رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يجري في مصر هذه اللحظات تصعب ملاحقة أحداثه فضلا عن تفاصيله التي أدت إلى تجريف للنظام السابق بكل أركانه من أشخاص ومؤسسات، وهو يفرض تحديد موقف من التغيرات والتباديل في التكتلات والقرارات والإجراءات التي جرت على مدى زمني طويل، وكادت أن تقسم المجتمع لو لم يتمكن الشعب من إيجاد قواعد تتناسب مع الجديد الذي يصدمه كل لحظة، من حجم الفساد وتنوعه وشموله لكافة أركان النظام. وعرف الشعب بالتجربة قيمة الاحتشاد واستخدمها.
ويتجاوز الأمر مجرد الكلمات، وتتشكل في الواقع مراكز جديدة وتخرج للعيان قوى طال زمن اختفائها في حضن النظام، حتى أن البلطجية الذين استخدمهم الأمن أداة للقمع والقتل، أصبحوا جزءا من القوى الموجودة بالمجتمع ومن الواجب الانتباه إلى أفعالهم.
وأكثر الأشياء وطأة، هو ما يبدو على السطح، أن من قاوموا الخروج والتظاهر يوم 25 يناير، هم من يملأون المشهد صياحا وحضورا وأكثر الناس كسبا من وراء الثورة وسقوط النظام.
وشهد الأسبوع الماضي وقائع هدم النظام القديم من تحقيقات واتهامات والقبض على الرئيس المخلوع وابنيه، ورئيس مجلس الشعب، وتغيير المحافظين، وانتهاء بالحكم بحل الحزب الوطني، والإعداد لإصدار قرار بحل المجالس المحلية، موجات هدم متوالية للنظام السابق، والحوار حول المستقبل في حالة تأجيل مريب.
ويتجه الجهد من بعد تحقيق هدم القديم إلى بناء نظام الثورة الجديد الذي خرج لها الشعب متجاوزا حتى تصورات السياسيين والمفكرين. وإذا كانت لجنة "البشري" هي الداء الذي أصاب مطلب وضع الدستور وإحالته إلى لجنة من مائة عضو يجري اختيارها من بين أعضاء المجالس النيابية، وأن دور الشعب وفقا للجنة "البشري" يقتصر على القبول أو الرفض في استفتاء عام، فإن علاج "داء لجنة البشري" يأتي من "تصور البشري" نفسه في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك"، وهو تصور لا يمكن اجتزاؤه وهو كُلٍ واحد ويناقض التصور الذي أخذ به بعد الثورة، وتساءل طارق البشري في كتابه "ولكن ما العمل، تعديل الدستور مطلوب جدا، ولكن ماذا قبل تعديله وماذا يصاحبه وماذا بعد؟"، وكل هذا لم تشر إليه اللجنة.
ويقول "إن الدستور هو نظام قانوني، وهو يسبغ الشرعية على واقع قائم أو يحسر الشرعية عن واقع ضار، وهو ييسر وجود ما هو مطلوب ويعوق ظهور ما يراد تجنبه، وهو ينظم علاقات التعامل بين ما هو قائم في الواقع من قوى اجتماعية ومؤسسات مشخصة لهذه القوى، ومن كيانات سياسية سواء كانت في داخل هياكل سلطة الدولة أو خارجها".
ويصل إلى قول فصل " إن التوزيع القانوني والدستوري للسلطة يعتمد أول ما يعتمد على التوزيع الفعلي للقوى الاجتماعية السياسية ذات التعدد، والتي تكون متبلورة في تكوينات تشخصها وتعبر عنها في إطار إرادات سياسية ومشخصات مؤسسية، تظهر في شكل تنظيمات أو أحزاب أو نقابات أو جمعيات أو كل هؤلاء. وأنا لا أتكلم هنا عما يكفله القانون من تشكيلات، ولكني أشير وأقصد الإشارة إلى ما يكون موجودا في الواقع الفعلي من تكوينات تجمع أناسا بوصفهم قوة سياسية اجتماعية وتعبر عن إرادة هؤلاء المجتمعين وتمتلك القدرة على تحريكهم الفعلي عندما ترى داعيا لذلك. وتكون إرادتها التي تبديها عند الضرورة وحركتها الفعلية التي تقوم بها عند اللزوم، يكون ذلك ذا فاعلية وتأثير في الواقع المحسوس أيا كانت درجته".
