رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يمكن أن نتحدث للأسف، على الأقل من حيث الشكل المنهجي والعلمي، عن وجود إستراتيجيات اجتماعية عربية لمحاربة ظاهرة الإرهاب باستثناء تجربة المملكة العربية السعودية؛ ذلك أن معظم الإستراتيجيات الموضوعة والموجودة لمحاربته تركز تركيزا أساسيا على الإستراتيجية الأمنية – القانونية التي تتجاهل في الكثير من الأحيان بقية الحلول والإستراتيجيات والتي يمكن أن تسهم مباشرة في محاصرة هذه الظاهرة والقضاء عليها، خصوصا وأنها تعتمد على جوانب كثيرة ومتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها في تشخيص الداء وتقديم الحلول المناسبة. ورغم أهمية الإستراتيجية الأمنية – القانونية في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه؛ إلا أنها على المدى البعيد ستثبت فشلها وقصورها؛ لأنها تقضي في أحسن الأحوال على مظاهر وتجليات الداء وتؤجل مفعول المشكلة وللأسف للأجيال القادمة. وتبرز الإستراتيجية الاجتماعية كإستراتيجية حتمية لقدرتها وفاعليتها على معالجة الداء من جذوره؛ لأنها تعتمد على آليات الإقناع والتأثير الاجتماعي. فالفرد هو ابن بيئته الاجتماعية يتأثر بها ويؤثر فيها ولا يمكن مهما كان الأمر أن ينسلخ أو يبتعد عنها. لهذا فإن الإستراتيجية الاجتماعية تعمل على فهم طبيعة الأبعاد الاجتماعية للظاهرة، وخصوصيات المجتمع، وطبيعة الجماعات الضاغطة فيه بهدف توظيف كل الطاقات والمجموعات الاجتماعية الحيوية والفاعلة لمحاربته، ومن ذلك مثلا: الأسرة، والمسجد، ووسائل الإعلام والاتصال، والنوادي، والجمعيات الأهلية. إن لهذه المجموعات الاجتماعية تأثيرا عجيبا وكبيرا على أفرادها، وكما يقول أوجست كونت August Kant "المجتمع يطاردنا حتى في النوم"، أي أن مؤسسات المجتمع والمجموعات الاجتماعية لها تأثير كبير على أفكار وسلوكيات واتجاهات بل وعلى كل قناعات وقيم الفرد. ويلتزم الإنسان حسب أوجست كونت بكل ما يفرضه عليه المجتمع من سلوك وأفكار ومعتقدات. إن المجتمع، حسب العديد من مؤسسي علم الاجتماع كابن خلدون وإيميل دوركايم Emile Durkheim، يمارس ضغطا ورقابة وتوجيها مباشرا من خلال القوانين والتشريعات والسلوكيات الرسمية والعامة، أو غير مباشر من خلال الأسرة والأصدقاء والمدرسة والنوادي.
"الإنسان اجتماعي بطبعه" كما يقول ابن خلدون في كتابه "المقدمة" فهو بحاجة ماسة للعيش مع الآخرين، وأن يتقبل ظروف وشروط وأساسيات العيش المشترك الذي يستوجب الالتزام التام بقيم وفلسفة وقوانين وقواعد المجتمع الذي ينتمي إليه. وضمن هذا الإطار تسعى المجتمعات العربية والإسلامية إلى تكريس قيم الأخوة، والتضامن، والتفاعل الإيجابي، والتسامح، والتكافل الذي يضمن لأفراد المجتمع العيش الكريم. ورغم وجود بعض المبادرات العربية المرتبطة بتوظيف واستخدام المؤسسات الاجتماعية والأهلية في محاربة ظاهرة الإرهاب؛ إلا أنها في أغلب الأحيان لا تستخدم لأغراض تكريس الحل الاجتماعي الشامل الذي يأخذ بعين الاعتبار تركيبة وخصوصية المجتمع ودور المؤسسات الاجتماعية في تقديم العلاج الناجع الذي يتطلب ويستوجب فهما صحيحا للمشكلة والآثار المترتبة عنها مستقبلا، سواء على الفرد أو على المجتمع. وقد تبنت بعض البلدان العربية التي عانت أو ما زالت تعاني من ويلات هذا المرض الخطير، كالجزائر، ومصر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، والعراق، واليمن مبادرات اجتماعية ضمن خطط إستراتيجية هدفها توظيف كل الطاقات الاجتماعية الحية والنشطة في المجتمع: كالجمعيات الأهلية، والنوادي المختلفة، والمساجد، والجامعات، والنقابات، والشخصيات الاجتماعية والدينية والسياسية المعروفة من أجل توعية الجماهير العربية بخطورة هذه الآفة الاجتماعية وجعل الجماهير ترفض هذا السلوك وكل من يتبناه أفرادا أو جماعات.
