رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في بداية الأسبوع، وبينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، لفت نظري خبر بعنوان: «أوريو تشيّد خزنة سرّية استعدادًا لنهاية العالم». وأظن أن الجميع يعرف أوريو، ذلك البسكويت الشهير لدى الأجيال الجديدة، المميز بلونه الأسود. يقول الخبر إن شركة أوريو تقوم ببناء خزنة سرّية في مكان قريب من «خزنة يوم القيامة للبذور» (Svalbard Global Seed Vault)، وقد جاءت الفكرة بعد تحذيرات من احتمال اصطدام كويكب بالأرض. تحتوي الخزنة على وصفة أوريو السرّية، بالإضافة إلى علب محكمة الإغلاق من البسكويت، وأرفق الخبر ملاحظة طريفة مفادها أنه تم إضافة مسحوق الحليب لتغميسه مع الأوريو. وإن كنت أعتقد أن الشركة قد بالغت كثيرًا في تقديرها لقيمة البسكويت الذي وبصراحة، لا أحبه كثيرًا، فإن الفكرة على الأرجح مجرد دعاية تسويقية ذكية. لكنها، رغم طرافتها، فتحت لي بابًا للتفكير في شيء أعمق بكثير: كم من الأمور في حياتنا أهم من هذا البسكويت؟ ولماذا لا نعاملها بنفس القدر من الحرص والأهمية؟ تذكرت حين قال لي أحد الأصدقاء ذات مرة إنه يفضّل الذهاب لتناول برغر في أحد المطاعم على زيارة معرض فني. هذا الموقف، رغم بساطته، يخبرنا كثيرا عن أولويات الأشخاص حولنا. لقد أصبح الطعام أكثر إثارة من الفن، وأصبح البسكويت أهم من أشهر لوحة فنية في متحف اللوفر. وهنا يبرز السؤال: لماذا لم يفكر العالم في بناء خزنة تحفظ أهم اللوحات والأعمال الفنية من مختلف ثقافات البشر؟ لماذا لا نحفظ فنّنا كما نحفظ طعامنا؟ أليس الفن البصري ذاكرةً بشريةً توثّق المشاعر والأحداث والتفاعلات الإنسانية؟ من المهم أن ندرك هذا الدور. فوجود فنان مثل جاسم الزيني، أحد روّاد الفن القطري، يقدّم في لوحته ملامح قطرية توثيقًا نادرًا لأفراد من مجتمعنا. وجمال هذه اللوحة يكمن في كونها لا تصور أشخاصًا استثنائيين، بل وجوهًا عادية نحملها في ذاكرتنا، لكنها توثقها لنا كجزء من هويتنا. وكذلك لوحة «التحدي» للفنان يوسف الشريف، وغيرها من الأعمال التي تبرز الإنسان العادي كموضوع للفن، وكأنها تقول: هؤلاء هم نحن، وهذه ملامحنا. في العام الماضي، نظمت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة معرضًا بعنوان الملاذ، وكنت من المشاركين فيه بلوحة «حوش بيتنا… خوش حوش» والتي كانت ثمرة جلوسي الطويل في البيت خلال فترة الحجر الصحي أثناء الكورونا. كانت تلك الأيام فرصة للتأمل، ولإعادة التفكير في جدوى كثير من انشغالاتنا اليومية. الفن في تلك اللحظة لم يكن ترفًا، بل أراه تعبيرًا عميقًا عن شعور عام وذاكرة أردت الاحتفاظ بها !
549
| 30 يونيو 2025
في رحلة البحث الطويلة عن لماذا نرسم؟ هناك سؤال يفرض نفسه، إذا كان للفن طريق، أليس من الواجب أن نعرف خريطته، إلى أين نحن متجهون؟ أسئلة فلسفية خاصة بالفنان، من المهم أن يعي وجودها، ومحاولة إيجاد الأجوبة عليها. يدور في الوسط الفني سؤال مستمر، هل تلك الأعمال الفنية التي نراها في المعارض تعبّر عن مشاعر ومكنونات شخصية؟ أم أنها ببساطة نتاج لما يريده الجمهور؟ هل نصنع الفن لأننا نرغب بذلك، أو كما نقول نريد إيصال رسالة شخصية؟ أم أن الفن حالة تعبير جماعية، هل نحن وحدنا في هذه اللوحة، أم يرسم معنا المجتمع بظله الطويل؟ أليس أعظم فناني عصر النهضة قاموا بأعمالهم بناءً على تكليف؟ وكذلك معظم الأعمال في الحضارات القديمة، الرسومات المبهرة داخل الأهرامات والمعابد الضخمة، الزخارف بالمساجد في العصور الإسلامية، إلى النوادر الفنية التي صُنعت كهدايا فاخرة لملوك وأباطرة. هذه الفنون التي تملأ متاحف العالم، كانت شاهدة على المستوى الذي بلغه الفن حين كان يُنجز للغير أو للمجتمع. في السابق كان التوجه جماعيًا، وكانت السلطة، الملك أو الحاكم هي من يحدد الرسالة، أما الفنان فمجرد يد ماهرة حيث كانت للحرفة اليد العليا. مستوى المهارة العالي كان هو المقياس، انظر مثلًا إلى دقة الحروف في الخط العربي، إلى التمكّن فيه والاقتراب من الكمال: الخطاط المحترف يقضي سنوات في التمرين حتى يحصل على إجازته. الأمر ذاته نراه في الأرابيسك، والزخرفة، وفنون الزجاج والسيراميك. حتى إن بعض الفنانين لم يوقعوا أعمالهم، لأن العمل كان يُنسب إلى الجماعة أو المالك، لا إلى الفرد. أما اليوم، فقد دخلنا عالمًا ذاتيًا بامتياز، الابتكار صار فرديًا، والرغبة في التعبير عن مشاعر شديدة الخصوصية أصبحت هي المحرك. الفنان اليوم قد يرسم كآبته بعد منظر رآه في قناة إخبارية، أو حنقه من جدال مع زوجته أو حتى بسبب عضة بعوضة!. وفي أحيان كثيرة تكون اللوحة في أحد المزادات العالمية مجرد حالة تعبير نفسية خاصة وفضفضة عبقرية من فنان. أرى أن هذا التحول بدأ فعليًا في الفن المعاصر، حيث لم يعد الفن يهتم بالمجتمع بالضرورة. وفي الغالب غير معني بهمومه، ولا بما يعانيه. وكأن الفن قرر أن ينسحب من العالم، ويعيش في غرفة مغلقة لا يدخلها إلا صاحبه. أظن أننا نحتاج إلى حالة متوازنة بين الخصوصية الفردية والمجتمع، كما يجب أن يكون عليه الفن، مهارة فذّة، وإبداع فردي خاص، لكن أيضًا حضور اجتماعي. وحتى لا نصبح آلات بمهارات عالية تنفّذ ما يطلبه الجمهور فحسب، أو نتحول إلى مرايا لانفعالاتنا الخاصة.
339
| 19 يونيو 2025
منذ عدة سنوات، حين بدأت المعارض الفنية الفردية بالازدياد، دعوت أحد الأصدقاء الفنانين للحضور بصحبتي، إلى معرض فني لفنانة شابة تنتمي إلى المدرسة التجريدية. تلك المدرسة التي تعني بتجريد الأشياء من صورتها الواقعية، وتقديمها بطريقة مجردة بعيدة عن شكلها الحقيقي. دخلنا المعرض. الألوان موزعة بطريقة مدروسة، والخامات مختارة بعناية. التكوينات غير مألوفة، لكنها متّزنة. لا يوجد شيء مفهوم وكان هذا ما يشدني فيها، تجولت منبهرا بجو المعرض… أما صديقي، فكان متوترًا. بعد فترة قليلة من تجولنا نظر إليَّ وقال: «بصراحة… هذه الأعمال مقززة!» لم أجب عليه. فقط خرجنا. وما زال رأيه ذاك يتردد في ذهني. لا لأني وافقته، بل لأنه وضعني أمام سؤال لم أجب عنه من قبل بوضوح: هل يجب أن يكون الفن جميلًا؟ هل الفن هو الجمال، أم أن الجمال شيء، والفن شيء آخر؟ هل كل ما لا يريح العين، يُعدُّ قبيحًا؟ وهل القبح نفسه لا يمكن أن يكون فنًّا؟ الفن والجمال يرتبطان كثيرًا، نعم، لكن لا يتطابقان. الجمال قد يكون في وجه طفل، أو في غروب الشمس أو وجه فتاة فاتنة. لكن هل هذه الأشياء فن؟ لا أظن ذلك.. الفن ليس نسبا جمالية وتناسقا فقط الفن ليس ما يريحك، بل ما يجعلك تعيد حساباتك.. ولذلك فإن كثيرًا من الأعمال الفنية لا تسعى إلى إرضائك، بل إلى مواجهتك. لا تريد أن تُعجبك، بل أن تُقلقك. أتذكر هنا لوحات الفنان العراقي سلام عمر حيث أقام في قطر عدة سنوات، لوحاته التي امتلأت بثقوب تشبه آثار الطلقات، وفوهات غائرة في ألواح خشبية، وألوان كأنها مستخرجة من رماد القصف. ليست جميلة، لا بالمعنى الحسي، ولا حتى بالمعنى التقليدي للجمال، لكنها كانت تُنطق الذاكرة، وتستحضر كل ما مرّ على العراق من خوف، من حصار، من دمار، من وجع. كان هذا الفن – بكل قسوته – صادقًا. وكان صادقًا لأنه لم يحاول التجميل… بل حاول أن يقول الحقيقة. وهنا استذكر غزة والتي أرجو أن يكون لها نصيبٌ من الأعمال الفنية… ليس تضامنًا عابرًا، بل ذاكرة تشكيلية باقية، تعبر ولو قليلا عن الفواجع التي تحدث كل يوم ونراها، شاهدة على العجز الذي يغلفنا كشعوب عربية. ليكن الفن، مرة أخرى، ذلك الذي يصفعك.
