رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ربما ثار من ثار عندما أعلنت الجزيرة مبكراً إبان بزوغ ثورة شباب مصر أن مبارك وحاشيته لا يعيرون تقارير أحوال الشعب أدنى اهتمام.. ونعى البعض على ان الحاشية لا تنقل الواقع..
إنها باختصار تقارير البطانة وما يقاس عليها ممن والاها من الحكام كما في المثل العربي: "وافق شنٌ طبقة". خصوصا اننا في عصر البرق والطائرات النفاثة بل الثورة التكنولوجية والاتصالية و.. و.. التي لن ينسحب عليها ما انسحب على عهد الصحابة الذين كانوا لا يتوانَون في تفقد أحوال الرعية راجلين وركبانا ليلا ونهاراً، حتى سمع ورأى الخليفة عمر بأم عينه وأم أذنه بجوع من تضع الحصى في الماء ريثما ينام عياله فقام بأمرهم بنفسه.
لن تطالب الشعوب العربية بجولة حاكم في شوارع وحارات وسكك وفرجان دولهم لتفقد أحوالهم، ولكنهم بالتأكيد ينعون على الوسيلة التي امتطاها الحكام ثقة عمياء بمن يَنقل إليهم.
ولعل كلمة الحق التي تتضح منذ الوهلة الأولى أن الشعوب التي تتحدث عنها التقارير هم مواطنون لا قطعان ولهم حقوق في مصادر وطنهم القومية وكيفية إنفاقها وصرفها ناهيك عن الحقوق المدنية والسياسية، والمشاركة في كافة مناحي الحياة، خصوصا أنهم في كثير من دول الوطن العربي لا صوت لهم في ممثل يمثلهم أو يدلي بدلوهم أو حتى في إعلام حر يفي بصوتهم.
بادرتنا ثورتا مصر وتونس ببركان فجر براكين أخرى في كافة منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إيران على المستوى الأوسع لمعنى كلمة الشرق، هذا ولا تعد دول الخليج النفطية الغنية بمعزل عنها، خصوصا مع تجدد الثورات ودعوات الفيس بوك ونهضة تويتر الفكرية التي باتت تشكل جرس إنذار خطير لحالة من عدم الرضى عن مستوى الحقوق أو التمثيل أو عدالته.. صغرت هذه الدعوات أو كبرت، جاءت في صورة مطالبة بإصلاحات أو حقوق أو عدالة أو غيرها.. المهم في ذلك كله ألا تكون مؤشراً من مؤشرات زعزعة أمن الدول وإحداث الفوضى ما دام تحقيقها ليس بالأمر العسير على القائمين بأمرها.
والمطالبات وإن ضجت بعضها في نداءات الميادين والشوارع وإن ظلت بعضها حبيسة المسارات الإلكترونية او النوايا التي قد يخشى من تكتلها مستقبلا، جلّها تؤكد أن الصورة الشعبية للمحكومين العرب لدى الحكّام تعاني من القصور سواء كانت تعمية مقصودة يشترك فيها الحاكم وحاشيته، أو تعاني من الضبابية، تختل فيها الرؤية لدى الحكام بفعل فاعل.
أما وإن لكل حاكم بطانة، وبطانة الرجل لغة تعني: خاصته الذين يطلعون على أسراره ويستبطنون أمره، وهي مأخوذة من بطانة الثوب، وهي ما يلي الجسد منه.
فإننا لا نعتقد أن البطانات الملتصقة بثوب الحاكم تصدُقه فيما تصدره من تقارير الشعب، خصوصا مع تداخل المصالح، بل هناك الكثير من الأمور التي تغيب ويُظهَرُ فيها المواطنون وكأنهم في ظل عيش رغيد وملك سديد وكأنهم من نبلاء القرون الوسطى، سواء تعلق الأمر بحقوقهم في رغيف العيش الذي يسد رمقهم او غيره من مقومات العيش الكريم، أو الحقوق المدنية التي تتوازى ومقدراتهم واستحقاقاتهم كلاً وفق مستوى دخل دولته وثرواتها وعدد سكانها.. لذلك انقسمت المجتمعات العربية ومنها الخليجية الى طبقية ليست طبيعية بحكم نظرية "الاختلاف والتسخير الكوني الرباني" مصداقا لقوله تعالى: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا" (الزخرف: 32)
بل الطبقية غير العادلة بحكم التلاعب في ثروات الدول، والتي تلعب فيها البطانات أو بعض الحكام دوراً فاعلاً في تكريس تلك الفجوة.
