رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- شهادة شخصية في قائد وأب ومعلم
- جمع بين الاعتزاز بهويته العربية والإسلامية والانفتاح الواعي على العالم
- آمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها وصدقها مع شركائها
- رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم دون الارتهان لها
- كل لقاء عنده فرصة للدفاع عن مصالح قطر وبناء علاقة تعاون جديدة أو تصحيح فهم
لقد كنت، والحمد الله، شاهدا عن قرب لأدق الصفات الشخصية الحميدة والقدرات القيادية الرائعة لأحد أبرز صُنّاع نهضة دولة قطر الحديثة، وأحد القادة الذين تركوا بصمتهم الواضحة في تاريخ منطقتنا العربية وفي علاقاتها بالعالم.
بالنسبة إليّ، فإن الحديث عن المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لا ينحصر في سرد إنجازات قائد عظيم، ولا يقتصر على استعراض مرحلة مهمة من تاريخ قطر؛ ولكن حديثي يحمل في داخله جانبًا شخصيًا وإنسانيًا عميقًا، لأنني كنت واحدًا من أبناء قطر الذين أتيحت لهم فرصة العمل في المجال الدبلوماسي في عهده، والتفاعل مع رؤيته وتوجيهاته، وحضور جانب من لقاءاته ومحادثاته مع قادة الدول وكبار المسؤولين الدوليين. واليوم، نحن لا نقف أمام رحيل قائدٍ فحسب، بل أمام محطة وطنية وتاريخية وإنسانية تستدعي التأمل. لقد تزامنت مراحل أساسية من مسيرتي الدبلوماسية مع سنوات حكمه، منذ عملي في واشنطن، ثم أثناء تحملي مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، وصولًا إلى عملي سفيرًا لدولة قطر لدى المملكة المتحدة، ثم سفيرًا في فرنسا. وفي هذه المحطات المتعددة، تشرفت بلقاء سموه، وبمتابعة حضوره في الاجتماعات والمباحثات، والاستماع إلى مداخلاته، وملاحظة طريقته في التفكير والحوار والتعامل مع القضايا الوطنية والدولية. ومن خلال تلك التجربة، لم أعرفه قائدًا للدولة فحسب، بل عرفته أبًا لكل أبناء قطر، ومعلّمًا تتجاوز الدروس المستفادة منه حدود السياسة والدبلوماسية إلى معاني القيادة والمسؤولية والإنسانية وخدمة الوطن.
قائدٌ يعرف ما يريد
كان الأمير الوالد، رحمه الله، من القادة الذين يدخلون الاجتماع وهم يعرفون بدقة ما يريدون تحقيقه، ولكنهم في الوقت نفسه يتركون المجال كاملًا للاستماع إلى الآخرين وفهم مواقفهم. لم يكن يتعامل مع اللقاءات الدولية على أنها مناسبات بروتوكولية أو فرص لالتقاط الصور وتبادل المجاملات، بل كان ينظر إلى كل لقاء باعتباره فرصة للدفاع عن مصالح قطر، وبناء علاقة جديدة، أو تصحيح فهم، أو فتح باب للتعاون، أو نقل موقف قطري واضح إلى الطرف الآخر.
وما كان يلفت النظر في حضوره أنه لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى يفرض احترامه. كانت قوة منطقه، ووضوح عبارته، وثقته بنفسه وبوطنه، هي التي تمنح كلماته وزنها وتأثيرها. وكان يتحدث عن قطر، مهما كان حجم الدولة التي يجلس مع قائدها، باعتزاز كامل وندية مسؤولة؛ فلا مبالغة، ولا تردد، ولا شعور بالنقص أمام الدول الكبرى. وقد تعلمنا منه أن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بما تملكه من إرادة، ورؤية، ومصداقية، وقدرة على المبادرة والتأثير.
مدرسة في الاستماع والحوار
من أهم الصفات التي لمستها في الأمير الوالد قدرته الكبيرة على الاستماع.
