رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أي وصف للأحداث التي تشهدها مصر، سيبعد عن الحقيقة إن لم يعش في كنفها، وبعين صادقة لا يحول دخان الحرائق دون أن ترى، وأذن تسمع وحوار يشارك وتحرر من عبودية النظرة المسبقة، أو الهوى على غير ما يتصارع في مصر.
للدم والبارود والغاز روائح لا تغادر الذاكرة، وللموت، فضلاً عن الرائحة، لون ثلجي يلهب الوجدان، وللأوطان لحظات هي عنوان الحقيقة.
حركة الوقائع فوق أرض مصر، الظاهرة للعيان كقمة جبل الثلج، هي محاولات مخاض يحمل ما يتجاوز مجرد الميلاد الجديد، هو مخاض الاسترداد، أمة تحرر إرادتها، وتحرر وطنها، وفوق ذلك كله تسترد دينها لتعود لها هويتها.
إن كان الإيمان ما وقر بالقلب وصدقه العمل، فاللحظة في مصر تحتاج هذه القيمة النبيلة.
وما يحدث فوق الأرض المصرية لن يحسم أمره خارجها، ولكن عندما تتحقق النتائج سيمتد أثرها إلى النظام العالمي الجديد بكل أطرافه.
كنت والأسرة على الطريق الصحراوي من القاهرة إلى الإسماعيلية منذ بضع سنوات، وظهر تكدس للسيارات على جانبي الطريق، ودخان يرتفع وباقترابنا تبين أن نارا اشتعلت في سيارة والجميع يجري إليها بطفايات الحريق، ونزلت لأفعل مثلهم، ولم ينتظر أحد وصولي بطفاية الحريق، بل جاء من حملها وجرى إلى السيارة التي تحترق، وألقيت نظرة داخل السيارة لأجد ثلاثتهم يبكون، أشحت بوجهي بعيدا عنهم مفسرا البكاء أنه سلاح في مواجهة العجز.
ولكن من وجد فرصة البكاء ليداوي إحساس العجز، لم يكن هو من يواجه المشكلة، بالإدراك، والقرار، والفعل.
ويوما سيدرس العالم وقائع ثورة المفاجآت المصرية والمستمرة 32 شهرا حتى اللحظة، عندها سيدرك الدارسون أن من المصريين من واجه المشكلة وعيا وإدراكا وقرارا وفعلا، وهناك من كان يذرف الدموع باكيا ليداوي العجز، فالأمر يتجاوز قدرة التعامل لديها أيضاً من الوعي إلى الفعل، وفي اللحظة سيرصد ضمن دراسته تبدل المواقف تحت عناوين لا تتسق ومصائر الأمم، وسيرصد من يتحدثون عن الذات بأنانية، وحاجة كرسي الحكم إليهم بينما النار تستعر في الوطن، فالوطن ــ مهما علا صراخهم ــ مجرد مساحيق تجميل على وجه مهرج.
ويومها رجال الإستراتيجية وإدارة الأزمات، كيف أن شعب مصر وجوهر هويته الندين، نجح أن يفصل بالسياسة والمواقف بين جوهر الدين والادعاء به للمخادعة، وكيف أن هذا الشعب الذي تصدى لاتهام الإسلام بأنه دين الإرهاب، وقف بكل مكوناته ليواجه الإرهاب فوق أرضه ويدفع الثمن من دماء أبنائه، وعلى الجانبين، فضحايا ضفتي المواجهة كلاهما ضحايا الإرهاب، أحدهم عندما جرت إعادة تكوين عقله متخذا من الانقلاب على أمته سبيلا أوهموه وأقنعوه أنه سبيل الله، والآخر ضحية استحلال الإرهاب لدم أبناء جلدته، بينما قدرته لا تتجاوز سوى إحداث خدوش في جدار الوطن.
