رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

39

إبراهيم عبد المجيد

عن الترجمة وما حولها

22 أكتوبر 2026 , 12:00ص

من القضايا التي تثار كثيرا قضية الترجمة، مع بداية النهضة في مصر، بدأت ترجمة كثير من الكتب الأوروبية، في الأدب والفن والتاريخ، وبصفة خاصة مع بداية القرن العشرين. روايات مثل «البؤساء» لفيكتور هوجو وترجمها الشاعر حافظ إبراهيم، أو «ماجدولين» للكاتب الفرنسي الفونس كار، وترجمها مصطفى لطفي المنفلوطي وغيرها. غلب على هذه الترجمات فصاحة اللغة العربية وبلاغتها، فكان الأمر أشبه بالتعريب منه إلى الترجمة. اتسع الأمر مع لجنة التأليف والترجمة والنشر، التي أسسها في مصر المفكر أحمد أمين، وكوكبة رائعة من الكتاب والمفكرين، وقدموا كتبا مهمة في الفكر والإبداع والعلوم، وحتى بداية الخمسينيات، كانت اللجنة قد أصدرت، ما يقرب من مائتي كتاب. مع الزمن زاد الأمر واتسع ليشمل العالم العربي، فهناك الآن مراكز دولية، تخلص للترجمة أكثر من غيرها، مثل مشروع «كلمة» بالإمارات، أو المنظمة العربية للترجمة في بيروت، أو المركز القومي للترجمة في مصر، وكثير من دور النشر الخاصة، مثل دار العربي ومنشورات الجمل ودار الرافدين أو دار آفاق المصرية وغيرها، بل صارت هناك جوائز كبيرة للترجمة منها جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي التي أطلقتها قطر  . هكذا صارت الترجمة ليست مجرد رافد للتطور فقط، لكن شجرة مورقة في فضاء عالمنا العربي. بالقطع هناك ترجمة للأدب العربي إلى اللغات العالمية، وإن ليست بكثافة الترجمة إلى العربية. 

اختلف المفكرون حول معنى الترجمة في كل الدنيا. مؤكد لا يمكن للترجمة أن تحتفظ بروح النص الأصلي في لغته الأصلية، لكن المترجم الأريب يجتهد ليقترب من ذلك. ربما لا تكون المشكلة في الكتب الفكرية، باعتبارها بنت العقل، تناقش قضايا وأفكارا. وربما لا تكون أيضا في المسرح لقصر النصوص الحوارية، ولقد عشنا يوما مع سلسلتين من أجمل سلاسل الترجمة في المسرح، هما «روائع المسرح العالمي» في مصر، و»من المسرح العالمي» في الكويت. 

تظهر القضية في الشعر أكثر، فإيقاع القصيدة في لغتها الأصلية، يحتاج جهدا كبيرا ليصل إلى إيقاع اللغة المترجَم إليها، وإلا يتحول الشعر إلى أفكار تحتفظ بها الترجمة. هكذا تظل قضايا الترجمة قائمة، ويتحدث فيها الكثيرون، ولن ينتهي الحديث.

 من أجمل التعبيرات التي قرأتها يوما عن الترجمة، إنها خيانة. ليس بمعنى الخيانة العادي، لكن يفسره التعبير عن الكتب الأصلية قبل الترجمة، بأنها «الجميلات الأجنبيات». لا أنسى أني حضرت يوما لقاء في باريس عام 1994 تحت هذا العنوان. وهو معنى فيه من الفتنة والغواية والخيانة أيضا.

احتدم النقاش حول الترجمة، وزاد الحديث عن عيوبها، خاصة حول ما يترجم من العربية إلى لغات أخرى. مما قيل إنها نصوص بها دفاع عن إسرائيل، أو تصوير المرأة بالخائنة، أو تدعو إلى المثلية، وغير ذلك مما هو مثير. هذا حديث مستمر حتى الآن للأسف، فكثيرا ما اقرأ تعليقات على الروايات الفائزة بالجوائز العربية، والتي تكون فرصتها في الترجمة أكثر، أنها تدور في هذا الفلك.

في ذلك الوقت كانت قد تمت ترجمة روايتي «البلدة الأخرى» الى اللغة الفرنسية، ولا علاقة لها بكل هذا، فهي عن الهجرة إلى السعودية للعمل في السبعينيات. جاء دوري في الحديث الذي عادة أحب أن أكون فيه آخر المتحدثين، حتى لا يقول أحد إنه أهم مني، وكان يجب أن يكون قبلي. جاء دوري فقلت «الترجمة بالنسبة لي زيارة للبلد الذي تُرجمت روايتي إلى لغته، وجولة في شوارعه ومتاحفه، وجلسة مع قارئة أجنبيه في مقهى نتناول الشراب معا». دوي التصفيق في القاعة من كل الحاضرين عربا وفرنسيين، ونسى الجميع كل ما قيل.

مساحة إعلانية