كان ينصت إلى محاوره باهتمام، ويتركه يعرض وجهة نظره، ويتابع التفاصيل الدقيقة في حديثه، ثم يتدخل في الوقت المناسب بسؤال أو ملاحظة تكشف أنه لم يكن يستمع إلى الكلمات وحدها، بل كان يقرأ ما وراءها من مواقف ومصالح وحسابات.
وقد أدركت من خلال متابعتي للقاءاته أن الاستماع عنده لم يكن صمتًا، بل كان جزءًا أساسيًا من القيادة. كان يمنحه القدرة على فهم الشخص الذي أمامه، ومعرفة أولوياته، والتمييز بين ما يقوله صراحة وما يريد الوصول إليه ضمنًا. وكان يمتلك قدرة لافتة على الانتقال من التفاصيل إلى الصورة الكبرى. فقد يبدأ النقاش حول قضية محددة، لكنه سرعان ما يضعها في إطارها الإقليمي والدولي، ويربطها بمستقبل العلاقات أو بتوازنات المنطقة أو بالمصلحة بعيدة المدى لدولة قطر.
ومن هذه اللقاءات تعلمت أن الدبلوماسية الحقيقية لا تقوم على كثرة الكلام، بل على دقة الكلمة، وحسن التوقيت، والقدرة على فهم الآخر من دون التنازل عن الثوابت والمصالح الوطنية.
الحوار معه كان مساحةً للتعلّم
لم يكن الحوار مع الأمير الوالد مجرد عرض للمعلومات أو تقديم لتقرير رسمي. كان حواره يدفع من يجلس أمامه إلى التفكير بصورة أعمق.
كان يسأل أسئلة مباشرة، قد تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تذهب إلى جوهر الموضوع: ماذا تريد هذه الدولة؟ ما مصلحتها الحقيقية؟ كيف تنظر إلى قطر؟ ماذا يمكن أن يحدث بعد سنوات؟ وما البدائل المتاحة أمامنا؟
وكانت أسئلته تعلّم المسؤول ألا يكتفي بما هو مكتوب في التقارير، وألا ينظر إلى الأحداث بمعزل عن سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي.
كما كان يمنح من يعملون معه فرصة التعبير عن آرائهم. وكان يستطيع التمييز بين الرأي القائم على المعرفة والتحليل، والرأي الذي يسعى صاحبه إلى مجاراة ما يعتقد أن القائد يريد سماعه. ولهذا كان القرب منه مسؤولية بقدر ما كان شرفًا؛ لأنه كان يتوقع من المسؤول أن يكون مستعدًا، مطّلعًا، صريحًا، وأن يعرض رأيه بأمانة، حتى إن كان مختلفًا، ما دام يصدر عن اجتهاد مخلص ومصلحة وطنية. وهذه من أهم الدروس التي بقيت معي طوال مسيرتي: أن القائد الحقيقي لا يريد من معاونيه أن يرددوا رأيه، بل يريد منهم أن يساعدوه على رؤية القضية من جميع جوانبها.
في لندن… قطر تتحدث بثقة جديدة
خلال فترة عملي سفيرًا لدولة قطر في لندن، كنت شاهدًا على مرحلة مهمة من تطور العلاقات القطرية البريطانية، وعلى الحضور المتزايد لدولة قطر في المملكة المتحدة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وكانت زيارات الأمير الوالد ولقاءاته مع القيادة البريطانية والمسؤولين والمؤسسات المختلفة تعكس رؤية واضحة لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، لا علاقة مؤقتة تحكمها مناسبة عابرة. لقد كان يدرك مكانة لندن السياسية والاقتصادية والإعلامية، كما كان يعرف طبيعة المؤسسات البريطانية وأهمية التعامل معها بعمق واستمرارية. ولذلك لم تكن العلاقات في نظره مقتصرة على الحكومات، بل كانت تشمل البرلمان والقطاع الاقتصادي والجامعات ومراكز الفكر والإعلام والمجتمع بمختلف مؤسساته. وفي لقاءاته في لندن، رأيت كيف كان يجمع بين الاعتزاز بهويته العربية والخليجية والقطرية، وبين الانفتاح الواعي على العالم. لم يكن يرى تناقضًا بين الأصالة والحداثة، ولا بين المحافظة على القيم الوطنية وبناء علاقات واسعة مع الدول والمجتمعات الأخرى. وكان حضوره يبعث فينا، نحن العاملين في السلك الدبلوماسي، شعورًا كبيرًا بالمسؤولية؛ لأننا كنا نمثل دولة بدأت تتقدم بثبات إلى موقع جديد، وأصبح مطلوبًا منا أن نكون على مستوى تلك الرؤية وذلك الطموح.
في إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية
وعندما كنت أتولى مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، كان العالم يمر بتحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، وكانت قطر تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الدولية وتعزيز استقلال قرارها وحضورها.
وفي تلك المرحلة، كان توجيه الأمير الوالد واضحًا: ومن خلال المسؤولين الكرام في الوزاره أن نبني علاقات متوازنة مع الجميع، وأن نفهم الدول من الداخل، وأن نتعامل مع كل دولة وفق خصوصيتها، وألا نحصر العلاقات الخارجية في إطار واحد أو في شريك واحد. كان يؤمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها، وفي قدرتها على التحدث مع أطراف مختلفة، وفي صدقها مع شركائها، وفي عدم تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة دائمة. وقد ساهم هذا النهج في بناء مكانة دبلوماسية مميزة لقطر، وجعلها لاحقًا قادرة على أداء أدوار الوساطة، وفتح قنوات الحوار، والمساهمة في معالجة أزمات وملفات معقدة.
من واشنطن إلى باريس
ومن خلال عملي في واشنطن، ثم لاحقًا في باريس، أدركت بصورة أوضح أهمية الأسس التي وضعها الأمير الوالد للسياسة الخارجية القطرية.
كانت رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم، ولكن من دون الارتهان لها. كان حريصًا على إقامة علاقات متينة مع الدول الكبرى، مع المحافظة في الوقت ذاته على استقلال القرار القطري وعلى الحق في تبني الموقف الذي يخدم مصالح الدولة وقناعاتها. وفي فرنسا، كما في بريطانيا والولايات المتحدة، كانت صورة قطر قد تغيرت كثيرًا عمّا كانت عليه في بداية المسيرة. أصبحت دولة معروفة بمبادراتها، واستثماراتها، ودبلوماسيتها، ومشاريعها التعليمية والثقافية، وقدرتها على الحضور في القضايا الإقليمية والدولية. وكان هذا التحول ثمرة رؤية طويلة، لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على عمل متراكم استمر سنوات، وقاده الأمير الوالد بإصرار وثقة وصبر.
أبٌ لكل أبناء قطر
على الرغم من مكانته السياسية وهيبة موقعه، كان الأمير الوالد قريبًا من أبناء قطر، يتعامل معهم بروح الأب الذي يريد لهم النجاح، ويشعر بالمسؤولية عن حاضرهم ومستقبلهم. كان يؤمن بالشباب القطري، ويمنحهم الفرص والمسؤوليات. ولم يكن ينتظر حتى يكتمل كل شيء في تجربتهم قبل أن يثق بهم، بل كان يعلم أن الخبرة تُبنى بالممارسة، وأن الإنسان ينضج عندما يشعر بأن وطنه يثق به.
وقد استفاد أبناء جيلي والأجيال التي جاءت بعدنا من هذه الثقة. فُتحت أمام القطريين مجالات واسعة في الدبلوماسية والاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام والثقافة، وأصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في مشروع بناء الدولة. وكان يشعر أبناء قطر بأنه واحد منهم، وأن نجاح أي قطري هو نجاح للوطن كله. وهذه العلاقة الأبوية لم تكن خطابًا رسميًا، بل كانت تظهر في اهتمامه بالناس، وفي معرفته بأحوالهم، وفي حرصه على تمكينهم، وفي نظرته إلى المواطن بوصفه غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد.
