رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت دولة قطر فترة حكم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يرحمه الله، (1995-2013) نهضة تنموية غير مسبوقة في كافة الأصعدة، فقد امتاز بالعقل المستنير؛ ولهذا قاد مسيرة قطر في تطور تصاعدي، صنع نهضتها المعاصرة، إذ استهل حكمه بإلغاء الرقابة على الإعلام، وألغى وزارة الإعلام، لأجل توسيع الحريات، وأسس قناة الجزيرة لتكون منبرًا للإعلام الحر، وتبع ذلك سلسلة من الإجراءات، التي أدت إلى الإصلاح المؤسساتي، وخاصة تشكيل لجنة دستور قطر في عام 1999، الذي أصبح نافذًا بعد الاستفتاء في عام 2004، الأمر الذي وضع قطر على أعتاب مرحلة دستورية وسياسية جديدة، حققت انطلاقة شاملة، خاصة بعد توسيع مجلس الشورى، ليُصبح عدد أعضائه 35 عضوًا، وتبعته خطوات أخرى في طريق التغيير الديمقراطي،
وسعى في الجانب الاقتصادي لتنشيط الاستثمار، وقاد مبادرة البحث عن الغاز، التي أثمرت افتتاح مصنع قطر للغاز الطبيعي، وميناء رأس لفان، الذي يُعدُّ أكبر موانئ تصدير الغاز في العالم، مما جعل قطر الأولى عالميًا في الاحتياطي، وفي عهده سارت قطر في طريق الانفتاح الاقتصادي والمالي، إذ أصدر قانون تنظيم استثمار رأس المال الأجنبي، الذي سمح للمستثمرين؛ بممارسة الأنشطة الاقتصادية، وانعكس ذلك على الناتج المحلي، وتحسن الاقتصاد، وتنوعت مصادر الدخل، وأعطى فرصة أكبر للقطاع الخاص ليسهم في نهوض قطر وتطورها.
وشهد عهده ترشيح قطر لأول سيدة في لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، كما انتخبت المرأة في عضوية المجلس البلدي المركزي، وتم تعيين أول سيدة مديرًا لجامعة قطر، وتأسس في عام 2003 المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، مما حقق مشاركة أوسع للمرأة في مجال العمل والتنمية، وتوج ذلك بتعيين شيخة آل محمود وزيرة للتربية والتعليم، كأول وزيرة في تاريخ قطر، واختيرت الشيخة حصة بنت حمد آل ثاني كأول قطرية وخليجية في لجنة التنمية الاجتماعية للأمم المتحدة.
ويتلخص الجانب الثقافي في رؤيته لجعل قطر عاصمة ثقافية عالمية، ومنارة للمعرفة، عبر المزج بين التراث والحداثة، والهوية الخليجية العربية الإسلامية، والانفتاح الواعي على الثقافات الإنسانية، ففي عهده تأسست مؤسسة قطر، وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وهيئة متاحف قطر، ومتحف الفن الإسلامي؛ وتأسس الحي الثقافي (كتارا)؛ ليحتضن المهرجانات، والمسارح، والفنون المتنوعة؛ لتعزيز حوار الحضارات، وانعكس ذلك في نهوض قطاعات التعليم، والثقافة، والمتاحف، والجامعات. وكان حريصًا على زيارة المدارس والجامعات، والجلوس مع الطلاب؛ للاستماع إلى أفكارهم، وتذليل عقباتهم، كما طبع عددًا من الكتب على نفقته الخاصة، ودشنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مصحف قطر برعايته، وناصر القضية الفلسطينية، وقاد مشاريع كبرى لإعادة إعمار المدن المدمرة، ومساندة الشعوب في أوقات المحن.
ويتجلى جانبه الإنساني في إيمانه بأن بناء الإنسان وكرامته؛ هما الأساس الحقيقي لنهضة الدول، ولهذا أسس منظومة مستدامة؛ لمتابعة ملفات الأسر المتعففة، وإرساء اللبنات الأساسية، لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، ودمجهم كشركاء في الوطن.
وانطلاقًا من رؤيته بأنه لا مستقبل لأمة تجهل ماضيها، ولا بقاء لهوية تنفصل عن جذورها؛ فلم ينظر إلى التاريخ بوصفه أحداثًا مضت، بل كقاعدة صلبة، ومخزون قيمي؛ لبناء المستقبل، وأداة لصون الذاكرة الجماعية التي تبنى عليها الهوية، وتجسد ذلك في قراره بترميم سوق واقف؛ ليظل معلمًا معماريا شاهدًا على تاريخ قطر، ووضع حجر أساس متحف قطر الوطني؛ لتوثيق الهوية والذاكرة الوطنية، كما حرص على إطلاق اليوم الوطني (18 ديسمبر)؛ ليكون مناسبة سنوية يتعرف فيها الشباب على تاريخ وطنهم، وبطولات وتضحيات المؤسس والأجداد، وقيمهم الأصيلة، وأخيرًا آمن بأن الدول لا تُقاس بحجمها؛ بل بجرأة مواقفها وتأثيرها؛ لذا قاد تحولات تاريخية؛ وصولاً إلى تسليمه السلطة في خطوة غير مسبوقة في التاريخ العربي، وأهّله كل ذلك لأن ينال العديد من الأوسمة العربية والأجنبية؛ تقديرًا لجهوده.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
8049
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2616
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2364
| 15 أكتوبر 2026