رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يستطيع المتابع للخطايا السياسية والاقتصادية والكوارث الإستراتيجية التي يرتكبها الجنرال عبد الفتاح السيسي إلا أن يقطع بأن الرجل يهوي بمصر ويتعمد إسقاطها وشل فاعليتها وتكبيل مستقبلها ولهذا فإن محاولتنا لرصد أهم ملامح السقوط المتسارع إنما لتنبيه كل مراكز الحيوية في بلادنا في سبيل حشد كل الجهود المخلصة والطاقات الصادقة للوقوف بسرعة وبقوة في وجه هذا الطاغية المفسد فالخطايا تتوالى والاستنزاف مستمر:
21) حيث العمل على تدشين نظام حكم ديكتاتوري من خلال نظرية المؤامرة التي قامت بدورها بدور خطير في تضليل الوعي العام وتزييف القضايا المحورية وقد باتت البلاد قاب قوسين أو أدنى من النموذج الكوري الشمالي.
22) وضع الجيش في مواجهة الشعب عن طريق العديد من السياسات التي جعلت الجيش طبقة مميزة ومنعزلة ومستعلية ومعادية لجموع الناس وذلك لاستغلال قدرات الجيش في حماية النظام وهو ما جعل شعبيته الجيش تتدنى لدرجة خطيرة وغير مسبوقة.
23) محاصرة المجتمع المدني وتبديد فاعليته لصالح المجتمع الأمني والمخابراتي والمجتمع العسكري عموما وهو ما شمل النقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية.
24) إنهاء كل أوجه النشاط الطلابي داخل الجامعات وعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات التي أفرزتها نتائج الانتخابات برغم أنها لم تتم إلا بعد استبعاد كل النشطاء وكل من ينتمون بشكل أو بأخر للنشاط العام داخل الجامعة.
25) القمع السريع لكل مظاهر الحيوية داخل المجتمعات العمالية بل لقد جاء التعامل العنيف مع الباحث الإيطالي "ريجيني" لأن مجال بحثه كان في هذا المجال حيث تم تجاوز كل الخطوط الحمراء والمستقرة بخصوص التعامل مع الأجانب وهو ما سبب فضيحة كبرى للنظام أمام المجتمع المدني في أوروبا لن يفلت منها بسهولة.
26) الفشل في إدارة الاقتصاد وهو ما أوصلنا لتآكل قيمة الجنية المصري وتعرضه لمخاطر غير مسبوقة وهو ما يلقى بظلاله على حالة المجتمع بشكل عام خاصة الأسعار والبطالة.
27) وجاءت سياسة القروض الخارجية لتكبل الاقتصاد والأجيال التالية والتي كان أبرزها القرض الروسي الذي بلغ 25 مليار دولار وفي ذات الإطار يسعى النظام لتركيع البلاد واستنزاف مستقبلها بالقروض والقيود الخارجية مثل ما جاء بشروط صندوق النقد الدولي.
28) العمل المستمر على دعم مركز ونفوذ الجيش والشرطة والقضاء في مواجهة الشعب الحريات العامة وهو ما وضع آليات الدولة في مواجهة الشعب وهو ما يهدد استقرارها بشكل عميق ودائم.
29) استباحة الدماء بشكل غير مسبوق وهو ما شاهده العالم في المذابح الكبرى مثل رابعة والنهضة أو المذابح الصغرى مثل الحرس الجمهوري ورمسيس وغيرها فضلا عن مذابح الإهمال الطبي بالسجون وأحكام الاعدام بالمئات في مشهد غير مسبوق.. وإذا كان نظام الجنرالات قد ظل يعظم من شأن ثورة 1952 باعتبارها ثورة بيضاء لم ترق فيها قطرة دم واحدة فإن ثورته الأخيرة قد لوثت بدمائها تاريخهم كله!!
30) شرعنة البلطجة كنتيجة لاستخدام جيش البلطجية في 30 يونيو وما بعدها حيث كان لهم دور حاسم سواء في المشاركة في المظاهرات المؤيدة أو تعويق المظاهرات المعارضة والاعتداء عليها ومن ثمّ أصبح النظام يعتمد على البلطجية في الأزمات كما أصبح البلطجية ينظرون لأنفسهم كأحد أهم أركان النظام الجديد وهم على أهبة الاستعداد في كل وقت للتدخل لحماية النظام أو أنتاج شكل جديد لذات النظام.
31) تشويه سمعه الأزهر أعرق مؤسسة دينية في العالم عن طريق استخدامها المهين في تبرير كل سياسات النظام بل وتسويغها.
32) المراهنة على تعميق الطائفية واستغلالها لإيجاد معادلة جديدة للحكم وتوازن القوى تسمح للنظام بالاستمرار بالاستعانة بالظهير القبطي فضلا عن ضمان الدعم الدولي الذي توفره الكنيسة بعد أن أصبحت أهم من وزارة الخارجية.
33) رهن الاقتصاد المصري وموارد البلاد الإستراتيجية لبعض القوى الإقليمية وللكيان الصهيوني مقابل الحصول على بعض المزايا المتعلقة بالتسويق الدولي للنظام وبعض المساعدات المالية وذلك بعد تبديد الأموال الطائلة التي حصل عليها في مقابل الانقلاب على الاختيار الشعبي ولم يعلم أحد حتى الآن أين ذهبت؟!
34) فتح الباب العربي أمام التحالف "الروسي الإيراني" المهدد للأمن القومي العربي والمعادي لشعوب الربيع العربي وشرعنة هذا الحلف الذي كان من المتوقع أن يواجه بغضب عربي كبير رسميا وشعبيا وقد ظهرت بعض ملامح هذا التحالف في سوريا والعراق واليمن وليبيا في إطار دعم الثورات المضادة والطائفية هناك.
35) الارتماء في أحضان إسرائيل بغير حساب سوى الحسابات الضيقة للظفر بكرسي الحكم وهو ما عدّ العصر الذهبي للعلاقات المصرية/ الإسرائيلية وأعطى للمشروع الإسرائيلي في المنطقة قوة دفع جديدة.. وفي هذا الإطار تتم محاصرة غزة ويجري تسليم سيناء للكيان الإسرائيلي عبر مشاريع تدميرها وتأهيلها للانفصال.
كل ما سبق يدعو جميع المخلصين لهذا البلد ولثورته العظيمة "ثورة 25 يناير" أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا ترتيب صفوفهم وتنظيمها في "جبهة واحدة" لإنقاذ بلادهم عبر استعادة ما تبقى من ثورتهم واستكمال تحقيق أهدافها التي أرتبط بها مصير مصر ومستقبلها وكرامة شعبها كما أرتبط بها مصير الربيع العربي كله الذي أصبح قيد التعطيل انتظارا لأن تحسم مصر خياراتها وتنحاز لثورة يناير.. والله الموفق لكل الخير وهو الهادي لسبل الرشاد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4536
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4143
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1215
| 12 مايو 2026