رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مهنا جابر النعيمي

 الباحث في السياسات العامة

مساحة إعلانية

مقالات

441

مهنا جابر النعيمي

الأمن الخليجي بين التحالفات الخارجية وبناء القدرة الذاتية

19 مارس 2026 , 05:03ص

في الأول من نوفمبر 2024 نشرت مقالاً في صحيفة الشرق القطرية بعنوان «نحو اتحاد خليجي أقوى في مواجهة التحديات العالمية»، طرحت فيه فكرة الانتقال بدول الخليج من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستوى أعمق من التكامل السياسي والاقتصادي، والتفكير في نموذج اتحاد خليجي يعزز مكانة المنطقة في النظام الدولي ويقوي قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.

في ذلك الوقت كانت الفكرة تُطرح في إطار رؤية استراتيجية لتعزيز التكامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلا أن التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة أعادت هذه الفكرة إلى الواجهة في سياق أكثر إلحاحاً، يرتبط بشكل مباشر بمسألة الأمن والاستقرار الإقليمي. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة دقيقة تتداخل فيها الصراعات الإقليمية مع التنافس الدولي، كما أن التوترات المرتبطة بالحرب في المنطقة وما صاحبها من تهديدات لمنشآت الطاقة والممرات البحرية الحيوية أعادت طرح سؤال أساسي: كيف يمكن لدول الخليج تعزيز أمنها الجماعي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد؟

كما أن التطورات الأخيرة في المنطقة، وما شهدته من هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة طالت أراضي دول الخليج في سياق التصعيد المرتبط بالصراع بين إيران والولايات المتحدة، أعادت تسليط الضوء على تعقيدات البيئة الأمنية في الخليج. ورغم أن دول الخليج تمكنت من التعامل مع هذه التهديدات والدفاع عن أراضيها، فإن هذه الأحداث أظهرت في الوقت ذاته حساسية التوازنات الأمنية في المنطقة، خصوصاً في ظل ارتباط بعض هذه التطورات بوجود قواعد عسكرية أجنبية في الخليج.

وقد حرصت دول الخليج خلال هذه التطورات على تبني سياسة ضبط النفس وتجنب الانخراط المباشر في الصراع، إدراكاً منها أن اتساع نطاق المواجهة قد يحمل تداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها.

لقد اعتمدت معادلة الأمن في الخليج لعقود طويلة على شبكة من التحالفات الدولية والترتيبات الدفاعية الخارجية، بما في ذلك وجود قواعد عسكرية أجنبية في دول الخليج. ورغم الدور الذي لعبته هذه الترتيبات في مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، فإن التحولات الجيوسياسية الحالية تطرح تساؤلات مهمة حول مستقبل هذه المعادلة الأمنية.

ففي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، أصبح الوجود العسكري الأجنبي في الخليج يدخل في حسابات الردع والتصعيد بين القوى المتنافسة في المنطقة، الأمر الذي يجعله في نظر بعض الأطراف جزءاً من معادلة التوازن والصراع الإقليمي. ومن هنا قد يكون من المناسب أن تبدأ دول الخليج نقاشاً استراتيجياً جاداً حول مستقبل هذه الترتيبات الأمنية، وكيف يمكن تطوير نموذج أمني يعتمد بدرجة أكبر على القدرات الدفاعية الخليجية المشتركة.

ولا يعني ذلك التخلي عن الشراكات الدولية التي شكلت أحد عناصر الاستقرار في المنطقة، بل إعادة صياغة العلاقة الأمنية مع الحلفاء بما يحقق التوازن بين استمرار التعاون الدولي من جهة، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الخليجي من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من مرحلة التنسيق الدفاعي المحدود إلى مرحلة التكامل الدفاعي الخليجي الحقيقي. ويمكن أن يبدأ ذلك عبر تطوير منظومة دفاع جوي وصاروخي خليجية موحدة، وإنشاء مراكز عمليات مشتركة لتنسيق الاستجابة للأزمات والتهديدات، إضافة إلى تعزيز التكامل بين القوات الجوية والبحرية لحماية الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

كما أن التحديات الأمنية الحديثة لم تعد تقتصر على المجالات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، الأمر الذي يجعل من الضروري تطوير قدرات مشتركة في مجال الأمن السيبراني لحماية البنية التحتية الحيوية ومواجهة التهديدات الرقمية المتزايدة.

ومن ناحية أخرى، فإن التفكير في بناء قاعدة صناعية عسكرية خليجية مشتركة لم يعد فكرة بعيدة عن الواقع، خصوصاً في ظل ما تمتلكه دول الخليج من إمكانات مالية كبيرة وبنية تحتية متقدمة وكوادر بشرية مؤهلة. فالتجارب الدولية تشير إلى أن تطوير الصناعات الدفاعية المحلية يسهم في تعزيز الاستقلال الاستراتيجي ويخلق في الوقت ذاته فرصاً اقتصادية وتكنولوجية جديدة.

ولعل الخطوة الأهم في هذا الاتجاه تتمثل في صياغة ما يمكن تسميته «عقيدة الأمن الخليجي المشترك»؛ وهي رؤية استراتيجية تقوم على اعتبار أمن دول الخليج منظومة واحدة مترابطة، بحيث يصبح أي تهديد تتعرض له دولة خليجية تهديداً للأمن الجماعي للمنطقة بأكملها. مثل هذه العقيدة يمكن أن تشكل الأساس لبناء منظومة دفاعية موحدة وتعزز قدرة دول الخليج على التنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية.

إن دول الخليج تمتلك اليوم جميع المقومات التي تمكنها من الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة أكثر تقدماً من التكامل الأمني. فالقدرات المالية، والبنية التحتية المتطورة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، إضافة إلى الروابط السياسية والاقتصادية بين دول المنطقة، كلها عناصر يمكن أن تشكل أساساً لمنظومة أمنية خليجية أكثر تماسكاً.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ربما يكون الوقت قد حان لفتح نقاش استراتيجي أوسع حول مستقبل منظومة الأمن في الخليج، ليس فقط من زاوية إدارة الأزمات الراهنة، بل من زاوية بناء رؤية طويلة المدى تضمن استقرار المنطقة لعقود قادمة.

ففي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لم يعد الأمن مسألة وطنية منفردة، بل أصبح مشروعاً جماعياً يتطلب رؤية مشتركة وإرادة سياسية قادرة على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرصة تاريخية لبناء منظومة أمنية خليجية أكثر استقلالية وتماسكاً واستدامة.

 

مساحة إعلانية