هذا شيء مما كتبه البشري والذي يفرض به أن الدستور إرادة مجتمعية لا يجوز إحالتها على أي نحو إلى لجنة مختارة من بين ممثلي الدوائر المنتخبين كأعضاء مجلسي الشعب والشورى، الذين ليسوا بالضرورة تعبيرا عن القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة داخل المجتمع، وهذا ما يزيد من الخلل الذي أصاب حركة الثورة وإرادتها عندما تبنى الإعلان الدستوري التصور الذي اقترحته لجنة البشري، ولا يعبر على أي نحو عن إرادة المجتمع، بل هو يسرق إنجاز الثورة ويوجهه على غير هدي إلى المجهول، والظاهر للعيان وما اتهم به البشري ولجنته أنه يمكن تيار الإخوان وحده، حتى أن المتحدث باسم المجلس العسكري نفى هذا عن المجلس في تصريحات صحفية.
نظام سابق يتم تقويض أركانه خلال أسبوع، ودستور مؤجل طبقا لمقترحات لجنة البشري ونقيض تصوراته المعلنة قبل الثورة عن الحوار المجتمعي مصدر الدستور.
وتنطلق في المجتمع ثلاث قوى وقد أصابتها حالة من التغير، بينما انهار الدور الأمني في المجتمع لجهاز الشرطة، وليس هناك من يناقشه أو يعيد إليه الحياة.
البلطجية والإخوان والشباب ويكاد أن تجمع الثلاثة عقيدة واحدة هي أساس التحرك، وهي البلطجة. ورغم أنه ليس كل الإخوان ولا كل الشباب بلطجية، ولكن السلوكيات والمبررات التي يسوقونها تنضوي تحت منهج ومفهوم البلطجة.
هذا ما يمكن ملاحظة أنه يستشري كما النار في الهشيم، فالبلطجة المباشرة من مجرمين أو جماعات استطابت البلطجة بعد غياب الأمن أصاب المجتمع بنوع من التوتر، بينما جهاز الشرطة يمارس دوره برعونة دون أي إحساس بالمسؤولية إلى الحد الذي يجري الحديث عن أن ممارسات السلفيين في قنا من قطع الطريق على قطارات السكك الحديدية، هي من صناعة بقايا جهاز أمن الدولة وعناصر تنتمي إلى الحزب الوطني الذي تم حله، واتجه البلطجية لخدمة أنفسهم بعد أن كانوا يخدمون الأمن.
ويبلغ الأمر أن يعلن الإخوان: "نسعى لإقامة الحكم الإسلامي وتطبيق «الحدود» بعد امتلاك الأرض"، ودون مبرر لامتلاك الأرض الذي يدعونه، أو أحقية الولاية على المجتمع بتطبيق الحدود، ولكنهم بذلك وصموا أنفسهم ضمنا أنهم يسرقون ثورة شعب جاءوها بعد أن تمكنت من عوامل النجاح الأساسية.
هل يمكن توصيف هذا الادعاء "القيمي" بغير البلطجة؟ كيف امتلك الإخوان الأرض؟ أم يعني المتحدث بهذا القول أنهم سرقوا الأرض من تحت أقدام الشعب، أليست هذه بلطجة؟؟
وهل يمكن التغاضي عن قول صبحي صالح إنه لولا الإخوان والجيش لتمت هزيمة الثورة!، وإن كان ذلك كذلك، فلماذا لم يقم الإخوان أساسا بالثورة؟ وكانوا جنبونا كل الزمن الذي انقضى تحت براثن نظام فاسد، ولماذا انتظروا حتى خرج الشعب بكل الإرادة؟
ثم حماية الثورة؟ بأمارة إيه؟ ووعيهم السياسي لا يتجاوز التداعيات التنظيمية لصالحهم، بل إن جريمة البشري تكاد تكشف لهم دورا رديئا عائدا إلى عدم الوعي، وانعدام الانتماء لغير الذات عندما قبلوا بمشاركته ورفضوا الانتماء لوعي الثورة أو حتى نمطية الأداء في وضع دستور ما بعد الثورة وفرضوا رؤيتهم على البشري، أو أنهم جميعا قبلوا بها على غير أمانة الوفاء للثورة.