كنت عائدا بسيارة تاكسي من وسط المدينة بعد ظهر الأحد الماضي لمنزلي، ولأن الطرق المباشرة لا يمكن توقع حالها ويقترب موعد حظر التجول، فيجب اتخاذ طرق خلفية متعددة، وكانت أزمة لدى غدد من المواطنين أن يجدوا ما يقلهم، ووجدنا شخصا في اتجاهنا فأخذناه معنا، كما كانت حال المصريين خلال زمن حرب 1973 حيث تقف السيارات الخاصة على محطات الترام أو الأتوبيس العام ليعلن سائقها متطوعا عن وجهته ويحمل معه من يستطيع، كان الحديث متصلا مع السائق الموظف بإحدى الشركات العامة حول الأحداث، ومنذ ألقيت سؤالي عليه وهو يتحدث معددا جملة الأحداث من قتل وحرق، وحاولت إشراك "أحمد" الراكب معنا وسألته كيف يرى المستقبل، فأجاب من دون تفكير: سنكون مثل العراق أو سوريا، فأبديت استغرابي من الإجابة ولكن بعد جملتين قلت له: هل هذه رؤيتكم كإخوان مسلمين، وصمت، فمن حديثه وتعليقه أدركت توجهه. انبرى السائق مهاجما الإخوان، فعدت أسأل أحمد ما رأيك فيما قال؟، فرد ببساطة: أنا لم أسمع حرفا مما قال، ومع استطراد السائق إلى وجوب القضاء عليهم، وهاجم أن مرسي خرج من السجن للحكم وهو لا يستحق لأنه متهم بالتجسس، خرج أحمد عن صمته، كيف تقول هذا عن أناس يحفظون كتاب الله، "اتسجنا علشان البلد وانتم كنتم عبيد عند النظام، انتم فرحانين بالعسكر، حيضربوكم بالجزمة وانتم اتعودتم علي كده".
وبدأ في كيل السباب إلى الشعب بألفاظ توحي أنه خرج عن أعصابه لينهي حديثه قائلا: "الجيش اللي سف التراب في 1967 عاملين رجاله علينا ومرسي جاء بالانتخاب"، وكان يجب إيقافه عند هذا الحد، وقلت له: ليس لدي رد عليك سوى أنك خسرت قضيتك بذاتك، فلنوقف الحديث، ولكن السائق لم يتحمل، وظل في حالة رد بكل صنوف القول والاستشهاد. لم أتركهما دون أن أوفق بينهما، ليعتذر كل منهما للآخر، فقد تكون هناك نتائج بعد نزولي تؤدي إلى ما لا نتمنى.
هذه القصة البسيطة تحمل دلالات خطيرة، نظرة التمييز على أساس أنهم حاملون للقرآن، ونظرة التحقير للشعب والجيش معا، ومنتهى رؤيته للمستقبل أن مصر ستؤول إلى حال الاقتتال كما يحدث في العراق وسوريا.
كنت أرجو أن يسمع هذا الحديث القائلون بأن المشكلة مع جماعة الإخوان هي مشكلة مع القيادات، فالحديث أثبت أن الرؤية التي يحملها المرشد العام وعناصر الدعوة إلى الدم، والتهجم على الجيش المصري، استقرت لدى أفراد الجماعة في قواعدها، وهو ما يعظم من الخطر.
لا يحمل هذا التقييم معنى الإعدام للأفراد، فهذا أمر لا يستطيعه أحد، فالجماعة ليست عرقا أو طائفة محددة خارج المجتمع، يمكن أن تقيم لها هلوكوست، إن كان هناك مجنونا يريد فعل هذا، ولكن أفرادها من كيان الأسر المصرية، والانجراف إلى هذه العقيدة هو مشكلة المستقبل، مشكلة إمكانية اندماجهم الطبيعي في نسيج المجتمع.
بل إن أصدقاء لنا كانت تجمعنا ظروف العمل الوطني والنقابي، تطولهم مشكلة إسهامهم في استدعاء لجماعات تحمل السلاح للقتل وبدم بارد، وبلغ الأمر حال معاتبة أحدهم كيف تقبل بما فعله أنصاركم، فيكون رده: لقد طلبوا منا عدم التدخل فيما يفعلون، هكذا لم تعد لديهم حرمة دم ولا شفاعة صداقة.
إن كان حل جماعة الإخوان أمرا يجد إجماعا شعبيا وهو ممكن بالقانون، ويمكن تقنين الأحزاب السياسية بما يفصل بينها وبين ادعاء القداسة باسم الدين، فهل هناك حل يمكن أن يكون بغير هذا القرار الإداري وبغير المطاردات الأمنية باقي عمر أعضائها وما يستجد عليهم من أفراد، لإعادة الأعضاء إلى إدراك أن الوطن هو القضية وليس الوطن "جفنة من التراب العفن" كما قال سيد قطب.