الإنسان أولًا
كان الأمير الوالد يؤمن بأن الثروة الحقيقية لدولة قطر ليست النفط ولا الغاز، وإنما الإنسان القطري.
ومن هذا الإيمان بدأت رحلة البناء الكبرى في التعليم والصحة والثقافة والبحث العلمي وإعداد الأجيال. لم يكن ينظر إلى الإنجاز بمنظار الحاضر وحده، بل كان يخطط لعقود قادمة، ويضع أسس دولة تستطيع أن تستمر وتزدهر مهما تغيرت الظروف.
وقد تجسدت هذه الرؤية في إنشاء المؤسسات التعليمية والبحثية واستقطاب الجامعات العالمية، وفي توسيع الخدمات الصحية، وفي دعم الثقافة والإعلام والرياضة، وفي تأسيس اقتصاد قوي واستثمارات استراتيجية تحفظ حقوق الأجيال القادمة. وفي عهده شهدت قطر نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة، وأصبحت حاضرة عربيًا ودوليًا بصورة لم تكن تتناسب فقط مع حجمها الجغرافي، بل مع حجم رؤيتها وإرادتها وطموح قيادتها.
كما شكّل إطلاق شبكة الجزيرة تحولًا كبيرًا في الإعلام العربي، ورسّخ حضور قطر في الفضاء الدولي. وأولى سموه الثقافة والفنون والبحث العلمي والرياضة اهتمامًا مبكرًا، إدراكًا منه لقيمة القوة الناعمة في بناء مكانة الدول وتعزيز تأثيرها. وكان الفوز بحق استضافة كأس العالم FIFA قطر 2022 ثمرة من ثمار الرؤية التي انطلقت في عهده، قبل أن تتحول، في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلى إنجاز عربي وعالمي استثنائي أثبت قدرة قطر على تحويل الطموح إلى واقع.
شجاعة القرار وبُعد النظر
من الصفات التي ميّزت الأمير الوالد شجاعته في اتخاذ القرار.
كان يعرف أن القرارات الكبرى لا تحظى دائمًا بالإجماع عند اتخاذها، وأن بعض الرؤى لا يفهمها الناس بصورة كاملة إلا بعد مرور السنوات وظهور نتائجها.
لقد اتخذ قرارات غيّرت مسار الدولة، وفتح أبوابًا جديدة أمام قطر، ودفعها إلى التفكير خارج حدود المألوف. وكان مستعدًا لتحمل مسؤولية قراراته والدفاع عنها، وهي صفة أساسية في كل قيادة تاريخية. ومن أعظم قراراته وأكثرها حكمة قراره بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومستقر للقيادة، جسّد ثقته بالمستقبل، وحرصه على استمرارية الدولة، وإيمانه بقدرة الجيل الجديد على مواصلة المسيرة. لقد كان يستطيع أن يبقى في موقعه، لكنه اختار ما رآه أصلح لقطر، مقدّمًا نموذجًا في القيادة التي تعرف متى تبدأ ومتى تسلّم الأمانة.
خير خلف لخير سلف
ومنذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم، أثبت أنه خير خلف لخير سلف. فقد حافظ سموه على الأسس التي أرساها الأمير الوالد، وطوّرها بما يتناسب مع مرحلة جديدة وتحديات أكثر تعقيدًا. وقاد قطر بحكمة وثبات خلال الحصار، فخرجت الدولة من تلك المحنة أكثر قوة واعتمادًا على الذات وتماسكًا بين قيادتها وشعبها. وفي عهده تواصلت التنمية، وتوسعت المشاريع الوطنية، وتعزز الأمن الاقتصادي والغذائي، وارتفعت مكانة قطر عالميًا، ونجحت الدولة في تنظيم كأس العالم، وواصلت القيام بأدوار دبلوماسية وإنسانية ووساطات دولية مؤثرة.