ويطيب لعناصرهم أن يتحدثوا عن أشياء ثلاثة غير ما أعلنوه من امتلاك للأرض:
أنهم قضوا من أعمارهم في السجون زمنا، وهم من تحملوا العذاب، وهو أمر لا ينكره أحد ولكن السؤال لماذا تحملتم هذا؟ هل من أجل تحرير الوطن أم من أجل بناء تنظيمكم؟
وأنهم والسلفيون وبقايا الحزب الوطني هم القوى الموجودة بالمجتمع، ويتساءلون وباستعلاء، ومن غيرنا في المجتمع؟ أي أنهم خرجوا من الجماعة الوطنية وحرموا الشباب أيضاً من حقهم في المستقبل.
وثالث ما يتحدثون عنه، يطلقون عليه المسكوت عنه، وهو إخراج الجيش من الحياة السياسية، وهو مطلب يعني عندهم الانفراد بالمجتمع.
واكتملت الصورة بالانقضاض على ما أعلنوه من مدنية الدولة إلى الحديث عن امتلاك الأرض وإقامة الحكم الإسلامي.
وتعرض الشباب لاختبار الوعي عندما هدأت الحركة وكانت الأسئلة المطروحة أعمق كثيرا من مجرد القدرة على الحشد والتظاهر، وتبين أن هناك ندرة في الكوادر، وانتقلت القيادة في بعض المواقف إلى عناصر غير مؤهلة، والبعض منهم يعتمد قاعدة الهتاف في لحظة يجب فيها التفكير والحوار، بل وزاد الطين بلة في بعض المواقف أن عناصر مشبوهة جنائيا انتشرت في إطار خدمات الشاي والطعام وأيضا "الكيف"، ولولا أني شاهدت هذا بنفسي وتعاملت معه لما سجلته حتى نستطيع مواجهته وحماية الشباب رأس رمح الثورة منه، كل هذا مثل عبئا على نمو حركة الشباب، وأدى إلى تشوهات يرصدها المجتمع والمواطنون مما أتاح فرصة لاتهام الشباب بادعاءات الحركة المضادة للثورة.
ويتعرض الشباب لمرض النجومية الخطير، والذي صاحبه انقلاب على الأجيال السابقة عليه، وكأنه نبت شيطاني خرج منفردا ومستقلا عن غيره، وزاد الإحساس الذي جرت زراعته داخله بأنه هو الثورة، إلى تزايد حالة التمرد على كل صور الوعي والإدراك بحجة أنها من إنتاج عصور بائدة.
ورغم ذلك كله، ما زال مخزون الثورة والوعي عند الكتلة الأكبر من الشباب قادر على الحشد، وقادر على الإمساك بإستراتيجية التغيير وتحويلها إلى مهام.
الدستور تتربص به المخاطر، لجنة تضعه بديلا عن شعب بأسره. وانقلاب على الثورة تؤديه وزارة الداخلية والبلطجية ويشاركهم الإخوان والسلفيون، ويتسرب الخطر إلى الشباب عماد رمح الثورة. الخطر الداخلي أشد وطأة من الخطر الخارجي وكلاهما خطر ويجب التصدي له، وعجلة الزمن تدور والأكثرية يستغرقها الثأر والقصاص، فهل آن لنا أن نوقف تداعي سرقة الثورة بإحالة أمر الدستور إلى جمعية تأسيسية للقوى الوطنية بديلا عن مسلسل الانتخابات ولجنة المائة، سؤال يفرض نفسه على إرادة الثورة، ووجب الاحتشاد للإجابة عنه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
16089
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
5019
| 17 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
2835
| 23 أغسطس 2026