رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أوتا بينغا شاب أفريقي كان يعيش في الأراضي التي كانت تسمى يوما "الكونغو البلجيكية"، ينتمي لشعب مبوتي إحدى مجموعات الأقزام التي تقطن تلك الأراضي، ويعني اسمه في لغته المحلية "الصديق"، كان أباً لطفلين، لم يتجاوز الحادية والعشرين من العمر، يعيش حياة هانئة مستقرة، لم يكن في المنزل عندما وقعت الفاجعة التي قلبت حياته رأساً على عقب، في العام 1904، إذ كان في رحلته اليومية للبحث عن طعام يطعم به عائلته الصغيرة.
عاد أوتا بينغا الذي لا يتجاوز طوله مترا ونصف المتر إلى قريته حاملاً معه الطعام لأسرته، فوجد زوجته وطفليه صرعى مضرجين بدمائهم مع كل أفراد مجموعته من الأقزام، فقد تعرضوا لهجوم وحشي وإبادة جماعية على يد مجموعة من المستعمرين، بعد رفضهم العمل في مزارع المطاط، فقضوا عليهم وأبادوهم عن بكرة أبيهم، ولم ينجُ منهم سوى قلة من الذين كانوا برفقة أوتا بينغا خارج القرية، فتم أسرهم واقتيادهم نحو المجهول.
في تلك الأثناء، كان المبشر الأمريكي صموئيل فيليبس فيرنر، الذي تحول إلى مستكشف يجوب الأرجاء والمستعمرات بحثا عن حيوانات غريبة يتاجر بها، في مهمة استكشافية في الكونغو، كُلف بها من قبل العالم ويليام جون ماكجي، المتخصص في علوم الانثروبولوجيا، بهدف العثور على "الحلقة المفقودة" وجلبها معه الى الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد أن شاهد المبشر صموئيل أوتا بينغا شعر أنه وجد ضالته فاشتراه من مرتكبي المجزرة من المستعمرين بثمن بخس، ولم يدفع ثمنه بالمال، بل بكمية قليلة من الملح! وعاد به في قفص كالحيوان الى الولايات المتحدة، حيث تم عرضه في معرض سانت لويس العالمي في ميزوري الذي أقيم بهدف استعراض الأجناس ورسم خارطة لتطور الإنسان، فتقرر أن يتم وضع أوتا بينغا في أدنى مراتب الإنسانية ليكون شاهداً على توحش الشعوب البربرية البعيدة والغريبة ودليلاً على صحة نظرية التطور، و تم تقديمه للجمهور كالحلقة المفقودة بين القرد والإنسان!.
اجتذب المعرض 20 مليون زائر جاؤوا ملؤهم الشغف لمشاهدة أوتا بينغا المتوحش والبدائي، وما دعّم تلك النظرة عنه، أسنانه المنحوتة والحادة والتي بدت كالأنياب وهي ممارسة كانت شائعة لدى قبائل الكونغو، فتم تصويره كأحد آكلي لحوم البشر، وهو لم يكن كذلك.
في نهاية المعرض تم تكريم صموئيل فيليبس فيرنر نظير جهوده الانثروبولوجية في اكتشاف الحلقة المفقودة وإسهامه المهم والكبير في إثراء الحقل العلمي.
وبعد عامين من المعرض ولعدم استطاعة صموئيل إطعام أوتا بينغا البائس، قام بإعارته لحديقة حيوان "برونكس" في مدينة نيويورك ليوضع في قفص للقرود، جنباً الى جنب مع الشمبانزي، ليظهر كسلف قديم للإنسان، ونجح أوتا بينغا في اجتذاب 40 ألف متفرج جاؤوا لمشاهدة ماضيهم الغابر في هذا الإنسان الضعيف، إلى أن تصاعدت الاحتجاجات والانتقادات عبر الصحافة، والتي قادها الأمريكيون السود في البداية، لتنتشر لاحقا في الصحافة الشعبية، منددة بذلك الفعل والسلوك، والذي وصفته بالسوك الوحشي الذي لا ينبغي على دولة متحضرة أن تمارسه.
قبل مائة عام وإبان حقبة الاستعمار كانت تلك الممارسات أمراً شائعا ومقبولاً، وقد استمرت منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، فكان يؤتى بالسكان الأصليين من المستعمرات في أفريقيا واستراليا وشتى أصقاع العالم التي وطأتها قدم المستعمر، ليتم وضعهم في ما يسمى بـ"حدائق الحيوان البشرية" في أوروبا والولايات المتحدة، جنبا إلى جنب مع مختلف أنواع الحيوانات.
