رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رمضان الأمس كنا في عالم المجهول، ورمضان اليوم صرنا في عالم المعقول، رمضان الأمس كنا دولة يحكمنا العسكر مائة بالمائة، ورمضان اليوم انتخب لأول مرة رئيس مدني حافظ، أستاذ جامعي نابغ، وإداري وسياسي شجاع، وينازعه المجلس العسكري صلاحياته، واستعمل القضاء في إرباك المشهد السياسي، وإطالة عمر التحكم في مفاصل البلد، لكن الله تعالى لهم بالمرصاد، وسيُلحقون بمن اختارهم على منهاجه ومعاييره في الاستبداد والفساد، رمضان الأمس كان قصر العروبة خاويا على عروشه منذ خلع الشعب حسني باراك، وقبله كان القصر وكرا للمؤامرات على الشعب المصري عامة والإسلاميين خاصة، وعلى الشعوب العربية والإسلامية عامة وأهل غزة خاصة، وكان من يُضبط مصليًا "يروح وراء الشمس"، ورمضان اليوم يعمر القصر الرئاسي قائد منتخب، يرى نفسه عند الشعب خادما، عليه واجبات وليس له حقوق، يلتقي في عشرة أيام بقيادات شعبية من كل شرائح المجتمع العسكرية والشرطية والقضائية والمحافظين ورؤساء الجامعات ونوادي أعضاء هيئة التدريس والعلماء والقساوسة، والداخل يتوازى مع الخارج، والعمرة في السعودية والبكاء خلف إمام الحرم لما قرأ بآية إبراهيم: "وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ" (إبراهيم: 45)، وعاد يوما واحدا لمصر ليسافر إلى أديس أبابا ليرأس القمة الإفريقية في عزة تغير وجه التقزيم لمصر لتكون في صدارة الأمة الإفريقية والعربية والإسلامية، وغدا الدول العالمية بإذن الله.
رمضان الأمس كان المصريون في الخارج يتوجسون خيفة من زيارات الرئيس للبلاد التي هاجروا أو فروا من ظلمه إليها، وصار الاعتقاد أن زيارة مبارك لبلد ما شؤم على المصريين بها بل والمواطنين، وأذكر أني لما ذهبت لسلطنة عمان سنة 1995م وجدتُ اعتقالات بالجملة لقضاة ووكلاء وزارات وسفراء ومديرين وكبار المهندسين والتجار بقضية لفَّقها ودبَّجها بل باشر الاعتقال والتعذيب أمن الدولة المصري، ولما جاء مبارك لعمان سنة 1998م اشتكى بعض المصريين من سوء معاملتهم في بعض الدوائر فقال الرئيس: "أنا معايا مقاعد ع الطيارة اللي مش عاجبه يرجع معايا"، وبعد عودته طلبت مني إدارة الجامعة مغادرة البلاد بناء على الملفات الأمنية التي كان مبارك يطارد فيها شعبه، فاضطررت للسفر لأمريكا عدة سنوات، ورمضان اليوم لا ينشغل الرئيس محمد مرسي بإفريقيا كلها عن شيماء الصحفية المعتقلة في السودان، فيطلب الإفراج عنها، ويفطر معها، ويسألها هل تعرضت لتعذيب أو أذى؟ ويأتي بها عزيزة إلى بلدها مصر الجديدة، مصر التي يجب أن تحترم كرامة المواطن في الداخل أو الخارج، والرسالة لكل بلاد العالم اليوم أن المصري ليس مكشوف الظهر، مكسوف القلب، مهيض الجناح، بل كرامته من كرامة مصر والرئيس نفسه.
رمضان الأمس كان مبارك محبوسا على ذمة التحقيق ورمضان اليوم محكوم عليه جنائيا، رمضان الأمس كان القذافي يباشر القتل الرهيب والسفك الدنيء، والسب البذيء، ورمضان اليوم القذافي في قبره يلقى جزاءه الأوفى من الله الذي يحكم ما يريد، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
رمضان الأمس كان علي عبدالله فاسدا يمسك بخيوط العنكبوت، ويفسد في اليمن ويسفك الدماء، ورمضان اليوم علي عبدالله في ركن مع المتقاعدين البائسين وقد أنهكته الأمراض والتشوهات القلبية والجسدية.
رمضان الأمس كان جزار الأسد يسيطر عن طريق أكابر المجرمين على مفاصل سوريا مع زبانيته من أخيه ووزرائه الظالمين، وشبيحته وأمنه الملاعين، واليوم قُتل أخوه ووزراء دفاعه وقادة قصره، وانشق الكثير من أحرار جيشه، وتدور المعارك في دمشق حول قصر الرئيس، وتُطرح فكرة الخروج الآمن، وسيرحل أو يقتل قريبا إن شاء الله تعالى بعد أن قُتل أخوه المجرم الكبير ماهر ووزير دفاعه وخمسة من كبار قادة جيش البغاة المفسدين بالسم من جندي من جنود الله هاله هذا الفجور في الإجرام، ولن يمر رمضان اليوم مع تضرع المظلومين والمخلصين دون أن يكون الأسد يغرق في دمه، أو يقبع في سجنه، أو يهرب من جلده، وأدعو مسلمي الأرض أن يخصوه وزبانيته بالدعاء مرتين واحدة في السحر عندما ينزل ربنا إلى السماء الدنيا وينادي هل من سائل فأعطيه، والأخرى عند الفطر للحديث الذي أورده السيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث حق على الله ألا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع" (حديث حسن).
رمضان الأمس كان المالكي يكيل الاتهامات لكل خصومه، ومنهم نائب رئيس الجمهورية ويدبلج له تهمة تقصم ظهره، واليوم تخرج فضائح المالكي في قتل السنة والشيعة معا، ويطالب الكثير بمحاكمته وعزله من منصبه، وسيذهب إلى لعنة التاريخ بعد تجريمه على قتل فوق المليون إنسان.
رمضان الأمس كانت أزمة إخواننا في بورما تحت الرماد، ورمضان اليوم يخرج بركان الحقد والغل والظلم والطغيان فتُحرق قرى بكاملها ومن فيها ولا يتحرك أحد في أمتي في خذلان لا يقل عما فعلناه مع أشقائنا العرب في سوريا، وأشعر بالخوف من الله أن يحبط أعمالنا لتخلينا عن إخواننا في فلسطين حصارا، وسوريا انشغالا، وبورما لا مبالاة، كما خذلنا شعبنا في العراق وأهلنا في أفغانستان، وأشقاءنا في الصومال، وقومنا في تركمنستان.
أدعوكم أحبابي جميعا إلى التضرع أن يفيض على مصر وأمتنا العربية والإسلامية بالأمن والأمان، والعزة والاستقرار، وأن يصحب الدعاء الرجاء في الله والأمل مع العمل، مع اليقين التام أن اليوم خير من الأمس والغد أفضل من اليوم ما دمنا نفضنا عنا غبار الذل، وعاهدنا الله على أن نعيش بهذه الخماسية: لله عبادة، وللناس رعاية، وللأرض عمارة، وللقانون طاعة، وللسلطة معاونة فيما لا يخالف شرعه، قال تعالى: "وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج من الآية 40).
ورمضان مبارك من غير مبارك بل بفخامة الرئيس محمد مرسي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026