تظن الحكومات العربية أن تقدير الرواتب والأجور على العمل او توفير فرص العمل الطيبة او إنفاق أموال الدولة وموارد دخلها وثروتها على الأساسيات من التعليم والصحة، والبنية التحتية او الخدمات الأخرى حسنات او مكارم حين إنها حقوق للمواطن في المال العام، تماما كما ينفق الحكام على أنفسهم من المال العام سواء فيما يستحق الأجر او في المكتسبات الأخرى التي طالهم شرفها بمجرد وجود الكرسي، هذا حين أنه ليس من يلي أمر الكرسي غالبا هو المنتفع الأعظم بقدر ما هي لعبة كراسي دائرية مغلقة يغلف بها الحكام ببطائن هم العين في شعوبهم، وهم المستأمنين على التقارير التي تصدر عن أحوال الشعب ليقرر الحكام ما يرونه مناسبا، فلا يتوانون — إلا من رحم الله — عن التعتيم أو التكتيم والنفاق بل التعمية وتزييف الحقائق.. وكلما ظل التقرير ظل التعديل.. أما أضعف الإيمان والشكل الآخر من أشكال تلاعب البطانة فهو إبعاد المواطنين بالمعنى المكشوف، فما أن يبادر أحدهم بطلب رؤية "الخليفة" — تأسياً بدور الخلفاء او من يليه في شأن الوطن — بهدف رفع مظلمة أو بث مناشدة أو أمر جلل يستحق العرض على أهل الحل والعقد، حتى تبتر رجلاه عن بكرة أبيه، لا أعني بها المعنى الحرفي للبتر، بل أعني أن البطائن غدوا فوق كونهم المحررين او المقررين أو عين الحكام، غدوا هم لا غيرهم "حراس البوابة" الذين يغلقونها ليس فيزيقيا فحسب — وهذا جائز في عرف الحكام ومسؤولياتهم الجسام، إذ لا يكفي وقت الحكام حتى لو خصصت جلسة واحدة للرعية — عفوا أعني المواطنين — بل أقصاه أن يصل الأمر إلى حجب البطانة لأي مطلب جلل، لا عادي، سواء كان هذا المطلب يرد برسالة عن بعد، سواء كانت مخطوطة او مطبوعة او إلكترونية او هاتفية او شفوية فترمى في حاويات أو نفايات منفية سلفاً لا تخضع حتى لما يسمى "إعادة التدوير".
أما الشكل الآخر من أشكال ظلم البطائن التي لا يمكن أن تكتشف بسهولة فهي تلك التي لا تحجم تقارير حالة الشعب ومظالمه فحسب بل تلك التي تحجم أيضا تقارير العمل والأعمال الوطنية، وتعطي صوراً خادعة ومغلوطة حتى عن أحوال العمل الوطني والمستأمنين على أعمالهم وأماناتهم الذين لا يمكن ان يصل تقرير أحدهم الى ولي الأمر، وإن طلب رسمياً الا من خلال "فلترهم" الذي لا ينقي أو يصفي بقدر ما يجتزئ — ورحم الله من لا يدخل الهوى أو الأهواء لا في التنقية
— بل في التصفية القسرية — وفقا لمصالح الحراس، ناهيك عن استحالة أن يصل الشخص ذاته ليدلي بعهدة أمانته في عرف البتر وإيصاد البوابات، لأن الهمّ الخاص أضحى عند البعض أكبر من الهمّ العام، وإذكاء حظوتهم وخزائنهم ومدخراتهم بالتعمية والتضليل والتدليس أهم من المصلحة العامة والوعي والضمير الجمعي لله وللوطن وللشأن العام.
وما حدث في بلد الثورات المعلنة والحكومات المخلوعة خير شاهد ولا تنفع مصادرة الثروات ومحاسبة الفساد بعد استفحاله على الرأي العام الدولي بأسره، وتجرع الشعوب وأمن الدول واستقرارها مرارته، خصوصا ان في كل بلاد همها، ولا ينفع منا نحن العرب ونحن من يوصف بالعدل والكرم والنخوة والفروسية ان ننعي على الجمال بعد ان تسقط لأن سكاكينها سهل أن تكثر، إذ ليس في ذلك بطولة، على حد مقولة أهل الخليج: "لي طاح الجمل كثرت سكاكينه".
وفي النهاية سواء كان هذا وذاك، إنه إن حصل في أي وطن وبأي شكل أو مستوى لتعتيم جائر ومصادرة لحقوق الشعوب في فلتر حراس محدودين لتظلم بعدها شعوب تحت عين عوارء لا تنقل الا ما تريد او ما يوافق مصالحها لمن تريد، ولا يَبرَأ منها كثير من الحكام — إلا من رحم الله — مما يشكل على المدى البعيد قهرا اجتماعيا وغليانا داخليا، قد يذكي إلى ما يطفو، وما طفا على سطح الثورات الشعبية أو ما تتنهد به صفحات الفيس بوك وتغاريد تويتر أو نقاشات المدونين والمنتدين في المدونات أو المنتديات العنكبوتية التي يجدر الأخذ بمكنونها وتنهداتها الشعبية لكل ذي لب، يسعى لأمن واستقرار وطنه وعدالة حكمه.
الآية القرانية حسمت أهمية أو خطورة أمر البطانة بقوله تعالى:
((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)) (آل عمران/118).
والبطانة: هم الدخلاء.. والدخيل هو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه.. والخبال هو الشر.
وعنه صلى الله عليه وسلم، قال:
"ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى". والله نسأل لسائر حكامنا العرب العصمة وبطانة الخير والمعروف..
وعوداً على بدء..
كم "مبارك" أو "زين" ستكشفه الجزيرة قبل سقوط الجمل.. وهل ستحل الجزيرة في تحول لنظام عالمي جديد محل او مع أدوات البطانة وبعدالة على قاعدة: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"؟؟
كاتبة وإعلامية قطرية
Twitter: @medad_alqalam
medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17544
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8043
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4410
| 15 يونيو 2026