رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. عبدالله الفخرو

فنان وكاتب قصص

مساحة إعلانية

مقالات

342

م. عبدالله الفخرو

عندما تصبح عضة البعوضة فنًا

19 يونيو 2025 , 05:53ص

في رحلة البحث الطويلة عن لماذا نرسم؟ هناك سؤال يفرض نفسه، إذا كان للفن طريق، أليس من الواجب أن نعرف خريطته، إلى أين نحن متجهون؟

أسئلة فلسفية خاصة بالفنان، من المهم أن يعي وجودها، ومحاولة إيجاد الأجوبة عليها.

يدور في الوسط الفني سؤال مستمر، هل تلك الأعمال الفنية التي نراها في المعارض تعبّر عن مشاعر ومكنونات شخصية؟ أم أنها ببساطة نتاج لما يريده الجمهور؟

هل نصنع الفن لأننا نرغب بذلك، أو كما نقول نريد إيصال رسالة شخصية؟

أم أن الفن حالة تعبير جماعية، هل نحن وحدنا في هذه اللوحة، أم يرسم معنا المجتمع بظله الطويل؟

أليس أعظم فناني عصر النهضة قاموا بأعمالهم بناءً على تكليف؟ وكذلك معظم الأعمال في الحضارات القديمة، الرسومات المبهرة داخل الأهرامات والمعابد الضخمة، الزخارف بالمساجد في العصور الإسلامية، إلى النوادر الفنية التي صُنعت كهدايا فاخرة لملوك وأباطرة. هذه الفنون التي تملأ متاحف العالم، كانت شاهدة على المستوى الذي بلغه الفن حين كان يُنجز للغير أو للمجتمع.

في السابق كان التوجه جماعيًا، وكانت السلطة، الملك أو الحاكم هي من يحدد الرسالة، أما الفنان فمجرد يد ماهرة حيث كانت للحرفة اليد العليا.

مستوى المهارة العالي كان هو المقياس، انظر مثلًا إلى دقة الحروف في الخط العربي، إلى التمكّن فيه والاقتراب من الكمال: الخطاط المحترف يقضي سنوات في التمرين حتى يحصل على إجازته. الأمر ذاته نراه في الأرابيسك، والزخرفة، وفنون الزجاج والسيراميك.

حتى إن بعض الفنانين لم يوقعوا أعمالهم، لأن العمل كان يُنسب إلى الجماعة أو المالك، لا إلى الفرد.

أما اليوم، فقد دخلنا عالمًا ذاتيًا بامتياز، الابتكار صار فرديًا، والرغبة في التعبير عن مشاعر شديدة الخصوصية أصبحت هي المحرك.

الفنان اليوم قد يرسم كآبته بعد منظر رآه في قناة إخبارية، أو حنقه من جدال مع زوجته أو حتى بسبب عضة بعوضة!.

وفي أحيان كثيرة تكون اللوحة في أحد المزادات العالمية مجرد حالة تعبير نفسية خاصة وفضفضة عبقرية من فنان.

أرى أن هذا التحول بدأ فعليًا في الفن المعاصر، حيث لم يعد الفن يهتم بالمجتمع بالضرورة. وفي الغالب غير معني بهمومه، ولا بما يعانيه.

وكأن الفن قرر أن ينسحب من العالم، ويعيش في غرفة مغلقة لا يدخلها إلا صاحبه.

أظن أننا نحتاج إلى حالة متوازنة بين الخصوصية الفردية والمجتمع، كما يجب أن يكون عليه الفن، مهارة فذّة، وإبداع فردي خاص، لكن أيضًا حضور اجتماعي.

وحتى لا نصبح آلات بمهارات عالية تنفّذ ما يطلبه الجمهور فحسب، أو نتحول إلى مرايا لانفعالاتنا الخاصة.

مساحة إعلانية