رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العربي بحكم منطلقاته الفكرية وخبرته تبنى توجهات حادة تجاه إسرائيل
ثمة من يعتقد أن السياسة الخارجية لمصر قد تتعرض لبعض التغيير في التوجهات بعد مغادرة الدكتور نبيل العربي لمنصبه الحالي إلى منصبه الجديد أمينا عاما للجامعة العربية بداية من الخميس المقبل وذلك انطلاقا من أن وزير الخارجية الجديد قد لا يحمل روح التغيير والرغبة في رسم ملامح مغايرة للدبلوماسية المصرية التي يحملها رجل مثل العربي صاحب الخبرة الطويلة على الصعيدين الدبلوماسي والقانوني فضلا عن رؤية واضحة لدور مصر القومي والأقليمي ليس من منظور متعال وإنما وفق محددات التعاون والشراكة والتأثير في الأحداث والتطورات صناعة وفعلا عوضا عن تبني منهجية رد الفعل التي كانت سائدة على مدى ثلاثين عاما وربما قبل ذلك بسنوات والملاحظ أن الدبلوماسية المصرية خلال الأشهر القليلة المنصرمة التي تولى فيها العربي رئاستها حققت جملة من التحولات التي أعادتها إلى تفعيل الدوائر الرئيسة التي تشكل مجالا حيويا لها منذ الحقبة الناصرية التي توهج فيها الدور المصري وتمثل ذلك بدرجة رئيسة في الدائرة العربية ثم الإفريقية وعلى نحو ما الدائرة الإسلامية متكئة في ذلك على المنجز الأساس المتمثل في نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير التي رغم عدم تبنيها شعارات واضحة ومحددة على الصعيد الخارجي والعربي إلا أنها كانت تحمل ضمنيا دعوة إلى تغيير مضمون ومحددات وأهداف السياسة الخارجية التي تأثرت من دون شك بحالة التردي والترهل التي أصابت الداخل على نحو عجز معه النظام السابق على أن يكون رقما مهما في المعادلة الإقليمية بل إنه في بعض المراحل والسنوات الأخيرة تحول إلى مجرد منفذ لسياسات الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية خاصة على صعيد القضية الفلسطينية وبات دوره يتمثل في القيام بوساطة بين السلطة الوطنية في رام الله وحكومة الكيان واتهم بالتواطؤ معها في عدوانها على قطاع غزة في نهاية 2008 وبداية 2009 ولو توقفنا عند بعض الإشارات على التحولات التي طالت الدبلوماسية المصرية خلال الأشهر التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير يمكن رصد التالي:
أولا: تحقيق اختراق لبعض العلاقات المتأزمة مع أطراف عربية سواء أكان ذلك على نحو علني أو مسكوت عنه مثلما حدث مع السودان بشقيه الشمالي والجنوبي متجليا ذلك في القيام بزيارة على مستوى رفيع قام بها رئيس الوزراء المصري عصام شرف بصحبة العربي وعدد من أصحاب الحقائب الوزارية المعنية لكل من الخرطوم وجوبا الأمر الذي أسهم في تهدئة الخواطر واستعادة عافية العلاقات مع هذا الجار الجنوبي الشديد الأهمية على صعيد الأمن القومي لمصر وكذلك على صعيد تلبية بعض الاحتياجات التنموية المهمة لها ثانيا: السعي إلى تأمين الحدود الشرقية لمصر والمتمثلة في فلسطين وذلك من خلال تهيئة ظروف ومناخات أكثر حيوية لاستعادة فعل المصالحة الوطنية بين الفصائل والتنظيمات التي ظلت في حالة خصومة وفي بعض المراحل عداء مستحكم وفي صدارتها حركتا فتح وحماس الأمر الذي انتهى إلى التوقيع على اتفاق المصالحة والملاحق الجديدة التي أنهت أسباب الاحتقان الداخلي وأحدثت معادلة جديدة في المشهد الفلسطيني دفعته لمنطقة القوة خاصة فيما يتعلق بمواجهة الاستحقاقات المرتقبة