الحرب على الإرهاب في بداياتها، وكانت بعض التحليلات السياسية في أعقاب ثورة يناير تضع تخوفا أن تتحول مصر إلى جزائر أخرى، بينما يومها لم يكن الإرهاب قد تحول إلى ظاهرة مرئية للعيان.
والملاحظ أن المواجهة في القاهرة الكبرى تجد زخما شعبيا يمكنه أن يسهم في مواجهة الإرهاب، ولكن الخطر بدأ في مرسى مطروح وبلغ استخدام المتفجرات لقطع خط السكك الحديدية بينها وبين الإسكندرية.
من الخطأ اعتبار أن مواجهة الإرهاب مهمة الجيش والشرطة فقط، ولكنها بالأساس مهمة الجميع، والشعب في المقدمة، وإذا كان الإرهاب يحمل السلاح، فالشعب يملك الكتلة البشرية، ويمكنه أن يحول بين حركة الإرهاب والأرض، والمنازل، والعقل، ولن يمكن ذلك من دون قناعة بأن الشعب وهو مصدر الإرادة والسلطة هو كل واحد مع الجيش والشرطة.
نعم هناك ما يوجب الحساب على أداءات الفترة الماضية، ولكن اليقظة وعدم استبدال الخصومة رهن بوعي بمدى الخطر.
لم يعد مستساغا أن الشعب وراء الجيش والشرطة، بل الثلاثة معا في مهام متعددة داخل قوة مواجهة واحدة.
وكانت عبارة القائد العام للقوات المسلحة: "إن شرف حماية إرادة الشعب المصري أكثر عزا لنا من شرف حكم مصر"، تعبر عن استيعاب كنا نتساءل هل هو موجود أم لن يتكرر، أن يستخدم وزير الدفاع تعبير الإرادة الشعبية، هو تطور لاحق على التنفيذ، فأضاف إلى العمل عمقا فكريا وانتماء.
إن تعبير الإرادة الشعبية يفرض إدراك أن الشعب المصري قد قام في يناير 2011 بثورة لتغيير نظام الحكم الذي استوعب قائد عام القوات المسلحة أنه عندما يتعارض نظام والإرادة الشعبية والوطن يذهب النظام.
والنظام ليس حكومة أو رئيسا، ولكن النظام بناء شراكة كانت بين السلطة والمصالح أنتج فسادا، وتعاظم هذا الفساد تحت وطأة سياسة التمكين، ووجب تحقيق مطلب التطهير، ولا أقول سياسات المصالحات الرومانسية أو ما يلقب بالعدالة الانتقالية والاستتابة، فالمثل الشعبي يقول: "قالوا للحرامي احلف، قال جالك الفرج". التطهير ومواجهة الفساد والحقوق السياسية تحتاج إلى شرف الثورة وشرف العسكرية المصرية التي قلت بها، أما أن يعيش الشعب بكرامة وعزة وبكل إرادته، أو "نموت أحسن"، هو ذات شعار التحرير "النصر أو الشهادة.
أحد الأعباء التي تواجه الممارسة السياسية في مصر، هو حال النخبة والأحزاب، إنهم يمثلون الثقب الأسود في الحياة السياسية، الذي تلقف أي إنجاز ويحيله إلى سلم تحت عناوين كراسي الحكم دون رؤية إستراتيجية (كما تحدثت أنت عن ماهية إستراتيجية الجماعة، وطن أم سلطة)، إن الحاجة إلى دستور يجري إعداده لا يمكن أن يتم للمستقبل داخل ثلاجة حفظ الموتى، إن حيوية الدستور تتحقق من خلال رؤية للمستقبل وليس مراهقة دينية أو سياسية حول نص المادة الثانية.
الأخطار التي يمثلها الإرهاب مادية يمكن أن تكون نتيجتها قتلا أو حرقا أو قلقلة للنظام، ولكن الأخطار التي يمثلها غياب الكادر المعبر عن الثورة سواء لحداثة السن أو للانتماء بالنفاق، أو بالارتكان إلى أداءات سابقة على الثورة، هو إهدار لمعركة القضاء على الإرهاب واسترداد الوطن.
مصر بدأت مسيرة المستقبل بحرب الوجود ومعركة البناء وتحرير الوطن من الفساد، وهذا كله يحتاج أيضاً شرف الثوار وشرف العسكرية المصرية، الأحمال ثقيلة، ولكن الإرادة تستطيع إن هي أطلقت من عقالها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8358
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4797
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
978
| 02 أغسطس 2026