجربة دولة في الحكومة الرقمية، أو إدارة البيانات، أو الخدمات الذكية تجربة تدرسها دول أخرى وتسعى إلى الاستفادة منها، فإن الإنجاز الداخلي يبدأ في إنتاج قيمة خارجية.

وهنا تنتقل المسألة من مجرد التحول الرقمي إلى ما يمكن تسميته بالقوة الرقمية للدولة.

فالمرحلة المقبلة لن تكون سباقًا على عدد الخدمات الإلكترونية فقط، بل ستتجه المنافسة بصورة أكبر نحو الذكاء الاصطناعي، والسيادة على البيانات، والأمن السيبراني، والخدمات الحكومية الاستباقية، والقدرة على اتخاذ القرار استنادًا إلى بيانات دقيقة. وهذه المجالات ليست تقنية بحتة، بل تتقاطع بصورة مباشرة مع الأمن القومي، والاستقلال الاستراتيجي، والاقتصاد، والعلاقات الدولية.

ولهذا، قد تصبح الأسئلة التي تواجه الدول في السنوات المقبلة مختلفة: ليس فقط كم تبلغ قوتها العسكرية أو حجم اقتصادها، بل أيضًا: من يملك تقنياتها؟ وأين توجد بياناتها؟ وإلى أي مدى تستطيع حماية بنيتها الرقمية؟ وهل تنتج المعرفة والتكنولوجيا، أم تعتمد بصورة أساسية على ما ينتجه الآخرون؟

ومن هنا، أرى أن تجربة قطر الرقمية تستحق أن تُقرأ في سياق أوسع من مجرد تحسن ترتيبها في مؤشر دولي. فالمؤشر قد يكون أداة للقياس، لكنه ليس الغاية. الغاية الأهم هي أن يتحول التطور الرقمي الداخلي إلى قدرة وطنية تعزز كفاءة الدولة، ثم إلى نموذج يضيف إلى صورتها ومكانتها على المستوى الخارجي.

لقد تغير مفهوم القوة أكثر من مرة عبر التاريخ. كانت الأرض مصدرًا للقوة، ثم جاءت الصناعة، والطاقة، ورأس المال، والمعرفة. واليوم تدخل البيانات والخوارزميات والقدرات الرقمية بقوة إلى هذه المعادلة.

لذلك، ربما لم يعد السؤال: هل التكنولوجيا مهمة للدولة؟

فالإجابة عن ذلك أصبحت واضحة.

السؤال السياسي الأهم هو:

أي الدول ستنجح في تحويل تفوقها الرقمي من إنجاز داخلي إلى مصدر للقوة والنفوذ والمكانة؟

وهنا تحديدًا، قد يصبح التفوق الرقمي جزءًا من هيبة الدولة في القرن الحادي والعشرين.

 

مساحة إعلانية