رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد موفق زيدان

@ahmadmuaffaq

مساحة إعلانية

مقالات

1428

د. أحمد موفق زيدان

الأوقات المهدرة

19 نوفمبر 2024 , 02:00ص

كنت أقرأ في كتاب استأثر باهتمام النخب الغربية في الفترة الأخيرة بعنوان «نادي الساعة الخامسة» لكاتبه روبين شارما، والذي ينصح فيه قراءه، باستثمار هذا الوقت المهدر والذي يبدأ من الفجر، تذكرت حينها قسم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سموات بقوله: (والصبح إذا تنفس)، والمعلوم أن ما يقسم به الله تبارك وتعالى عظيم، ولعل قول النبي عليه الصلاة والسلام يفسر ذلك حين يقول: (بورك لأمتي في بكورها) وفي رواية أخرى: (اللهم بارك لأمتي في بكورها)، ولهذا شبّه بعض السلف اليوم بقوله: «يومك مثل جَمَلك، إن أمسكت أوله، تبعك آخره» أي إذا حفظتَ أول اليوم فإنَّ بقية اليوم يُحفظ لك، فالبركة كل البركة في أول النهار، فيه تقسم الأرزاق، وفيه يكون الإنسان في ذروة نشاطه، وقوته، وحيويته، فالنوم في هذا الوقت يحرم المرءَ من كثير من الرزق، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله: (نوم الصبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان، إلا لعارض، أو ضرورة، وهو مُضر جداً بالبدن، لإرخائه البدن، وإفساده للعضلات، التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسراً، وعِيًّا، وضعفاً).

ومن أسوأ ما يُخلّفه نوم ما بعد الفجر، حرمان المرء، من الاستفادة، من هذه الفترة الذهبية، للقراءة والاطلاع والتأليف والتأمل والمدارسة، حيث يكون الجو من حوله في غاية الهدوء، مما يساعده على التركيز، أما في وسط النهار وآخره فيكون التركيز أقل بكثير، بعد أن تزدحم الحياة، وتتعالى الأصوات، وتهدر الحافلات، والجرارات والشاحنات الضخمة، فتعج الحياة بالصخب والضجيج، بما يدفع المرء إلى التشتت في التركيز، وهو أول وأهم صفات هذا الوقت، وكما هو معلوم فإن القراءة وعبادة التأمل أولى شرائطها التركيز، وقد أبدع أحدهم حين وصف اليوم بقوله: (أول اليوم شبابه، وآخر اليوم شيخوخته، ومن شبَّ على شيءٍ شابَ عليه) وحين سئل الإمام الشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد (أي الاعتماد على الغير)، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب.

حين تصفحت هذا الكتاب أدركت كمْ من الكنوز الغائبة، والمغيبة عن هذه الأمة وهي في متناول يديها، بقرآن ربها وسنة نبيها عليه الصلاة والسلام، ليأتي صاحب كتاب نادي الساعة الخامسة ليشرح لنا أهمية هذا الوقت العظيم في القراءة والاستيعاب والتأمل، وهي فرصة لأهل الذكر والعلم والنخب في أن تُزيل غبار النسيان والإهمال والخجل عن تراث عظيم ينتظر من يقدمه بقوة يتناسب مع العصر ومقتضياته، شعاره: (خُذ الكتاب بقوة).

لقد جرّبت شخصياً في حياتي هذا عملياً، فعلى امتداد أربعة عقود قلّما نمت بعد صلاة الفجر، كنت أسعى إلى الاستفادة من هذا الوقت العظيم، في قراءة وردي القرآني وشيئاً من التفسير حيث أتيت في عام واحد فقط على تفسير السعدي رحمه الله، وتذكرت حينها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الأعمال أدْوَمه وإنْ قلّ»، واليوم أعكف بفضل الله على قراءة تفسير عظيم خلّفه لنا الإمام ابن عاشور هو بعنوان (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد) وهو التفسير الذي نصحني به شيخنا وأستاذنا الراحل رحمه الله ونوّر مرقده الأستاذ عصام العطار حين التقيته عام 2008 في آخن بألمانيا، وأسْرد للقارئ الكريم بعض الكتب التي قرأتها في هذا الوقت العظيم، وهي الكتب التي تستحق أن تقرأ في هذا الوقت تحديداً، مثل الموافقات للإمام الشاطبي، ومدارج السالكين لابن القيم الجوزية، وديوان المتنبي، بحيث أقرأ كل يوم في أحدهم بضع صفحات، نظراً للعمق، التي تتمتع به هذه الكتب. ليس هناك أمام المثقف المبدع أفضل من هذا الوقت في الاستغلال والاستثمار، لاسيما إن كان قد أوى مبكراً إلى فراشه، فليس هناك أشد عداوة على صلاة الفجر وعلى استثمار هذا الوقت العظيم من السهر الطويل، فالذي يبكر بالصحو سيجلس ينفرد بالبيت كله، ما دام أهل البيت غالباً نياماً، وبالتالي لن يجد أحداً يُزعجه، أو يناديه، أو يطلب منه شيئاً، حينها سيكون التركيز في أقصى درجاته وفي عنفوان شبابه، ومن الأفضل أن يسعى كما أسعى في كثير من الأحيان إلى إبعاد أدوات التواصل الاجتماعي عنه، وذلك من أجل الاسترسال في الأفكار دون انقطاع، ولكم جميل أن يسعى البعض إلى كتابة بضع صفحات من مذكراته، وما حصل معهم بالأمس، فهذا حتى لو لم تُنشر في حياتهم، فإنها ستكون كنزاً من كنوز المعرفة والمعلومات للأجيال القادمة، ليعرفوا من سلفهم كيف عاشوا، وما أملوه وطمحوا إليه ونحو ذلك من معلومات قد تبدو اليوم غير مهمة، ولكن لمن بعدنا ستكون في غاية الأهمية، يظهر ذلك اليوم أمام أعيننا، ونحن نروي لأبنائنا وأحفادنا ما كنا نعيشه في الوقت الغابر، فيستغربون ويندهشون، وبالتأكيد سيكون الحال ذاته مع من يأتي بعدنا، فلكل عصر دولة ورجال. وكم يحزن المرء وهو يجد حرص الأهل على إيقاظ أبنائهم وبقوة على أوقات المدارس الصباحية، وهو أمر جيد بلا شك، بينما يتهاونون في إيقاظهم لصلاة الفجر، واستثمار هذا الوقت العظيم في القراءة والكتابة والتأمل، وأكاد أجزم لو أننا استغللنا هذا الوقت العظيم المهدور لتغير وجه بلادنا، وتغير معه حاضرنا ومستقبلنا، ولعل الأجمل أن يُعلن عن بدء الدوام الرسمي بعد صلاة الفجر تماماً، فإن كانت الصلاة الساعة الخامسة، فما المانع أن يكون الدوام الساعة السادسة صباحاً؟، ليعود الجميع إلى بيوتهم الساعة الثانية عشرة ظهراً، يستغلون يومهم كله بما فيه خير دينهم ودنياهم، ربما فكرة غريبة قد تبدو للبعض، ولكن كثيراً من الأفكار الغريبة، التي أتت خارج الصندوق غيّرت وجه عالمها.

مساحة إعلانية