رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أصدق أبدا عندما انتهيت من قراءتي الأولى لما نشرته مجلة «ذي اتلانتيك» الأمريكية، وكتبه جيفري جولدبرج تحت عنوان: «عقيدة أوباما»، وما قاله الرئيس الأمريكي بكل صراحة –أو بجاحة لا فرق- رأيه في دول الخليج والسعودية، وراسلت مباشرة الزميل الكبير جمال خاشقجي لأتأكد من أن الحوار حقيقي، وأن ما ورد في تلك "الوثيقة" تعبر عن فكر وقناعات الرئيس الأمريكي.
ربما كان الأمير تركي الفيصل أول من قام بالرد على ذلك الحديث الذي لم يراع كل هذا التاريخ الطويل بين السعودية وجاراتها من دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية، عبر مقالته الشهيرة بالزميلة "الشرق الأوسط" بعنوان "مهلا يا سيد أوباما"، أفصح فيها عن موقف النخب السياسية السعودية التي فوجئت تماما بما قاله أوباما وقال له بصراحة : "نحن لسنا من يمتطي ظهور الآخرين لنبلغ مقاصدنا"، واتهمه بدعم الإخوان المسلمين، ملمحا من طرف خفي بأن موقفه انعكاس لموقف المملكة من هذا الأمر، وكشف الأمير تركي في مقالته كيف وبّخ مليكنا عبدالله –يرحمه الله- الرئيس الأمريكي اوباما عندما قال له: "لا خطوط حمراء منك، مرة أخرى، يا فخامة الرئيس".
لا أدري أين هي اللياقة الدبلوماسية في تصريحات صفيقة مثل هذه، تضرب بعرض الحائط تاريخا طويلا من العلاقات المتينة بين السعودية ودول الخليج وبين الولايات المتحدة، ولماذا قبل شهور من مغادرته البيت الابيض يفجر الساحة السياسية بهكذا تصريحات، فالسيد أوباما يعتبر بشكل جازم –بما سطره جولدبرج- أن السعودية ودول الخليج العربية هي سبب ومنبع الارهاب ليس في المنطقة فقط, بل في العالم كله، ولهذا –بتعبيره- نجد ان الارهاب بالنسبة له كما عبّر عن ذلك هو «ارهاب اسلامي سني» فقط.
سأتوقف شخصيا عند هذه النقطة، لأسوق لأوباما ما قاله المفكر الأمريكي ذائع الصيت فرانسيس فوكوياما في محاضرة له في الدار البيضاء عام 2005م، وفوكوياما وقتذاك كان أحد منظري السياسة الأمريكية مع الرئيس بوش الابن، وحضرت تلك المحاضرة شخصيا، وانتابتني وقتها، ذات نوبة الغضب التي انتابتني بعد تصريحات أوباما، عندما قال فوكوياما بأن:"السعودية هي التي خلّقت السلفية الجهادية بأموال البترودولار"، ومضى في شرح مسهب لموضوعات متعددة. طلبت منه بعد المحاضرة لقاء منفردا، وواجهته في حوار صحفي طويل بقولي: "أليس من المغالطة العلمية، أو أبعد من ذلك (نفاق المثقف)، غضّ الطرف عن الدور الأمركي وجهاز المخابرات الأمريكية في تخليق هذه السلفية الجهادية، التي اتهمت فيها بلادي اليوم في محاضرتك؟".
الرجل أطرق برأسه طويلا ثم أجاب موافقا: " كثيرون في الولايات المتحدة يعتقدون بأننا ارتكبنا خطأ كبيرا في أفغانستان، لقد أردنا أن نخرج السوفييت من أفغانستان ولكننا للأسف خلقنا هناك وحشا، وأنا لا أحمّل السعودية المسؤولية لما حصل في أفغانستان، ولا أعتقد أن كثيرين في السعودية يتوقعون هذه النتيجة التي أدت إلى ظهور الايدولوجية المتطرفة الجهادية، ويجب عليّ بكل أمانة أن أعترف بأن ما حصل في أفغانستان خطأ كبير، وتكرر الولايات المتحدة اليوم ذات الخطأ في العراق، وتساهم في خلق ارهابيين جدد".
فوكوياما أحد الشاهدين يا سيد أوباما بأن بلادك وجهاز استخباراتك هي من كانت وراء تخليق هذه السلفية الجهادية المتطرفة، ويسرني أن أبعث لك بهذا الحوار الذي طبع في كتاب بعنوان: "نهاية التاريخ تحت مجهر الفكر العربي..حوار فوكوياما بمرأة المثقفين العرب"، وطبعته مشكورة دار العبيكان، وتداخلت في الحوار ثلة من النخب السعودية والعربية بكل أطيافها.
البجاحة المؤلمة، عندما يتهم أوباما بأن السعودية ودول الخليج "السنية" يسعون الى استغلال «العضلات» الأمريكية من أجل خدمة اهدافهم الخاصة الضيقة والطائفية، وعودة للتاريخ لنسأله: من الذي استغل الآخر؟، ومن وقف مع سياسة الولايات المتحدة في أفغانستان، وحروب البلقان، والشيشان، بل إن بعض دول الخليج قامت بتمويل ثوار "الكونترا" بأمريكا اللاتينية دعما للموقف الأمريكي، وشواهد وأمثلة عديدة تقول بوقوف دول الخليج أبدا مع سياسات الولايات المتحدة، التزاما بقواعد الصداقة والتحالف الاستراتيجي، وما تقتضيه المصالح لكلا الطرفين، ثم يأتي أوباما ليتحجج –أو يتبجح- أننا نستغل عضلات هذا الكاوبوي، ولكأنه لم يستغل جيوبنا.