كما سعت مختلف هذه البلدان العربية لتبني عدة إستراتيجيات اجتماعية لتوعية الجماهير بضرورة المشاركة المباشرة في عملية محاربة الإرهاب، إما من خلال التبليغ عن الجماعات الإرهابية، أو من خلال رفض كل الأفكار والسلوكيات التي قد تؤدي إلى العدوان على الممتلكات الخاصة أو العامة. وفي الكثير من الأحيان قامت العديد من الجهات والمنظمات الاجتماعية والسياسية والدينية في بعض الدول العربية: كالجزائر والمغرب ومصر واليمن بتنظيم مظاهرات ومسيرات احتجاجية للدفاع عن وحدة المجتمع ومؤسساته حاملة شعارات منددة بخطورة الوضع ووحشية وهمجية الأعمال والأفكار الإرهابية والعدوانية. كما ركزت معظم هذه المظاهرات على أهمية تصدي أفراد الشعب جميعا لهذه الظاهرة، لأنها تمس بوحدة وسلامة ومستقبل المجتمع. وتستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية في الوطن العربي بشكل كبير في هذه العملية، وذلك على مستويات عدة، أهمها: إبراز خطورة الظاهرة والدعوة لرفضها جملة وتفصيلا وتستخدم عدة مواد إعلامية لتحقيق ذلك: كالنشرات الإخبارية، والبرامج الحوارية، والندوات والمناقشات مع العلماء والشخصيات المعروفة اجتماعيا وهذا لما لهم من تأثير كبير على الجمهور وفي عملية صناعة الرأي العام. كما تستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية في إبراز المشاركة الكبيرة والفعالة للجماهير الرافضة للسلوك الإرهابي وكل ما له صلة به، وهذا ببث صور التضامن الاجتماعي ومشاركة كل الفئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات الاجتماعية في مشروع محاربة ظاهرة الإرهاب. وتقوم وسائل الإعلام الجماهيرية العربية بتغطية كل المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات والتجمعات الاجتماعية الرافضة للإرهاب مما يزيد من فضح عيوب الإرهابيين وتبرز مدى بعدهم عن القيم التي يؤمن بها المجتمع العربي ونبذ المجتمع العربي للأفكار الإرهابية والعدوانية. لا يمكن نفي وجود بعض التجارب والنماذج الإعلامية في محاربة ظاهرة الإرهاب في الوطن العربي؛ إلا أنها في أغلب الأحيان تفتقد للتخطيط والتنظيم والتنسيق، فهي تظهر وتنشط في مرحلة ما وتختفي في مراحل عدة؛ إذ لا يتم استخدام الحملات الإعلامية والتوعوية، إلا في الفترات التي تشهد أحداث وعمليات إرهابية وعدا ذلك فلا وجود ولا متابعة إعلامية للموضوع.
تجربة وسائل الإعلامية الرسمية والتي تتمثل في القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية الرسمية التابعة للحكومات العربية تشير إلى التزام هذه المؤسسات التزاما حرفيا بالخطاب الرسمي والدفاع عن وجهة نظر الحكومات ومصلحة الوطن. ولقد قدمت مواد إعلامية كثيرة لا يمكن حصرها تبرز فيها مختلف جوانب الظاهرة وخطورتها على مستقبل الفرد والمجتمع. وبشكل عام، فإن معظم ما تقدمه هذه الوسائل من مضامين وبرامج وتغطيات إخبارية يكاد لا يخرج عن المألوف، أي أن المادة الإعلامية مقدمة بشكل كلاسيكي وروتيني بعيدة عن الإبداع والإثارة والتشويق، وهذا ما جعل نسبة كبيرة من الجمهور العربي تتجه نحو القنوات ووسائل الإعلام العربية الخاصة أو الأجنبية. إن وسائل الإعلام العربية الرسمية لم تستطع فهم التحديات التي تواجهها في عصر العولمة وبقيت تفكر وتسير بعقلية القرن الماضي حيث لا وجود للمنافسة. إن معظم هذه المؤسسات تفتقد للحرفية والمهنية والتميز مما يجعلها أداة ضعيفة وغير قادرة على تقديم المضامين الإعلامية المتميزة لمحاربة ظاهرة الإرهاب بحرفية. كما أن البعض منها لا يملك الخطط والبرامج الإعلامية لمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه. والملاحظ على هذه الوسائل أنها لا تقدم مضامين متميزة ومتنوعة لغرس قيم السلم والوئام المدني وتوعية الجمهور بأخطار الإرهاب، إذ يمكنها أن تنتج أفلاما ومسلسلات درامية وبرامج حوارية ورسائل إعلانية وتوعوية متميزة باستخدام أحدث التكنولوجيات.
إن محاربة ظاهرة الإرهاب هي مسؤولية هذه المؤسسات التي تملك الإمكانات التقنية والبشرية والمادية. وفي حقيقة الأمر، فإنه لا يمكن إحداث تغيير في العقليات والسلوكيات والممارسات الاجتماعية ونبذ العنف وغرس قيم السلم من دون توظيف وسائل ورسائل إعلامية مقنعة ومؤثرة. كما أن محاربة هذه الظاهرة لا تكون آنية بتغطيات إخبارية فورية فقط، بل تحتاج إلى خطط وبرامج إعلامية مدروسة تأخذ بعين الاعتبار حاجات ورغبات وميول المتلقي، وتسعى لإحداث تغيير في العقليات والأفكار والسلوك على المدى الطويل. وهنا تظهر الحاجة لمعرفة الأبعاد النظرية والخلفية الفكرية التي تقوم عليها الإستراتيجية الإعلامية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10401
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3300
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2466
| 08 سبتمبر 2026