رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

387

د. جاسم الجزاع

احذر... «وهم الحقيقة والطمأنينة المزيفة»

20 أغسطس 2025 , 05:02ص

يقال إن الجهل في معناه البسيط هو فراغٌ كبير في الروح والعقل والنفس، ويمكن ملؤه بالمعرفة، أما «وهم الحقيقة» والذي يسمى أحياناً بـ «الجهل المركب» فهو امتلاء زائف وكاذب، كجدار سميك من القناعات والاعتقادات المضللة التي تمنع وصول ضوء الفهم إلى العقول والبصيرة، فالجاهل البسيط قد يتعلم متى ما أتيح له العلم، أما من يظن نفسه عالِمًا وهو غارق في الوهم، فإنه يغلق على نفسه باب الوصول إلى المعرفة بإحكام، ويصبح الدفاع عن خطئه ووهمه جزءًا من هويته وذاته.

فتخيل رجلًا يسير في صحراء شاسعة واسعة موحشة، وهو يظن أن الطريق الذي يسلكه يقوده إلى الواحة، بينما هو في الحقيقة يتجه إلى هاوية سحيقة مهلكة له، فهذا الرجل بقناعته بنفسه قد لا يبحث عن علامات تدله على الطريق الصحيح، لأنه مقتنع تمامًا أن مساره هو الصواب ولا يعيد التساؤل عن مدى صحة قراراته، وأما الذي لا يعرف وجهته أصلًا، فربما يتوقف، ثم يسأل، أو يتأمل النجوم ليهتدي بها، وهنا تكمن خطورة وهم الحقيقة.. أن هذا الوهم يمنحك طمأنينة مزيفة، ويجعل الخطأ يبدو يقينًا.

وإذا تساءلنا عن كيفية زراعة هذا الوهم، وهم الحقيقة، فإنه يتغذى من مصادر متعددة: كالإعلام الموجَّه، والخطابات الشعبوية، وخداع النخبة الحاكمة أو السياسية أو استخدام الديماغوجيا، أو إيهام الآخرين بالتجارب الشخصية المحدودة غير المفسرة وغير الثابتة بالنتائج، بل وحتى من غرور الإنسان وكبريائه الذي يرفض الاعتراف بجهله، فالعقل البشري يميل إلى الراحة في التصديق أكثر من المشقة في الشك والتحقق، ولهذا، قد يرفض المرء الحقائق الدامغة إذا تعارضت مع ما يظنه “حقيقته” الخاصة أو ما يحب فعلاً أن يعتقده.

وإذا نظرنا إلى التاريخ فسوف نجده مليئاً بأمثلة الشعوب والقادة الذين قد حُجب عنهم النور بوهم الحقيقة، فكم من أمة ظنت أن قوتها لا تُقهر فسقطت، وكم من حاكم ظن أنه على صواب مطلق فقاد بلاده بقراراته إلى الهلاك، فهذا الوهم يجعل الإنسان يتجاهل المؤشرات والتحذيرات، لأنه يراها إما مبالغات أو مؤامرات، بينما هي في الواقع إشارات نجاة ولكنه لم يتوقف عندها.

وإن كسر ما يسمى بـ «وهم الحقيقة» يحتاج إلى شجاعة مضاعفة، شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة مواجهة الذات، وشجاعة تقبل لحقيقة قد تكون مؤلمة أو غير محببة أو مخالفة لما اعتدناه وتوقعناه، وهذه الشجاعة لا يستطيعها إلاّ شجعان الروح والرأي وهي السبيل الوحيد لعبور المسافة بين الوهم والفهم.

وفي النهاية، يمكن القول إن الجهل المبسط مساحة بيضاء تنتظر أن تُكتب ولا يضرها ذلك، لأن الإنسان لا يولد عالماً بل جاهلاً يحتاج إلى تعلم وكذلك كان الإنسان الأول الذي خلقه الله تعالى، أما وهم الحقيقة فهو نصّ مزيف مكتوب بحبر مخادع على ورق مرقع، كلما حاولت أن تضيف إليه الحقيقة، مزّقته كبرياء ضعاف العقول.

مساحة إعلانية