ومن يقرأ مسيرة قطر في العهدين يدرك أننا أمام مشروع وطني متكامل: وضع الأمير الوالد أسسه، ثم حمل صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الأمانة، وحافظ على جوهر المشروع، وأضاف إليه رؤيته وإنجازاته، وقاده بثبات نحو مرحلة جديدة من النضج والقوة.
ما تعلمته منه
بعد عقود من العمل الدبلوماسي، أستطيع أن أقول إن الأمير الوالد كان بالنسبة لنا مدرسةً متكاملة في القيادة وخدمة الوطن.
تعلمنا منه أن الرؤية أهم من الانشغال بردود الأفعال، وأن القائد يجب أن ينظر إلى ما وراء الحدث وإلى ما بعد السنوات. وتعلمنا منه أن الاستماع ليس علامة تردد أو ضعف، بل أداة من أدوات القوة والفهم واتخاذ القرار. وتعلمنا أن احترام المحاور لا يعني الموافقة عليه، وأن الاختلاف يمكن أن يُدار بثبات وأدب ووضوح. وتعلمنا أن الدولة الصغيرة تستطيع أن تصنع لنفسها مكانة كبيرة متى امتلكت رؤية مستقلة، ومؤسسات قوية، وقيادة تثق بشعبها. وتعلمنا أن المسؤولية ليست امتيازًا، بل أمانة، وأن تمثيل الوطن في الخارج لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والانضباط والمعرفة وحسن السلوك.
كما تعلمنا منه أن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما ينجزه في سنوات حكمه، بل بما يتركه بعده من مؤسسات، ورجال، وقيم، وثقة، وقدرة على الاستمرار.
إرثٌ باقٍ في الوطن والإنسان
إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لم يترك خلفه مجرد ذكريات، ولم يترك إنجازات مادية فحسب، بل ترك وطنًا مختلفًا، ومؤسسات راسخة، وأجيالًا واثقة بقدراتها، ودولة تعرف مكانها في العالم وتدرك مسؤولياتها تجاه شعبها وأمتها والإنسانية. لقد غيّر تاريخ وطنه لأنه غيّر أولًا طريقة تفكير أبناء وطنه في أنفسهم وفي مستقبلهم. جعل القطري يؤمن بأن بلاده قادرة على الوصول إلى أبعد الآفاق، وأن الطموح ليس مرتبطًا بحجم الجغرافيا، بل بحجم الإرادة.
أما بالنسبة إليّ، فستظل السنوات التي تشرفت خلالها بالعمل في ظل قيادته، واللقاءات التي حضرتها، والحوارات التي استمعت إليها، والتوجيهات التي تلقيتها، من أغنى تجارب حياتي المهنية والإنسانية. لقد كنت في حضرة قائد، لكنني كنت أيضًا في حضرة معلّم. وكل لقاء معه كان يضيف إلى الإنسان فهمًا جديدًا لمعنى القيادة، وكل حوار كان يفتح أمامه نافذة أوسع على العالم، وكل موقف كان يؤكد أن خدمة قطر أمانة تتطلب الإخلاص والشجاعة والمعرفة والوفاء. رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد ترحل الشخصيات العظيمة، لكن آثارها لا ترحل، وقد يغيب الرجال، بينما تبقى أعمالهم ومواقفهم وسيرتهم حاضرة في ذاكرة الأوطان، وشاهدة عليهم جيلاً بعد جيل.
سيبقى اسمه حاضرًا في تاريخ قطر، وستبقى سيرته في وجدان أبنائها، وسيبقى أثره شاهدًا على قائد أحب وطنه، ووثق بشعبه، وبنى للمستقبل، وترك الأمانة في يد قائد أمين، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
حفظ الله سمو الأمير، وسدّد خطاه، ووفقه لمواصلة مسيرة البناء والنهضة، وأدام على قطر نعمة الأمن والعزة والاستقرار، لتبقى كما أرادها الأمير الوالد: وطنًا شامخًا، مستقل الإرادة، واثقًا بأبنائه، مؤثرًا بين الأمم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
6492
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1680
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1047
| 09 أغسطس 2026