أما حكاية أن السعودية ودول الخليج ترعى الارهاب والمنظمات التابعة لها، فلربما كان وزير خارجيتنا البارز عادل الجبير ممن رد على هذه النقطة، في مقالة له في"نيوزوويك"، قال فيها: "لطالما أدانت المملكة الإرهاب، واستمرت في ملاحقة الإرهابيين والفكر الذي يغذيه ومصادر تمويله، الإرهاب يتناقض مع قيم المملكة وطبيعتها وقبل ذلك العقيدة التي تقوم عليها، محاربته أولوية وطنية، الإرهاب آفة عالمية ينبغي التصدي لها، ولن ندخر أي جهد في سبيل ذلك". وأتذكر أنني قلت لفرانسيس فوكاياما في ذلك الحوار معه: "أنتم ألمحتم في محاضرتكم إلى علاقة المملكة وظاهرة الارهاب الموجودة اليوم، لا أدري يا سيد فوكوياما كيف تفسرون وجود حركات ارهابية في الداخل السعودي تستهدف السعودية ذاتها، السؤال: هل أنتجت السعودية الظاهرة لتحارب بها نفسها..هل يستقيم هذا التحليل منطقيا؟".
ونأتي للفرية التي قال بها أوباما عن حقوق المرأة في السعودية، وأن نصف المجتمع معطل، وأتعجب أن كل هذا الحكم الجائر من قبله والصحافة الغربية التي تروج باضطهاد النساء في السعودية، يقوم على مسألة عدم قيادتها للسيارة، وقد أغضوا الطرف عما أنجز خلال العقد الأخير، ولربما -مرة أخرى- ردّ وزيرنا المفوه الجبير في مؤتمر "ميونيخ العالمي للأمن" قبل أشهر وقتما قال: “لقد كانت المملكة عام 1960 خالية تمامًا من أي مدارس لتعليم البنات، نحن الآن لدينا العديد من الخريجات الجامعيات اللاتي يمثلن 55% من إجمالي الحاصلين على مؤهلات جامعية في المملكة، نحن الآن لدينا العديد من النساء اللاتي يعدهن المجتمع السعودي من خيرة أطباء ومهندسي ومحامي المملكة، بل إن الكثير من النساء السعوديات تفوقن- أيضا- في مجال إدارة الأعمال”.
ورد الجبير في حديثه عن مسألة المسائل وقضية القضايا، والتي يقوم الغرب ويقعد لأجلها، إلى أن مسألة قيام المملكة بالسماح للمرأة بقيادة السيارة في الوقت الحالي يعد أمرًا مستبعدًا، وقال: "القضية لا تتعلق بالدين وأحكام الشريعة الإسلامية، ولكن هناك مسائل اجتماعية يجب مراعاتها، الوضع في المملكة ليس مستغربًا فالولايات المتحدة الأمريكية استغرقت 100 عام لإعطاء المرأة حق التصويت، واستغرقت 100 عام أخرى لانتخاب أول متحدثة برلمانية، أنا لا أطالبكم بإعطاء المملكة 200 عام لتغير وضع المرأة ولكني أطالبكم بالصبر".
المسائل والموضوعات التي طرقها أوباما في حواره الطويل (20 ألف كلمة) كثيرة، بيد أن الأخطر برأيي، هو رؤية أوباما للحل في مسألة التطرف والارهاب، عندما ذكر الكاتب جولدبرج أن أوباما في أحاديثه الخاصة مع قادة العالم الآخرين، يقول دوما: "أنه لن يكون هناك حل شامل للارهاب الاسلامي إلى أن يتصالح الاسلام نفسه مع العصرية والحداثة، وألى أن يمر باصلاحات مثل تلك التي غيّرت المسيحية"، وهو ما يفسر عدم رضاه عن نموذج الاسلام الأمريكي الذي قدمته تركيا أردوغان، فلأوباما موقف أيضا من الرئيس التركي أردوغان، فيذكر جولدبرج بأن آمالا كانت لدى الرئيس الأميركي في أردوغان، لكنه صار يعتبره منذ فترة حاكماً استبدادياً ذا سياسات فاشلة.
سأعود لكلمة هرطقة التي عنونت بها حديث أوباما، فهي ترجمة للكلمة اليونانية (HAIRESIS) ولم يكن لها معنى "الهرطقة" في الكتابات الكلاسيكية، ولكن في بداية العصر المسيحي صار لها هذا المعني، أي أنها تعني: كل ما يتعارض مع الرأي القويم، أو هي كل نكران لحق قويم.
اسمح لي سيد أوباما أن ما قلته عن بلادي ودول الخليج هي "هرطقة".
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
57
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
75
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
51
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5829
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2763
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2454
| 02 يونيو 2026