رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لك الله يا معرة النعمان اليوم وكل يوم، أيتها البلدة الوادعة في سوريا الحبيبة، كم أمسى بك العابرون ما بين حلب وأدلب وحماه فاستمتعوا بمناخك اللطيف وسهولك الخصبة وموقعك الاستراتيجي منذ القديم وقد دلت آثارك العريقة على شأنك العظيم وشهدت بذلك عهود الآشوريين والفراعنة واليونانيين والفرس والرومان، وعشت أبهى زمن المعرفة حين أنجبت أبا العلاء العبقري الشاعر الحكيم الفيلسوف – رغم ما قيل فيه – في العهد العباسي وتنقلت في دروب الأمجاد رغم العواصف الهوج التي ضربتك حينا، وركزت علم الحرية عاليا بعد جهاد طويل مع الغاصب المحتل الفرنسي حتى جلا مهزوماً مخذولاً عام 1946م، ولم تعرفي بعد ذلك إلا حديث النصر والاستقلال والعزة والكرامة حتى هفا قلب العالم الشاعر الشيخ محمد الحامد الحموي ليبدأك سلام المحبة والغرام:
حييت يا أرض المعرة
فيك المسرة والمبرة
فما بالك اليوم غارقة في الحزن والألم بعد الفرح والنشوة بأنك تقومين بدورك الحقيقي في صناعة الحياة الحرة لشعب سوريا الأبي الذي رجالك من رجاله، أفإن انتفضوا وثاروا على الظلم والفئوية والاستبداد والاستعباد من قبل المستغل بعد المحتل وناصروا إخوانهم المظلومين المقهورين في جسر الشغور وقبل ذلك في جميع بؤر الاحتجاج العادلة المحقة في سوريا ضد القتلة المجرمين الهمجيين المتوحشين، ألأجل أحرارك الذين رفضوا وهم جنود وضباط في الجيش أن يصوبوا النار على إخوانهم وأهليهم وعشيرتهم بما فيهم الشيوخ والنساء والأطفال، ألأجل هذا الغرض الدنيء تلقين الجزاء المر من الترويع والتطويق والرمي والقذف بأطنان القنابل من الطائرات إمعانا في قتل الشرفاء الذين عجز الأوغاد عن مواجهتهم، وعجزت الحكمة عند من يدعون الإصلاح كذبا وزورا إلا أن يصبوا ويطلقوا طلقات الموت والجرح والهلع بدل إطلاق الحل المدني السلمي العاقل، أبالدبابات والمدرعات والطائرات تحل الأزمات، لك الله يا معرة النعمان من قوم لا يرعون في شعوبهم إلا ولا ذمة، لئن نزح وهرب الخائفون من ربوعك ليسلموا فهم معذورون ولكن يدك المقاومة كانت ولا تزال إن شاء الله هي الأقوى، لاشك أنك تتذكرين اليوم – والتاريخ يعيد نفسه – كيف كان القرامطة منذ ألف سنة قد هجموا عليك وعلى حماة وسلمية معك كما ذكر الحافظ بن كثير في البداية والنهاية لكنهم وجدوا مقاومة باسلة منك ومن أخواتك في الشام، وبرغم ما اقترفت أياديهم الأثيمة من سفك للدماء وسطو على الأموال ونهب للبيوت وحرق وهتك للأعراض إلا أن جولات الباطل باءت بالإخفاق وانتصرت عليهم وكان جزاؤهم بالقصاص وفاقا ثم رحلوا عن ديار الشام إلى غير رجعة وقتل يحيى بن زكرويه القريطي على أبواب دمشق وعوقب الآخرون في بغداد وتلك سنة الله في الظالمين ولن تجد لسنة الله تبديلا، فاصبري يا معرة النعمان يا قلعة الصمود اليوم وإن كل قطرة دم يريقها السفاكون السفاحون لهي الأنوار التي تنير الطريق للأحرار في الشام وأما أنت يا أبا العلاء يا من ولدت في هذه التربة المباركة ومت فيها، فكنت بصيرا مع أنك كفيف وكنت حرا مع أنك قليل الحركة إلا ما كان من سفرك إلى حلب وأنطاكية وبغداد إقامة لسنة الرحلة في طلب العلم، فيا رهين المحبوسين لم تكن مسجونا كما ظنوا فأنت بعقلك وفكرك في كل العالم، وإن يعترض معترض ويقل إن المعري كان معقدا وملحدا وغامضا في الحياة فإننا وإن وافقنا في بعض النقد لذلك إلا أن النظرة السريعة كما قال المحققون والنقاد العارفون لا تفي ولابد من دراسة مستفيضة بصيرة تميز بين مراحل حياة الرجل وإننا لنحسب أن نهايته كانت في نظراته الدينية والاجتماعية والفلسفية جد موفقة – والله أعلم – والذي يهمنا في هذه العجالة وأبو العلاء ثاو في قبره أن نشم الندى من فيضه الزاخر وجانبه الإيجابي الذي يعطي الضوء ويشعل الهمة في الأمة بعد وصف الداء وتشخيص الدواء، ولا ريب أن أبا العلاء جد حزين في قبره اليوم وهو لا يرى أي اعتبار للعلم والأدب والفلسفة والتراث وأي إكرام لمن حمل تلك المواهب وكما يقولون: (لأجل عين تكرم مرجعيون في الأمثال الشامية ولكن عند من)؟ عند أهل الأصل والمروءة واحترام الناس وكأني يا أبا العلاء وهو يرى بلدته تقصف اليوم بالجحيم والويلات يذكرنا بما رآه من فكر حر تجاه كل ظالم ومستبد ومنافق من الحكام بل ومثلهم من علماء السوء إذ يتحالف أهل السلطة السياسية مع أهل السلطة الدينية التابعة للدفاع عن المصالح والامتيازات واستغلال الناس باسم الدين والشريعة فيصوغون لأنفسهم القمع والإذلال والإرهاب، بحجج هي أوهى من خيط العنكبوت، ويجادل صاحبنا لذلك بالشرع والعقل وهو وإن غلب الثاني من باب أن العقل أصل الشرع كما قال ابن الجوزي في صيد الخاطر لكن الدين والخلق هما في الحقيقة الجانب السلوكي الذي يعتبر الجانب الجوهري الحقيقي للإنسان ولذا اشتدت حملته على المرائين من هؤلاء المخادعين وربما كان هذا ما جمح به على غير عادة البشر عموما أن يعتزل في بيته خاتم حياته أربعين عاما أو يزيد ليعتزل مثل هؤلاء الملوك والأمراء وعلماء النفاق ويكتفي بيسير الرزق بكل عصامية وإن العذر في الذي ذهب إليه من اعتباره أن السلطة ضرورية للبشر ولكن لابد أن تقوم على العدل وقد كان جريئا في ذلك غير رعديد:
إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة
فإنا على تغييرها قدراء
وإذا فقد عمل على انتقاد ظلمة زمانه وكشف سوء سياستهم للرعية من باب الأمانة مع أنهم لو قورنوا بأهل زماننا من أمثالهم لكانوا عادلين ربما، وإن المعري إذ يعتبر أن أقوال وأفعال الساسة حساسة فإنه يسخر من ألقابهم التي لا يستحقونها إذ السياسة كما يقول ابن خلدون: حسن التدبير
يسوسون الأمور بغير عقل
فينفذ أمرهم ويقال ساسه!
ويستغرب كيف أنهم أجراء عند الأمة ولكنهم لا يقومون بوفاء عقد الإجارة سواء بالانتخاب أو التعيين بل يظلمون دون اكتراث:
ظلموا الرعية واستجازوا حقها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
أجل إنه فضح الحكام وتناولهم لأنه عاش بينهم مظلوما في الغالب وتناول هوامير الغنى لأنه عاش فقيرا وقد حق له أن يشعر بهذه الآلام فهو الحسيب النسيب من أسرة مرموقة تنتمي إلى قبيلة "تنوخ" العربية ونسبها إلى يعرب بن قحطان وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين ومنهم جنود الفتوحات وكذلك فهي أسرة علم وفقه نجده كان قاضي المعرة وولي قضاء حمص ووالد أحمد عبدالله كان شاعرا فحلا وأخوه كذلك. وقد ابتلي باليتم وهو ابن 14 عاماً بعد موت أبيه ثم ماتت أمه بعد ذلك وقد كف بصره وهو صغير ولكن هذا الرجل العبقري الحكيم جاء بكتب وتراث جعلته كما قال:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل
وقد بقيت آثاره موردا لا ينضب لشدة العلم والأدب والدرات النقدية، فضلا عن الإبداع بما في ذلك رسالة الغفران التي تأثر بها "دانتي" في ثلاثيته الشهيرة "الكوميديا الإلهية" ثم لزومياته في كهولته التي بلغت 13 ألف بيت شعر.
أما نقده للعلماء الذين يوالون الحكام الظلمة وهم طامعون في الدنيا فإنه لم يقصر في فضحهم وأنهم فتنة:
سبح وصل وطف بمكة زائرا
سبعين لا سبعا فلست بناسك
جهل الديانة من إذا عرضت له
أطماعه لم يلف بالمتماسك
أنى ينال أخو الديانة سؤددا
ومآرب الرجل الشريف خسائس
لكن الجوانب النفسية المشرقة إنما تأخذ نورها من مثل المعري في إيجابياته وهذا ما يدفعنا للقول إن حكامنا اليوم في سوريا لوحوا لبعض هذه الجوانب بل واحدا منها لما دخلوا المعرة مهاجمين قاتلين تاركين أبا العلاء باكيا في قبره، وما أشبه الليلة بالبارحة فأبو العلاء الذي لم يخرج من بيته آخر حياته، دعاه قومه ليشفع لهم عند أسد الدولة بن صالح بن مرداس صاحب حلب وكان قد خرج بالجيش إلى المعرة بين عامي 1026-1027م، ليخمد حركة عصيان حدثت هناك فخرج أبو العلاء متوكئاً على رجل من قومه فلما علم صالح بقدومه إليه أمر بوقف القتال وأحسن استقباله وسأله أن يسمعه سجع الحمام لا زئير الأسد فرضي بذلك ورحل عن المعرة فهذا هو الأسد حقا حقا لا الذي يقتل ويجرحهم ويشردهم عليه من الله ما يستحق أجل إن أبا العلاء حزين في قبره جدا لأنه لم يعد محترما في بلدة المعرة وهو المحترم في العالم أجمع وهو ما أشار إليه الجواهري الشاعر الكبير سادها المعري والمعرة:
قف بالمعرة وامسح خدها التربا
واستوح من طوق الدنيا بما وهبا
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4545
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2679
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1644
| 29 مايو 2026