وبجانب الوضع المزري والذل الذي كان يتعرض له أولئك البشر، كانوا يرغمون على أداء أدوار مسرحية لا تتوافق مع واقعهم الفعلي، فكانوا يقومون بأداء عروض تظهرهم بمظهر بدائي متوحش أو آكلي لحوم البشر، في عملية يبرر من خلالها الأوروبي استعماره لأفريقيا، ويبرز التفوق المزعوم للعرق الأبيض.
تعطينا تلك القصص التي سجل التاريخ نزراً يسيراً منها، وضاعت الغالبية العظمى من تلك الوقائع المأساوية والوحشية ولم تحفظها ذاكرة التاريخ وطواها النسيان، دليلاً شاخصا على المدى الذي من الممكن أن تصل إليه قسوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان، وفي الوقت الذي سجل لنا التاريخ بعضا من تلك البشاعات والقصص التي تحكي قسوة المستعمر وما مارسه من إبادة جماعية واستعباد، نجد أن إنسان ذلك الوقت كان يظن أنه بلغ أوج الحضارة والتحضر، وأنه بفعله ذاك كان ينشر التطور والتقدم، مزهوا بمنتجاته الحضارية وآلاته البخارية التي ابتكرها للتو، متباهياً باستخدامه للأسلحة النارية التي قلبت موازين القوى ليطوع بها بني جنسه، ويستعبده و يفنيه، إلا أننا في الوقت الراهن عندما نسترجع تلك الأحداث والقصص تلوح لنا كشواهد خالدة على انحدار الإنسانية إلى أبشع صورها، يرافقها الندم والاعتراف بالذنب، ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه.
في ما مضى كانت العبودية أمراً عادياً تجد من الأعذار والحجج التي يبرع الإنسان في اختلاقها ما يبررها ويقننها، فحتى وقت قريب نسبياً كان العبيد يشحنون من المستعمرات الأفريقية في السفن مكومين في وضع غير مقبول، لا يسمح به حاليا حتى للبهائم، مكبلي الأيدي والأقدام، ليُعبر بهم المحيط الأطلسي نحو العالم الجديد، فينجو من ينجو ويموت الغالبية منهم فيلقون في البحر طعاما للأسماك، وتشير تقديرات إلى أن عدد العبيد الذين تم شحنهم في سفن الموت تلك، يفوق اثنى عشر مليون إنسان، في حين يقدر البعض أن عددهم يفوق هذا الرقم بكثير.
عندما نتأمل تلك الوقائع والأحداث، وما أفرزته من وجهات نظر تجاهها في ذلك الوقت ونقارنها بتقييمنا لها حاليا نجد تباينا كبيرا في الأحكام. وأمام إقرارنا بذنب الإنسانية حينها، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم، وهو: هل نضمن أن تصرفاتنا المعاصرة والمقبولة حالياً لن يُحكم عليها مستقبلاً بالهمجية والبربرية، وستندم عليها الإنسانية حينها؟
يظن الإنسان أن الحضارة القائمة وما يترافق معها من مظاهر التقدم والتطور بلغت منتهاها، وأن البشرية وصلت الى النضوج الكافي والتطور الفكري التام، وأن الإنسان لم يعد بحاجة لمراجعة القيم التي تؤطر أفعاله وتحكم واقعه وحياته، إلا أن الأمر لا يبدو كذلك للأسف، فالمتأمل للواقع يجد أن كثيرا من السلوكيات البشرية التي تمارس في إطار الحضارة والتقدم، تشي بأننا سنندم عليها مستقبلاً وسيدينها أحفادنا ويخجلون من ذكرها، وستكون تركة ثقيلة نورثها لهم.
تعاني حضارتنا الصناعية الفاتنة، بالرغم مما تقدمه لنا من فوائد ومغريات، من خلل كبير يكشف لنا أن الحضارات لا تسلك طريقاً ذا اتجاه واحد بالضرورة، ولا ترتقي المراتب نحو العُلا حتمياً، وأنه دون أن يعي ويتنبه الإنسان لذلك، فإنه مهدد بالفناء وبانهيار حضارته في أي لحظة.
إن السلوكيات المشينة التي يبررها إنسان العصر الحديث من قتل ودمار وحروب، تبين بشكل جلي أنه لم يصل بعد إلى مرحلة النضوج والاستنارة الفكرية، وطالما أننا نقتل بعضنا بعضا لأسباب واهية، وطالما يوجد في العالم جياع في الوقت الذي يعاني فيه آخرون من السمنة المفرطة الى درجة الموت من مضاعفات الشبع، وفي الوقت الذي يستحوذ (1%) من سكان العالم على 50 % من ثرواته في حين يتقاسم الـ 99% النصف الباقي، فلا شك أنه لا يزال بيننا وبين النضوج الإنساني بون شاسع.
من بين المخلوقات التي تشاركنا الكوكب وتعاني منا أشد معاناة من تدمير لبيئتها والقضاء على سلالاتها لأسباب واهية، فإن الانسان هو الكائن الوحيد من بينها الذي يقوم بقتل بني جنسه لأسباب تافهة، فالحيوان لا يقتل أخاه في"الحيوانية" إلا لسبب وجيه "حيوانياً" كالدفاع عن النفس او لردء خطر محدق، في حين قد يقتل الإنسان أخاه الإنسان لاختلاف لونه أو عرقه أو دينه! او حتى عندما يختلف معه في وجهات النظر! كما أنه لا يوجد من بين المخلوقات من يقوم بتدمير بيئته بمحض إرادته سوى الإنسان، فيلوثها ويضرم النيران فيها ويستنزف ثرواتها ويجفف أنهارها وينابيعها، ويهلك حرثها ونسلها.
ومن يعلم ربما يأتي يوم من الأيام تندم فيه الإنسانية على ما مارسته من سلوك تجاه الحيوانات من قتل وتعذيب وإبادة واحتجاز، كما تندم اليوم على ما قامت به تجاه أوتا بينغا.
علاوة على ذلك، فإن إنسان اليوم الذي يظن أنه بلغ مرحلة النضوج الكافية، مهووس بالتسلح ليحمي نفسه من بني جنسه، وكذلك يفعل الآخرون من بني جنسه، الكل يحاول امتلاك أسلحة الدمار الشامل خوفاً على نفسه من الآخر، وهم جميعاً يعلمون يقيناً ويعرفون تمام المعرفة، أن تلك الأسلحة، التي من المفترض أن تحمي الإنسان، لو أنها استخدمت لأبيدت البشرية برمتها.
يقول العالم الشهير آينشتاين: أنا لا أعرف بأي أسلحة ستخاض الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستخاض بالعصي والحجارة، في حين يرى المفكر الأمريكي البارز نعوم تشومسكي أن العالم مصمم على السقوط نحو الهاوية.
مازال أمام الإنسان مشوار قد يطول حتى يصل للحكمة التي ستبقيه متفوقاً وسيداً على العالم، ومن دون النظر لواقعنا بنظرة موضوعية جادة، فإن مسيرتنا لبلوغ أوج الحضارة ليست حتمية التحقق، وسنبقى دائماً مهددين بالانتكاس ورجوع القهقرى، في أي وقت، وستظل حضارتنا التي نراها مستقرة ومستمرة في الصعود الى أعلى، قاب قوسين أو أدنى من السقوط في الهاوية في أي وقت، وحينها لن ينفع الندم.
لقد أثمر الضغط الشعبي الذي مارسته الصحافة في الولايات المتحدة إلى تنبيه الرأي العام لقضية أوتا بينغا، ونجحت تلك المساعي في إطلاق سراحه وإخراجه من حديقة الحيوان إلى عالم البشر، وتم إلحاقه في البداية بدار للأيتام تتبع للكنيسة، حتى بدأ في تلقي التعليم النظامي وتعلم الانجليزية واستطاع أن يتحدث بها، ونجح في الحصول على وظيفة كعامل في مصنع للسجائر، وكان حينها محط أنظار الجميع يتسمر حوله زملاؤه في العمل في أوقات الاستراحه لسماع قصته المأساوية ليروحوا عن أنفسهم ويسلوا خواطرهم، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى فقد أوتا بينغا الأمل الذي كان يحدوه بالعودة الى موطنه ومسقط رأسه على ضفاف نهر كاساي في "الكونغو"، فسرق مسدسا وأطلق النار على قلبه ومات منتحرا بعد اثنى عشر عاماً من الأسى والعذاب وهو يناهز من العمر الثانية والثلاثين، ودفن ودفنت معه قصة مأساوية تحكي فصلاً مظلماً من تاريخ الإنسانية الغربية، وتروي جزءاً يسيراً من قسوة المستعمر، وتدلل على أن الذين جاؤوا من كل حدب وصوب ليحدقوا في أوتا بينغا وهو قابع في قفص بجوار الحيوانات فشلوا في رؤية الإنسان في داخله ولم يلحظوا بريق الإنسانية الذي يشع من عينيه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4272
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2181
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1143
| 28 سبتمبر 2026