مع حكومة بنيامين نيتانياهو التي أخذت تتحرك وفق منطق رد الفعل بعد أن باغتتها التحولات المصرية التي وصلت ذروتها إلى فتح معبر رفح بشكل دائم على نحو يوفر منفذا أمام فلسطينيي قطاع غزة من شأنه أن يكسر حدة القيود والحصار الصهيوني وذلك بعد أن ظلت مصر في دائرة الاتهام بالتواطؤ في المساهمة في استمرار هذا الحصار على مدى العامين والنصف الماضيين ثالثا: إحداث مقاربة عربية بداية من منطقة الخليج عبر ترتيب جولة لرئيس الوزراء المصري إلى ثلاث من دول مجلس التعاون هي السعودية والكويت وقطر خلال شهر مايو الماضي ومشاركته فيها وهى الجولة التي أكدت حضور الرقم المصري في معادلة الاستقرار الإقليمي في المنطقة بعد أن ظل غائبا أو مغيبا وفق محددات الدور القومي المصري التقليدي وإن كان قائما على نحو ملتبس أدى في بعض الأحيان إلى نشوب تناقضات مع بعض دول المنطقة مثل قطر التي كشفت وثائق ويكيلكس أن وزير الخارجية السابق أحمد أبو الغيط يخطط ويعمل وبتعليمات من مبارك شخصيا على إجهاض تحركاتها خلال ترؤسها للقمة العربية والتي بدأت في مارس 2009 حتى ولو كانت تصب في مصلحة مصر وقد حرص كل من شرف والعربي خلال هذه الجولة على إبراز المساندة القوية لأمن دول مجلس التعاون بحسبانه يمثل جزءا من الأمن القومي لمصر وأنه بمثابة خط أحمر لا تقبل مصر تجاوزه على أي نحو وهو ما أكده العربي بنفس المعنى تقريبا في حديث تلفزيوني قبل أيام رابعا: في المقابل تمكن العربي من تحريك المياه الآسنة في العلاقات المصرية الإيرانية على نحو ينقل هذه العلاقات من دائرة العداء إلى دائرة العلاقات الطبيعية في سياق ما وصفه بعد توليه منصب الخارجية بأيام بفتح صفحة جديدة مع جميع الدول المجاورة منها والبعيدة بشرط ألا تتدخل أية دولة في الشؤون الداخلية للدولة الأخرى وهو ما أدى إلى ارتفاع أصوات في المنطقة مبدية مخاوفها من هذا التوجه الجديد للدبلوماسية المصرية من أن يكون خصما من رصيد علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي تحديدا وتعرض العربي لبعض الانتقادات من بعض الكتاب المصريين والخليجيين ولكن التصريحات المصرية المتكررة الخاصة بأمن الخليج ردت المنتقدين على أعقابهم وفي المقابل فإنها بددت مخاوف بعض الدوائر الخليجية وقد سألت في هذا السياق مسؤولا خليجيا هو الشيخ فواز محمد آل خليفة رئيس هيئة الإعلام بمملكة البحرين وأكثر دول المنطقة التي تتعرض لضغوط إيران خلال زيارته الأخيرة للقاهرة عن قراءته لهذا التوجه في علاقات مصر بإيران فأبدى رؤية عقلانية واقعية مؤكداً فيها أن بلاده وكل دول مجلس التعاون لا تشعر بالقلق من التقارب المصري الإيراني بل تراه شأنا داخليا ومن قبل عبر الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري عن تصور إيجابي لهذا التقارب عندما سئل عن موقف بلاده منه خلال زيارة رئيس الوزراء المصري للدوحة فأشار إلى أنه يراه عنصرا داعما لأمن واستقرار الخليج خامسا: استعادة الحركة النشطة تجاه إفريقيا وبالذات دول حوض النيل التي تأزمت علاقاتها مع مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة على نحو كاد أن يؤثر على حصة مصر من مياه النيل وتمثلت هذه الحركة في جولة إفريقية بعدد من دول الحوض المؤثرة انتهت بالتوافق على إعادة النظر في الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل بعد أن كادت أغلب هذه