رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تذهب الولايات المتحدة للحروب في مختلف أنحاء العالم،مقررة تحقيق النصر دون التزام بأية قيم أو مبادئ أو قوانين دولية أو إنسانية،فيرتكب جيشها أبشع الجرائم في سبيل تحقيق أهداف الحرب،وحين تنتهي الحرب العسكرية العدوانية إلى الهزيمة –وكل تاريخ حروب أمريكا العدوانية على الدول انتهت إلى الهزيمة-تعيد تلميع وجهها وإعادة تقديم نفسها للعالم باعتبارها النموذج الإنساني والحضاري الأرقى وفق خطط حربية،لكن في مجال الإعلام هذه المرة.
فأمريكا تخوض كل حرب مرتان مرة بالقوة العسكرية ومرة عبر-أو باستخدام- وسائل الإعلام لكن وفق خطط حربية أيضا.فوسائل الإعلام الأمريكية تمارس دورها من خلال خطط حروب إعلامية،يجري شنها وفق ذات درجة التخطيط والانضباط التي تجرى في الحروب العسكرية.فكلمة الحرب هي كلمة السر في بناء وتشكيل الخطط الأمريكية بالقوة العسكرية أو بالقوة الإعلامية أو حربا وسلما.
فإذ تفشل أمريكا أو تهزم في حرب عسكرية عدوانية على أي من الدول،تتحول إلى خطط حرب إعلامية،مستغلة أنها حين تهزم تظل باقية على أرضها في سلم –فهزيمة أمريكا لا تعني انكسار جيشها أو احتلال أرضها فحروبها عدوانية في الخارج-وهي تعتمد على قوة أجهزتها الإعلامية وسيطرتها وسطوتها في مختلف أنحاء العالم وفي داخلها بطبيعة العالم.
لقد ذهبت الولايات المتحدة إلى اليابان لترتكب أفظع جريمة عرفها التاريخ،إذ كانت البلد الوحيد في العالم الذي اتخذت قيادته السياسية قرار استخدام السلاح النووي ضد بني البشر.ارتكبت القوة العسكرية الأمريكية الجريمة الأفظع عبر التاريخ –وهو ما يمثل هزيمة أخلاقية وإنسانية لها -لكنها عادت وقدمت نفسها وفق خطة إعلامية محكمة،باعتبارها راعية الديمقراطية وأنها من أسقطت الحكم الفاشي في اليابان وهي أعادت تشكيل الصورة الذهنية عن قواتها المتواجدة في القواعد باليابان بعد استسلام قيادته –أثر العدوان النووي- فتحدثت عنها باعتبارها قوة حماية لليابان من الدول الأخرى،وأنها مثلت القوة الراعية للنهضة الاقتصادية اليابانية!
وذهبت القوات العسكرية الأمريكية لشن الحرب في كوريا،تحت عناوين مقاومة الشيوعية وتحرير الكوريين من الاضطهاد والقهر،وخلال الحرب ارتكبت جرائم القصف بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية،وهي لم تتراجع عن تلك الحرب إلا تحت الهزيمة التي تعرضت لها قواتها،لكنها عادت من بعد لتقديم صورة ذهنية جديدة لشطر كوريا الذي ظلت تحتله،فعزفت معزوفة اليابان ذاتها –الديمقراطية والتطور الاقتصادي وكان شعوب تلك الدول غير قادرة على تحقيق نهضتها إلا تحت الاحتلال الأمريكي -وظلت تمارس الحرب الإعلامية على الشطر الآخر،الذي بات متهما بالشر والعدوان والهمجية والتخلف..الخ.
وذهبت القوات الأمريكية للعدوان على فيتنام،لترتكب هناك أبشع الجرائم التي ارتدت على البناء النفسي الداخلي لشعبها وجيشها لشدة بشاعتها،وهي تعرضت للهزيمة عسكريا في نهاية المطاف.كانت الهزيمة واضحة المعالم وعلى مرأى ومسمع من كل العالم والرأي العام الداخلي،لكن الولايات المتحدة حولتها إلى معركة داخلية،بين الجمهوريين والديمقراطيين وفجرت بعض الفضائح الداخلية المتتالية،فأعادت تلميع صورتها في العالم وصورة نظام حكمها في الداخل.
وفي الحالة العراقية اختصرت كل الجرائم الأمريكية إلى اتهام لبعض الجنود والضباط الذين اتهموا بالتعذيب في سجن أبو غريب.فعبر تلك الفضيحة جرى تقزيم واختصار الجرائم التي ارتكبت في العراق– من قتل لمئات الآلاف وتدمير وطن كامل واحتلاله- في بعض من سلوك التعذيب الإجرامي في أبو غريب الذي كشفته أمريكا بنفسها– عبر وسائل إعلامها هي - وأجرت محاكمات شكلية لتعزيز فكرة أنها دولة قانون واحترام حقوق الإنسان!
صارت أمريكا دولة ترفض التعذيب وتحاكم مرتكبيه، طبعا بعد حققت من خلاله أهدافها. والحال كذلك في أفغانستان،إذ جرى الكشف عن الممارسات الإجرامية وأعمال الانتهاك الفظ لآدمية المعتقلين في معتقل جوانتنامو،بعد أسابيع من توقيع أفغانستان على الاتفاقية الأمنية وقبل أقل من شهر من سحب العدد الأكبر من قواتها من أفغانستان،أو بعد أن حققت ما أرادت من التعذيب.لم تعد قضية الاحتلال والتدمير لأفغانستان وباكستان هي القضية،بل صار خطا السي.اي.ايه،هو ما يلخص الحكاية كلها، لتدخل أمريكا في جدل بين الجمهوريين والديمقراطيين، فتنسى الجرائم في أفغانستان ويعاد تلميع صورة أمريكا!
تلك هي اللعبة، التي تحول أمريكا هزائمها العسكرية والأخلاقية إلى نصر يعيد تلميع صورتها التي تدعيها!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3696
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1113
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
744
| 27 أبريل 2026