رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قدر كبير من الغبطة سيطر علي وأنا أستمع إلى بناتي - وبعضهن تخرج من الجامعة في حين أن البعض الآخر مازال يدرس بها - وهن يثرن معي جدلا جادا وحادا ورصينا حول العملية الانتخابية الدائرة الآن في مصر. فقد رصدت على قسمات وجوههن حماسا حقيقيا للانخراط في العملية والمشاركة فيها بفعالية ودارت بيننا خلافات حول من نختار فقد كانت إحداهن وهي الكبرى حريصة على اختيار ممثلين لثوار التحرير بينما الطالبة التي تدرس اللغة الإسبانية بكلية الآداب تنزع إلى إعطاء صوتها لحزب الحرية والعدالة وتناقشني بقوة في ضرورة تحويل مصر إلى دولة إسلامية التوجه بينما أقول لها إن الإسلام لم يتضمن في أحكامه نصوصا تدعو إلى إقامة ما يسمى بالدولة الثيوقراطية ذات النزعة الدينية إنما هو يطرح المبادئ والقواعد التي تحقق مصالح العباد وفق المنظور الإسلامي بينما أبدت ابنة أخرى رغبتها في منح صوتها لحزب الوسط.
لم تكن الحوارات ذات الصبغة السياسية مطروحة في منزلي أو مع أفراد أسرتي قبل الخامس والعشرين من يناير الماضي. كان ثمة بعد أو تنائي عن الولع بالسياسة رغم محاولاتي المتكررة لإدخالهم هذه الدائرة، غير أنه بعد المتابعة الحثيثة لوقائع الثورة وزيارة ميدان التحرير قبل سقوط مبارك وبعد سقوطه وهو ما حرصت عليه خاصة بالنسبة للبنتين اللتين مازالتا تدرسان بالجامعة تخلقت في البيت حالة ثورية وتفجرت رغبة حقيقية في المشاركة في الفعل الثوري.
على أي حال لقد وجدت الديمقراطية طريقها إلى منزلي وباتت طرفا رئيسيا في النقاش اليومي على محدوديته من فرط انشغالي في متابعة واجباتي المهنية والتي تتطلب مني حركة يومية وانخراطا في الأحداث الوطنية والعربية على نحو يكاد يستغرق الساعات الأربع والعشرين حتى في ساعات النوم يظل المسجل مفتوحا على الأخبار من مختلف المحطات الإذاعية طوال الليل.
وبالطبع فإن هذه الحالة لا تخصني أنا وأسرتي بل هي اقتحمت جل اهتمامات الشعب المصري الذي وجد نفسه وجها لوجه مع أول اختبار حقيقي للممارسة الديمقراطية بداية من الثامن والعشرين من نوفمبر الماضي موعد انطلاق أول مراحل انتخابات مجلس الشعب المصري ومرورا بالمرحلة الثانية يومي الأربعاء والخميس الماضيين وهي المرحلة التي شاركت أنا أفراد أسرتي فيها بحكم مقر إقامتنا بمحافظة الجيزة فقد خرجت الملايين في طوابير ممتدة منذ الصباح الباكر تقف منتظرة دورها في الإدلاء بأصواتها في أول عملية اقتراح حقيقية وبعيدة عن التزوير سابق التجهيز والنتائج المعدة سلفا مثلما كان يتم في أغلب العمليات الانتخابية التي جرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة التي حكم فيها مبارك ونجله "جمال" مصر
لقد بدا الأمر لي أشبه بالتدفق إلى مراكز الاقتراع: مسنون وسيدات وفتيات فضلا عن الشبان. الكل يتسابق للإدلاء بصوته ثمة أشواق كانت مكبوتة انبثقت لتتماوج في اللجان الانتخابية المنتشرة سعيا إلى تغيير المشهد الذي ظل محكوما بإتقان من قبل مبارك وزمرته الحاكمة وهو ما تجلى في انتخابات 2010 التي جسدت بحق جبروت السلطة المستبدة المتحالفة مع سطوة المال الحرام والمستغل سعيا لإركاع الشعب وتهيئة الأجواء لتوريث الحكم.
وبعد أن اقترب النهار من نهايته مساء الخميس الماضي توجهت إلى مقر مركز الاقتراع الذي عثرت على اسمي فيه بيسر من خلال استخدام التقنيات الحديثة عبر شركة الاتصالات الحكومية التي وفرت خدمة الحصول على كافة المعلومات مقابل مكالمة هاتفية لا تكلف سوى خمسين قرشا أي ما يعادل 30 درهما تقريبا أو عن طريق شبكة الإنترنت في الطريق إلى اللجنة رأيت الكثيرين عائدين منها بعد أن أدلوا بأصواتهم البهجة تتجلى في ملامحهم. رجل وزوجته وابنه يصيرون معا يتبادلون النقاش حول قوائم الأحزاب والمرشحين الفرديين. بالقرب من المركز كان كل شيء هادئا. فقد خف الزحام الذي كان مشتدا في اليوم الأول – الأربعاء الماضي وفي فترة بعد الظهر، لدى الباب ثمة جند تابعون للقوات المسلحة مهمتهم حراسة مقر المركز وهو مدرسة ابتدائية قديمة نوعا ما. لا يسمحون لأحد بالدخول إلا بعد أن يبرز بطاقته الشخصية،
في الداخل ثمة من يسألك عن رقم اللجنة التي ستدلي بصوتك أمامها داخل مركز الاقتراع ثم يدلونك إليها وعلى بابها يقف شخص يتيقن من بطاقتك الشخصية ثم يسمح لك بأدب جم بالدخول إلى حيث يجلس موظفان أحدهما يطلب منك التوقيع أمام اسمك ومن الأفضل بالطبع أن تخطرهما برقمك الانتخابي الذي من الضروري أن تحصل عليه قبل دخول اللجنة لتيسير مهمتك ثم يعطيك أحدهما بطاقة الاقتراع الخاصة بقوائم الأحزاب وهي صغيرة نسبيا والآخر يعطيك بطاقة الاقتراع الأكبر والتي تحتوي أسماء المرشحين من الفردي. لم تصبني الحيرة في الأولى لكنها استحوذت علي للوهلة الأولى في التعامل مع الورقة الثانية فقد كانت أعداد المرشحين وفق النظام الفردي كبيرة ومتعددة ولكني كنت قد حددت مسبقا بعض الأسماء التي تتوافق مع توجهاتي الفكرية وهو ما صنعته مع القوائم الحزبية أيضا.
لم تستغرق العملية أكثر من خمس دقائق وقبل أن أخرج طلب مني شخص أظنه رئيس اللجنة أن أصبغ سبابتي اليمنى باللون الفسفوري دلالة على قيامي بالمشاركة في التصويت وللحيلولة دون التصويت أمام مراكز اقتراع أخرى.
خرجت من مركز الاقتراع ومشاعر الاطمئنان تسكنني. إذن هي الديمقراطية التي كانت تقيم في منطقة الحلم وصرنا الآن نعانقها وجها لوجه. تتداخل مع مكوناتنا ومواسمنا وفصول أيامنا تشرق شمسها في نهاراتنا وتورق أقمارها بليلنا الذي طال ثم غادرتنا عتمته في الخامس والعشرين من يناير.
لقد جاءت الديمقراطية لتزيح عن كاهلنا سنوات القهر والغياب للحرية تحت سطوة مبارك وعزمي والشريف والشاذلي وسرور وأحمد عز الذي تجرأ على ممارسة رزيلة التزوير علنا دون أن يسكته أحد أو يتحرك له ضمير بعد أن باعه في سوق النخاسة التابع لمنظومة السلطة والمال، هزت رياح الديمقراطية أيامنا الراكدة وصيرورتنا المتوقفة فتدفقت دماؤها في أجسادنا التي كانت هزيلة فسكنتها الحيوية والتفاؤل، غير أن الديمقراطية في حاجة إلى العدل حتى تكتمل معادلة الثورة وإذا كان ثمة جزء منها قد بدا يسري في أنحاء الوطن فإن العدل مازال مفقودا والعدل الذي أقصده ليس بالمفهوم القانوني رغم أهميته وإنما العدل بمفهومه الاجتماعي والاقتصادي الذي يحقق مطالب الشعب صاحب الثورة الحقيقي حتى يتخلص من التهميش والجوع والفقر والمرض وهي العناوين الرئيسية التي سادت في زمن حكم مبارك الذي انحاز بقوة إلى الأغنياء وطبقة رجال الأعمال وتناسى الفقراء بل لم يتورع عن القذف بهم إلى صناديق القمامة بحثا عن شيء يسد الجوع.
السطر الأخير: قبضت على عنق الزجاجة
ما طلتني المدينة
أورقت الخريف أشجارها
لامست الجوع
اجتاحني طوفان من نهم
ارتديت عباءة الشعر
لم أرتو من براءة عينيها
كابدت الغياب
سافر الحلم دونما إياب
بحثت عن الزاد
لم يكن لي سوى اغتراب واغتراب
هي أجنحة نافرة
أم ريح تعصف بالفؤاد
مسافة بلا توهج
بقايا هشيم ورماد
عانقت وجدها المقيم المتناثر في البلاد
أخذتني الصيحة الأخيرة
ألهبني سيف الجلاد
في المدينة نهر دونما ضفاف
ذهاب بلا عودة
رحيق بلا ارتشاف
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
380
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
443
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
313
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3123
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1194
| 28 سبتمبر 2026