الدول توقع عليها وهو ما كان سوف يعطيها صلاحية السريان رغم الإرادة المصرية والأهم من ذلك أن إثيوبيا قدمت كل الأوراق والدراسات الخاصة بمشروع سد الألفية التي تزمع بناءه على النيل في أراضيها مما خفف من درجة الاحتقان التي سادت العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا في السنوات الأخيرة من حكم مبارك الذي كان هو ورموز نظامه يتعالون على القادة الأفارقة وفق ما كشف عنه محمود أبو زيد وزير الموارد والري المصري السابق سادسا: شهد عهد العربي تفعيل ما أطلق عليه الدبلوماسية الشعبية وهي مجموعات من الناشطين السياسيين ومن ممثلي بعض الأحزاب والجماعات المصرية المدنية للتحرك باتجاه مناطق الأزمات مع مصر وقد حققت نجاحات طيبة في زيارات قامت بها لكل من أوغندا وإثيوبيا مهدت فيما بعد لجولة شرف التي تلتها بأيام قليلة ثم أعقبتها بزيارة لطهران في مطلع الشهر الحالي حملت تباشير جديدة في العلاقات المصرية الإيرانية رغم قضية الدبلوماسي الإيراني الذي اتهم بالتجسس في القاهرة والتي تجاوزها الطرفان سريعا.
في ضوء هذه المعطيات يمكن القول إن توجهات السياسة الخارجية لن تتأثر سلبا أو يقل منسوبها مع غياب الدكتور نبيل العربي عن وزارة الخارجية في ظل حقيقة مؤداها أن صناعة ملامح السياسة الخارجية ليست مسؤولية الوزير فحسب وإنما هي صناعة مشتركة لمؤسسات عدة من بينها أجهزة الأمن القومي وقبل ذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يشكل السلطة العليا في البلاد والذي اختار العربي ورسم بالتوافق معه هذه الملامح ومجلس الوزراء الذي جاء رئيسه من ميدان التحرير مرتكز ثورة الخامس والعشرين من يناير بدليل أن خطوة التوقيع على اتفاقية المصالحة الفلسطينية أشرف عليها جهاز المخابرات العامة وما زال هو القابض على الملف الفلسطيني لأهميته على هذا الصعيد وبالتالي فإنه ليس من المتوقع أن يطرأ أي تغيير على التوجهات الخارجية ولكن بالتأكيد ستكون للوزير الجديد بصماته الشخصية على أسلوب التنفيذ وذلك أمر بديهي فالعربي بحكم منطلقاته الفكرية وخبرته الشديدة الاتساع جعلته يتبنى توجهاته الجديدة ربما على نحو حاد تجاه الكيان الصهيوني وهو ما تجلى في رفضه مقابلة سفيره بالقاهرة على خلفية قضية الجاسوس الذي اعتقل مؤخرا وأوكل هذه المهمة للدبلوماسي المسؤول عن إدارة إسرائيل بالخارجية وتصريحاته التي اتسمت بالقوة في مواجهة مواقف حكومة بنيامين المتطرفة ودعوته إلى عقد مؤتمر دولي للسلام لإنهاء الصراع وليس مجرد إدارته عبر آلية المفاوضات التي أثبتت عدم جدواها خلال العقدين الأخيرين بل حققت مكتسبات للكيان على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ولاشك أن الوزير الجديد سيقابله إرث إيجابي ورصيد قوى سيمكنه من الارتكاز عليه ولن يكون مطلوبا منه سوى متابعة الملفات التي فتحها العربي والمبادرة بفتح ملفاته الخاصة التي تشكل قيمة مضافة للدبلوماسية المصرية التي لم يعد منطق رد الفعل ملبيا لحاجاتها بل ستكون مبادرة بالفعل والإسهام في صناعة الأحداث وتوجيهها على النحو الذي يحقق المصالح الوطنية والقومية لمصر التي غابت طويلا عن أجندتها في العقود الثلاثة الأخيرة.
السطر الأخير:
ارتميت بمسافاتك
باحثا عن خضرة حقولك
فكوني الحنطة المشتهاة
الياقوت الذي يسكن قلبي
أريحينى
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026