321
| 12 يونيو 2025
عندما بدأتُ حياتي المهنية، كنتُ مفعمًا بالحماس والشغف؛ التخرج في كلية الهندسة كان هاجسًا وتحديًا كبيرًا بالنسبة لي في تلك الفترة. انشغلتُ تمامًا بالعمل، وبعد سنوات قليلة وجدت نفسي في مرحلة جديدة من حياتي، الزواج وما يتبعه من مسؤوليات، مرحلةٌ احتاجت كل طاقتي وتركيزي. هنا اضطررت، أو ربما يمكنني القول بأني أجّلت اهتمامي بالفن. كنتُ وقتها في بداياتي الفنية، أشارك بحماس في الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، لم تراودني حينها تلك الأسئلة العميقة التي تتعلق بالفن. ففي تجربتنا للأشياء لا نحتاج دومًا أن نفهمها، الفن يشبه الحب الذي يأتينا من أول نظرة، انجذاب وتعلق، ثم نبدأ بعد ذلك بالتعمّق شيئًا فشيئًا. أستطيع الآن أن أضع الأسئلة التي راودتني حين قررت كتابة هذه المقالات، لكنني لا أضمن إجابات وافية. فأنا ما زلت في مرحلة الأسئلة، مرحلة اكتشاف ذلك العمق اللامتناهي، مرحلة الانبهار ربما. إنها مرحلة تكشف لنا عن قِصَر العقل البشري وحيرته أمام محيطه. وربما لحكمةٍ ما، وضع الخالق لنا بعض الإشارات في هذا الكون لتخبرنا بألا نتساءل كثيرًا عن أمورٍ هي أكبر بكثير من قدراتنا. وإن تساءلنا، فلا بأس، لكن لا يجب أن نظن أبدًا أننا سنملك إجابات كاملة عنها. (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ولكن ما الذي يجذبنا حقًا إلى الفن؟ أشياء كثيرة وعديدة تأخذنا نحوه، ولا يوجد سبب واحد يُفسر هذا الانجذاب. هل هو الفراغ؟ شخصٌ يملك وقتًا زائدًا فيقرر فجأة أن يبدع؟ هل هذه هي القصة حقًا؟ لا أظن ذلك، رغم إيماني بأن بداية الإنسان مع كل شيء هي الفضول! جميع اكتشافات البشر واختراعاتهم بدأت من فضول بشري كامن، قاده إلى البحث والسؤال، ثم إلى الوصول إلى نتائج مدهشة. إن ما يجذبنا إلى الفن هو قدرته على أخذنا إلى مساحات نبوح فيها بما لا يمكن البوح به بالكلمات وحدها. الفن بمثابة الأخصائي النفسي الذي يُجلسنا على كرسي العلاج، ويجعلنا نثرثر ونخرج كل ما بداخلنا لنشعر بعدها بالراحة. لقد جرّبتُ ذلك مرارًا، وأثبت لي الفن فعاليته في تخفيف معظم الفوضى النفسية التي تأتي من تراكم مشاعرنا المكبوتة. الفن، صريحًا كان أو رمزيًا، يُخرج هذه المشاعر ويحررنا منها، فهو متنفس رائع، ومن هنا نشأ مصطلح «العلاج بالفن». الفن هو مرآتنا الداخلية التي تعكس لنا حقيقة أنفسنا حين لا نتمكن من رؤيتها بوضوح. إنه يتجاوز الكلمات التي نعجز عن قولها، ويُعبّر عن الأفكار والمشاعر التي قد لا ندركها نحن أنفسنا بشكل واعٍ. عندما عدتُ إلى الفن بعد مرحلة الانشغال الطويلة، أدركتُ أنه لم يكن مجرد هواية أو تسلية أمارسها في أوقات الفراغ، بل هو حاجةٌ روحية وضرورة حياتية لا تقل أهمية عن عملي ومسؤولياتي الاجتماعية. الفن يمنحنا الشجاعة للوقوف أمام مشاعرنا، والاعتراف بما نشعر به دون خوف أو حرج، وهذا الاعتراف بحد ذاته هو بداية التصالح مع ذواتنا. إن الفن يحررنا من قيود الخجل والخوف من التعبير، ويساعدنا في فهم أنفسنا وتقبّلها بكل ما فيها من تناقضات. سأظل أطرح الأسئلة وأغوص في مساحات الدهشة والإبهار، حتى وإن لم أصل إلى إجابات كاملة. يكفي أن الفن يرافقني في رحلتي هذه، ويمنحني ذلك الشعور الرائع بأنني لستُ وحدي، وأن في هذا العالم الواسع من يتشارك معي هذا الشغف وهذا الفضول الجميل.
474
| 05 يونيو 2025
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4479
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
4200
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
2109
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
1554
| 05 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
756
| 07 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
753
| 05 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
741
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
702
| 08 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
549
| 07 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
546
| 04 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
537
| 09 مايو 2026
كعادتي دائما ما أختار موضوع مقال يخص مجتمعنا...
516
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية