رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عند قراءتنا للتاريخ القديم نجد أنه عندما مات الإسكندر المقدوني الأكبر، لم يترك خلفه مؤسسة قوية قادرة على إدارة الإمبراطورية التي صنعها بقوته وبأسه، بل ترك مساحة واسعة وفراغا كبيرا ينتظران من يملأهما، ولهذا سرعان ما تنازع قادته من بعده على إرثه، وتفتت إمبراطوريته الكبرى رغم اتساعها وقوة جيوشها، فالمشكلة لم تتمركز في شخص الإسكندر، بل المعضلة تكمن في أن الدولة كانت مرتبطة بشخصه أكثر مما كانت مرتبطة بنظام يستطيع البقاء بعده زمنا طويلاً. وكثيرًا ما تُختصر قوة الدول في صورة زعيم قوي، من صفاته أنه سريع القرار، وحاضر في كل تفاصيل المشهد، وقادر على فرض النظام والهيبة وإنهاء الخلافات بكلمة واحدة منه، وخاصة تتجلى هذه الصفات في لحظات الأزمات، فيبدو هذا النوع من الزعماء ضرورة لا غنى عنها ـ إذ تحتاج الدولة أحيانًا إلى من يحسم الأمر ولا يطيل النقاش، وإلى من يتحمل مسؤولية القرار بدل أن يلقيها على الآخرين. وهنا تكون المشكلة.. حين تتحول قوة الزعيم من وسيلة لحماية الدولة إلى بديل عن الدولة نفسها، فقوة الزعماء تقوم غالبًا على شخص الزعيم، في حضوره، كاريزميته، وقدرته على الإقناع، وقدرته على صناعة شبكة الولاءات من حوله، ولذلك قد تكون هذه القوة فعالة وسريعة، لكنها تظل مرتبطة بشخصه وحياته وصحته ومزاجه، فإذا غاب الزعيم أو رحل من الدنيا، غاب معه استقرار الدولة، وظهرت الخلافات التي كان وجوده يؤجلها أو يخفيها. أما قوة المؤسسات، فهي لا تقوم على وجود شخص واحد، بل على قوة القواعد والإجراءات وتوزيع الصلاحيات بين المعنيين والهيكل التنظيمي الداخلي وعلاقة المؤسسات مع الأطراف الخارجيين، والمؤسسة القوية لا تحتاج إلى شخص ذي عبقرية دائمة على رأسها، بقدر ما تحتاج إلى أن تمتلك نظامًا يحفظ الاستمرار، ويمنع القرار من أن يتحول إلى نزوة شخصية، ويجعل انتقال السلطة أقل اضطرابًا وأكثر سلاسة، فقد تكون المؤسسة أبطأ إيقاعاً من سرعة القائد أو الزعيم، لكنها أكثر قدرة على البقاء والاستمرار، وأقل تعرضًا للانهيار عند غياب الأفراد. فالقيادي القوي يستطيع أن يبني مشروعًا قوياً، لكن المؤسسة القوية بنظامها الداخلي وقوانينها تستطيع أن تحمي المشروع بعد غياب القيادي الذي صنعه، وتستطيع أن لا تجعل ما فعلته أيادي القيادي والزعيم الملهم عبارة عن محطة عابرة في مسيرة المؤسسة تنتهي بوفاته وتنهار بعده. لذلك ليس المطلوب أن تكون دولنا وأنظمتنا بلا زعماء أقوياء، فالدول تحتاج بالطبع إلى القيادي الاستثنائي وصاحب الرؤية والقرار الشجاع، لكن هناك فرقا بين زعيم يبني دولته ومؤسسته ويزرع فيها بذور الاستمرار عن طريق تقوية مؤسساته من الداخل وبين زعيم غرق في زهو إنجازاته وانشغل بصورته وحده، ونسي أن يجاوب على التساؤل التالي: كيف أجعل الدولة قادرة على الاستمرار من دوني ومن بعدي؟ فقد أدرك جورج واشنطن أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرته على البقاء طويلاً في السلطة، فغادر الرئاسة طوعًا، وأسهم في بناء نظام سياسي جعل مؤسسات الدولة أقوى من مؤسسها، وقادرة على الاستمرار بعد رحيله، فالزعيم الحق هي الذي يصنع المؤسسات الراسخة في ديمومتها ومناط ذلك عدم الارتهان للأشخاص.
201
| 24 سبتمبر 2026
لا أحد ينكر مدى الحاجة التي أصبحت تراود الجميع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وأحيانًا بل غالباً لا نسأل الذكاء الاصطناعي كالجات جي بي تي وغيره بحثًا عن الإجابة، بل لكي نختبره، فنسأله سؤالًا نعرف مسبقًا ما الذي نريد سماعه، فإذا وافقنا ابتسمنا قليلًا ثم يساورنا الشك: لعله يجاملني؟ ولعله صاغ الإجابة على هواي ومرادي؟، فنغيّر السؤال، ونعيد صياغته، وربما نقول له: لا أريدك أن توافقني، بل خالفني، فإذا خالفنا شعرنا فجأة أن الإجابة أصبحت أكثر موضوعية!، لكن لماذا؟ وهل مجرد مخالفة الرأي تجعل الإجابة أكثر صحة؟ والغريب أن هذه المسألة لم تعد مجرد انطباع شخصي فقد تناولتها دراسات حديثة حول علاقتنا بالذكاء الاصطناعي، ووجدت في بعضها أن الإنسان قد ينظر إلى الرأي المخالف الصادر عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أقل تحيزًا من الرأي الآخر وكأننا بدأنا نمنح الآلة شيئًا من الحياد الذي لم نعد نمنحه لبعضنا البعض. والمشكلة أننا ما زلنا نسيء فهم وظيفة الذكاء الاصطناعي ودوره أنه ليس شيخًا نسأله عن الفتوى، ولا طبيبًا نستفتيه لأجسادنا، ولا قاضيًا نستقضيه خصوماتنا، ولا مفكرًا يمتلك سر الحقيقة، بل هو أداة هائلة لجمع المعرفة وترتيبها وتحليلها ومقارنتها وصياغتها، وقيمته الكبرى ليست دائمًا في أن يقول لك: هذا هو الجواب الألمعي، وإنما في أن يريك كم جوابًا يمكن أن يوجد للسؤال الواحد يفتح كل جواب منها أفقاً جديداً، وهنا تكمن ثورته الحقيقية، فلقد نقل الإنسان من مشكلة ندرة المعلومات إلى مشكلة أخطر بكثير. ماذا نفعل أمام زخم المعلومات المتضادة؟ ولهذا قد يكون أخطر استخدام للذكاء الاصطناعي أن ندخله ونحن نبحث فقط عمّن يؤكد أفكارنا القديمة. لذلك أرى أن طريقة سؤالنا له قد تكون أهم من الإجابة نفسها، فلا تسأله فقط: هل رأيي صحيح؟ بل قل له: ما أقوى الحجج التي تنقض رأيي وتضاده؟، ثم اسأله: ما الأدلة التي تؤيد الرأي الآخر؟ وما المصادر؟ وما الذي لا نعرفه بعد؟ وما درجة ثقتك بهذه النتيجة؟، بل أحياناً يمكن أن تطلب منه أن يتقمص دورين متناقضين، دور يدافع عن الفكرة أولًا، ثم دور ثان يهدمها ثانيًا، وبعدها يقارن بين الحجتين، وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من "أداة وآلة تصنيع للإجابات" إلى شريك فعلي لك في التفكير، وكلما كان السؤال أكثر دقة، والسياق أوضح، وطلب المصادر أكثر صرامة، أصبحت النتيجة أنفع وأفضل، مع بقاء ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية في المسائل الحساسة والمتخصصة. وربما المفارقة الكبرى هنا ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الإنسان الذي يجلس أمامه، فالانسان مجبول على الارتياح لمن يوافقه الرأي ويتجنب بطريقة ما من يخالفه في آراءه، لكننا أمام الآلة نرى أن الفرد منا يطلب العكس: "خالفني حتى أثق بك"، وهذه فرصة فكرية نادرة برأيي، لأن قيمة الذكاء الاصطناعي لن تكون في أن يفكر بدلًا منا، بل في أن يجبرنا على التفكير بطريقة أفضل، فلا تصدق إجابة ما لأنها وافقتك، ولا تصدقها لأنها خالفتك أيضاً، بل صدّق الدليل الذي استطاع أن يثبت حجته.
507
| 16 سبتمبر 2026
عملتُ أستاذًا جامعيًا أدرّس مواد الإدارة والقيادة الإستراتيجية للطلبة في إحدى الجامعات في الكويت، لكن اهتمامي بالتاريخ وتعمقي فيه إلى جانب حضوري في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال المحتوى التاريخي، دفع الجامعة إلى تكليفي بتدريس مادة «الحضارة العربية الإسلامية» إلى جانب تخصصي الإداري، وقد درّست هذه المادة مرارًا وتكرارًا، وفي كل فصل دراسي كنت أكتشف حجم الفجوة بين أبناء الجيل الحالي وتاريخ أجدادهم، فالطالب الآن قد يعرف الكثير عن ما وصل إليه الغرب من حضارة ملموسة، وينبهر بجامعاتها وعلمائها ومدنها، لكنه يتفاجأ حين يسمع أن أوروبا نفسها أرسلت أبناءها يومًا إلى قرطبة وطليطلة وصقلية ليتعلموا ويترجموا كتب العرب، وعندها بدأت أتساءل: كيف يعرف أبناؤنا تفاصيل النهضة الأوروبية، بينما يجهلون الدور الذي أداه أجدادهم العرب والمسلمين في صناعتها؟ لم تكن المشكلة حينها للأمانة في ضعف المعلومات التاريخية وحده لديهم، بل في الصورة التي تكوّنت داخل وعي الجيل الحالي، فمخيلتهم ترى الغرب منتجًا دائمًا للعلم، وترى العرب مجرد مستهلكين له، حتى أصبح بعض شبابنا يتعامل مع التخلف وكأنه صفة أصيلة فينا نحن العرب، وحين كنت أشرح للطلاب أن الأندلس لم تكن مجرد حقبة سياسية، بل جسرًا انتقلت عبره المعارف العربية إلى أوروبا، كنت أرى الدهشة في وجوههم، وكأنهم يسمعون تاريخًا لا يخصهم، فعلاً.. لقد نجح أعداؤنا في تقديم حضارته بوصفها قصة إنسانية مبهرة، بينما فشلنا نحن في تعريف أبنائنا بتاريخهم، فتحولت ذاكرتهم إلى مساحة فارغة ملأها الانبهار بالغرب. والحقيقة التي علمتها لهم أثناء المحاضرات أن العرب لم يقفوا على هامش النهضة الأوروبية في ذلك الزمان، فقد تحولت طليطلة إلى مركز لترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية اللغة الرسمية في كثير من دول أوروبا، وظل مثلاً كتاب "القانون في الطب" لابن سينا مرجعًا في الجامعات الأوروبية قرونًا عديدة، وأسهمت كتب أبو القاسم الزهراوي في تعليم الجراحة ووصف أدواتها، بينما وضع ابن الهيثم أسسًا مهمة لدراسة الضوء والرؤية البصرية، وفي الرياضيات، قدّم الخوارزمي علم الجبر، وارتبط اسمه بمصطلح "الخوارزمية" الذي يقوم عليه العالم الرقمي اليوم، أما ابن رشد فقد ترك أثرًا كبيراً في الفكر والفلسفة الأوروبية، فلم يكن أجدادنا العرب والمسلمون مجرد ناقلين لتراث اليونان والرومان كما تردد بعض الروايات والحجج، بل ترجموا ونقدوا وجرّبوا وأضافوا، ثم انتقلت أعمالهم الأدبية والمعرفية عبر الأندلس وصقلية وعن طريق حركة الترجمة والاحتكاك بالغرب، لتصبح جزءًا من المعرفة التي بنت عليها أوروبا نهضتها اليوم. لذلك فإن تدريس هذه المادة جعلني أوقن أن أزمتنا ليست في غياب التاريخ نفسه، بل في ضعف تقديمه وترويجه وتشجيع الجيل لقراءته، ولذلك تقع المسؤولية على وزارات التربية والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في تحويل منجزات الحضارة العربية الإسلامية من صفحات جامدة إلى وعي حي، وذلك عبر المناهج المشوقة، والأفلام الوثائقية، والمسلسلات التاريخية، والمتاحف الرقمية، والمحتوى القصير القادر على الوصول إلى الجيل بلغته.
294
| 09 سبتمبر 2026
دائماً ما يجد الإنسان نفسه أمام باب قد أُغلق أمامه بإحكام، كعلاقة مع شخص انتهت، أو مشروع تجاري خسره، أو وظيفة مرموقة فقدها، أو حلم تأخر حتى تغيّرت ملامحه وقل الشغف، فيقف أمام سؤال قد صعبت أمام إجابته السبل: هل أواصل مقاومة ما حدث، أم أتصالح معه؟ وهل يكون التصالح شجاعة ووعيًا، أم اسمًا مهذبًا للهزيمة؟ لقد اعتدنا في أطروحاتنا الشعبية أن نمدح من يقاتل حتى النهاية، وأن ننظر بشيء من الدونية إلى من يقول: "قد قبلت ما جرى لي"، كأن القبول ضعف، وكأن القوة تعني أن نظل في حرب دائمة مع الحياة ومعتركاتها، ولكن ليست كل مقاومة بطولة، فقد تكون أحيانًا عجزًا عن الاعتراف بأن هذا الفصل قد انتهى، وأن الإصرار على فتح باب أغلقه القدر قد يستهلك العمر الذي كان يمكن أن نبني فيه أبوابًا أخرى. لذلك فالتصالح مع القدر لا يعني أن لا نعترف بإيلام الجروح، أو أن الظلم كالعدالة في طعمه، أو أن الخسارة لم تكن قاسية على القلب والعقل، ولا يعني أن نتوقف عن المطالبة بحقوقنا أو إصلاح أخطائنا، بل يعني أن نرى الواقع كما هو، من غير إنكار ولا تجميل لصورته، ثم أن نمنع ما حدث لنا بالأمس من الاستيلاء على ما بقي لنا في قابل الأيام. فالمهزوم هو من يرفع شعار "لا شيء يمكن فعله"، أما المتصالح فيقول: "قد لا أستطيع تغيير ما وقع، نعم صحيح لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سأفعل بعده"، ولذلك نجد المستسلم يسلم مستقبله للماضي، بينما الذكي الفطن يأخذ من الماضي معناه، ثم يرفض أن يمنحه بقية عمره. والإنسان لا يختار ما ينزل به القدر من حوادث، لكنه يختار بإرادته ما قد يصنعه بعد ذلك، فإما أن تكون الخسارة حفرة يقيم فيها مدداً من العمر، وقد تصبح نافذة أمل جديدة يرى منها نفسه والعالم بصورة جديدة، ولهذا قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير»، فما يؤلمنا اليوم قد يوقظنا غدًا، وما نظنه إبعادًا لنا عن الطريق قد يكون إنقاذًا من طريق لم يكن لنا، وصدقت العرب حين قالوا: «رُبَّ ضارة نافعة»، فبعض ما نسميه في ثقافتنا الشعبية "سوء حظ" ليس في حقيقته إلا إعادة ترتيب لحياتنا، ولا نفهم حكمتها ونحن داخل الحدث، وإنما تتضح لنا بعد أن نعبر الحدث و تأثيره. فالحكمة ليست أن تحب كل ما جرى لك من أحداث مؤلمة، فالحب والكره أتركه لك فلا نتشدد في القبول المشاعري، ولكن الأهم أن تعرف كيف تعيش بعد تلك الحوادث من غير أن يتحول الجرح إلى هوية دائمة، وأن لا تجعل خسارتك تعريفًا لك، ولا تسمح لمكانة وظيفية فقدتها، أو شخص طعنك من الخلف في وقت الحاجة، أو فرصة ثمينة ضاعت بين يديك، أن تقنعك بأن قيمتك قد تزعزعت. وهكذا يكون "التصالح مع القدر" سلاحاً لنا في تقبل النتائج بشكل إيجابي وذكي، دون أن نتعثر تعثراً ديموماً وسبيلاً لتحرير طاقتنا، وبدايةً لاختيار جديد في حياتنا، فإنه بذلك يصبح واحدًا من أرقى أشكال الذكاء الاستراتيجي، فليس القوي من ينتصر في كل معركة، بل من يعرف أي معركة يخوض، وأي باب يطرقه، وأي خسارة يودعها ثم يمضي.
453
| 02 سبتمبر 2026
في منتصف القرن العشرين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بهجوم على كوبا إلا أنها لم تطلق رصاصة واحدة ! بل استخدمت سلاحاً أكثر هدوءاً و نعومة.. "السكر"، فقد قرر الرئيس الأمريكي أيزنهاور خفض حصة السكر الكوبي في السوق الأمريكية بنحو آلاف الأطنان، ولم يكن السكر يومها مادة لتحلية القهوة والشاي والمشروبات الساخنة فحسب، بقدر ما كان شرياناً يغذي الاقتصاد، ومفتاحاً تستخدمه الدول للضغط على خصومها، فكيف استطاعت حبيبات بيضاء كالسكر أن تبني إمبراطوريات، وتستعبد شعوباً، وتشعل الثورات والاضطرابات ؟ فقد بدأت الحكاية في الهند، حيث عرف الناس قصب السكر وطوّروا طرق استخلاصه وتحويله إلى بلورات وحبيبات قابلة للحفظ والنقل، ثم انتقلت زراعته إلى بلاد فارس، وأسهم اتساع الحضارة الإسلامية في نشر صناعته في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا، ثم الى صقلية والأندلس، وظل السكر في أوروبا سلعة نادرة لا تصل إلا إلى قصور الملوك وموائد الأثرياء بشكل نادر، ومن يملك السكر يومها يملك النفوذ والمال، وإلى هذا الحد نجد الأمر لا يخلو من تطور طبيعي لكن التحول الأخطر بدأ عندما عبر السكر المحيط الأطلسي، فأدركت القوى الأوروبية أن الطلب عليه يتزايد، فحوّلت مساحات من البرازيل وجزر الكاريبي إلى مزارع ضخمة لقصب السكر، وهنا لم يعد السكر محصولاً زراعياً، بقدر ما أصبح نظاماً وممارسة سياسية، فترى أرضاً تحتلها دولة ما، وبشر يُختطفون من تلك الأرض وجيوش تقمع الثائرين لأرضهم ويراهم الغازي متمردين !، فقد كانت الملعقة حلوة في لندن وباريس، لكن خلفها إنسان مقيّد في أراض بعيدة مقهورة. ولأن الأرباح الكبيرة التي يجنيها عرابو السكر لا تبقى في عالم الأسواق وحدها، فقد دخل ملاك مزارع السكر إلى عالم السياسة، وشكّلوا جماعات ضغط أثّرت في الضرائب والتجارة والبرلمانات، فعندما ألغت بريطانيا العبودية في القرن التاسع عشر، خصصت عشرين مليون جنيه لتعويض مالكي العبيد، بينما لم يحصل المستعبدون أنفسهم على شيء!، انتهت العبودية في صفحة القانون، لكن الدولة حرصت أولاً على طمأنة التجار دون العبيد. وفي القرن العشرين أصبح السكر جزءًا من الصراع بين الولايات المتحدة وكوبا، إذ كان الاقتصاد الكوبي يعتمد بدرجة كبيرة على بيع السكر في السوق الأمريكية، وبعد الثورة الكوبية وتأميم ممتلكات الشركات الأمريكية ردّت واشنطن بخفض مشترياتها من السكر الكوبي، ثم تطور الخلاف إلى عقوبات اقتصادية حادة، واقتربت بسبب ذلك كوبا من الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية، ولذلك لم يكن الصراع سياسيًا فقط، بل كان أيضًا صراعًا على التجارة والمال والمصالح والنفوذ. فعلا.. إن تاريخ السكر يعلمنا أن السلع والمنتجات ليست بريئة كما تبدو في ظاهرها، فالسياسة وممارساتها وحروبها تُصنع وتدار في القصور والبرلمانات ومجالس الشيوخ، لكنها قد تبدأ أحياناً من حقل زراعي، أو ملعقة صغيرة تسقط في كوب من الشاي مثل السكر، فكما أنه حلو في مذاقه، لكنه ترك تاريخاً سياسياً شديد المرارة.
297
| 25 أغسطس 2026
عندما اعتلى الخليفة الأخير الأموي مروان بن محمد منصب الخلافة سنة 127هـ، لم ير أمامه دولة فتية مستقرة، بل وجد نفسه قد ورث دولة أنهكتها الصراعات الداخلية، وتعددت فيها مراكز النفوذ والقوة، واتسعت الفجوة بين السلطة والشعب، فكانت الدولة الأموية يومها تقف على مشارف النهاية والخروج من الزمن، والخليفة مروان مثل رجل صعد إلى سفينة مثقوبة بعد أن اشتد بها الموج، ثم طُلب منه أن يبلغ بها شاطئ الأمان !، وكان يقول للناس: لقد ركبت من دولتنا مركبًا صعبًا، فلا تلوموني. نعم قد كان قويًا، وصاحب خبرة عسكرية وقدرة على الصبر والمواجهة، غير أن شجاعة القائد لا تكفي دائمًا لإنقاذ دولة تراكمت عليها أمراضها، فالدول لا تسقط فجأة، ولا تنهار بسبب معركة واحدة، بل تبدأ نهايتها عندما تعجز عن تجديد نفسها، وتستهلك قوتها في نزاعاتها الداخلية، وتستمر في استعمال الأدوات القديمة لمواجهة واقع جديد صعب وغامض مثل دعوة بني العباس والخراسانية، وبعد نحو خمس سنوات فقط من حكمه، سقطت الدولة الأموية سنة 132هـ في معركة الزاب، والعبرة هنا أن بعض الدول تموت قبل إعلان وفاتها، وذلك حين تفقد الثقة بينها وبين الشعب، وتضعف قدرتها على الإصلاح، ويصبح همّ قياداتها حماية مواقعهم بدلًا من حماية مستقبل الدولة. والدولة نوع من أنواع المنظمات، وإن كانت أكثرها تعقيدًا واتساعًا، ولذلك فإن الأمراض التي تصيب الدول يمكن أن تصيب الشركات والجامعات والوزارات والجمعيات، مهما كان عمرها قصيرًا، ومن هنا يظهر مفهوم «شيخوخة المنظمة»، وهو لا يعني بلوغها عددًا معينًا من السنوات، بل فقدانها المرونة والفضول والقدرة على التعلم والتطور، فقد نجد مؤسسة لم يمضِ على تأسيسها سوى خمس سنوات، لكنها تُدار بعقلية تجاوزها الزمن، فتبدأ الشيخوخة عندما تتضخم الإجراءات، ويتباطأ القرار، وتكثر الاجتماعات دون نتائج، وتصبح المظاهر أهم من الإنجاز الحقيقي، وتزداد حين تتحول متابعة المسؤول إلى تهديد للموظفين، والنقد إلى إساءة، والاختلاف مع المسؤول إلى مخاطرة وظيفية، فعندها يغادر أصحاب الأفكار المجيدة، ويصمت أصحاب الخبرة الوتيدة، ويتقدم أصحاب المجاملة والنفاق، فنجد منظمة تشتري أحدث الأنظمة التقنية، لكنها تستخدمها لخدمة بيروقراطية قديمة، فتبدو شابة في مبناها وشعارها، لكنها هرمة في عقلها وقراراتها، لذلك يقول أحد مفكري الإدارة إن أخطر علامات الشيخوخة أن تنشغل المنظمة بتمجيد تاريخها، ولا تمتلك تصورًا واضحًا لمستقبلها. أما العلاج الذي لا بد منه لا ينشغل ابتداء بتغيير الشعار، أو تبديل المسميات، أو إعادة هيكلة شكلية فتوهم الجميع بأن التغيير قد وقع، إنما العلاج الحقيقي يبدأ بإعادة الرشد إلى عقل المنظمة، من خلال مراجعة الإجراءات وإلغاء ما فقد ضرورته وأهميته، ويتم تفويض الصلاحيات من أجل التمكين للجيل القادم من القيادات، وتقليل المستويات الإدارية، وتسريع صناعة القرار، وكما تحتاج المنظمات إلى منح الموظفين مساحة آمنة للنقد والاقتراح، ومن الضروري أن ترتبط الترقيات بالكفاءة والإنجاز، لا بالقرب من مراكز النفوذ والواسطات والمعارف، وأن تُفتح الأبواب أمام قيادات ووجوه وأفكار جديدة، ويظل اعتراف القيادة بأخطائها أهم وسائل العلاج السديد لأن المنظمة التي ترفض تصحيح نفسها وتجويد أفعالها في أوقات الاستقرار، ستجبرها الأزمة على التغيير في أحلك الظروف، فالمؤسسات لا تشيخ بكثرة أعوامها، إنما تشيخ إن تركت ما يفيد إلى ما لا يفيد.
174
| 18 أغسطس 2026
على مدار الأزمنة والعصور، نجد أنه لطالما انساقت الشعوب بضميرها الطيب والبسيط وراء خطابات براقة ومعسولة من بعض الساسة والسياسيين تَعِدهم بالمدينة الفاضلة والرخاء الذي لا ينقطع، لتستيقظ الشعوب لاحقاً على واقع هش وبنيان مترهل، وهنا نتساءل وحق لنا أن نتساءل.. هل خدعتنا الديماغوجيا السياسية حقاً، أم أننا كنا شركاء متواطئين في هذا الانخداع؟، بداية فالديماغوجيا بمفهومها في الادبيات السياسية ليست مجرد خطاب بليغ أو بلاغة لغوية للاستهلاك الجماهيري، بل يعرفها الباحثون أنها منظومة سياسية لفن " تسويق الوهم " عبر استخدام الكلمات الرنانة الملهبة للعواطف والأحاسيس البشرية وإثارة الأمنيات، وإذكاء الغرائز العصيبة، وتقديم إجابات شعبوية مبسطة ومغلوطة لمعضلات هيكلية واقتصادية واجتماعية معقدة بشكل كبير، فهي تستخدم ببراعة فائقة في صناعة رأي الجماهير، لترسم لهم إما عدوًا وهميًا أو بطلًا أسطوريًا منقذًا، مما يعطل ملكة التفكير النقدي لدى الشعوب ويستبدلها بالحماس الأعمى والتبعية المطلقة. أما أركان الديماغوجيا السياسية فتقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية، أولها استقطاب الشارع عبر خطاب متطرف في التأثير المعنوي ويعتمد كلياً على ثنائية الحق المطلق والباطل المطلق (نحن الأخيار في مواجهة الأشرار)، وثانيها الاستبدال الممنهج والمخطط للحقائق والأرقام المعقدة بشعارات عاطفية رنانة تخاطب البطون والرغبات والأحاسيس المشتعلة بعيداً عن مخاطبة العقول المفكرة، وثالثها شيطنة النقد والتحذير منه وتصويره على أنه جزء من مؤامرة خفية تتآمر على مصالح العامة، فهذا المثلث بمثابة الخلطة السحرية التي تضمن للمتحدث أمام الشعوب السيطرة المطلقة على الوعي الجمعي، وتخدير عقلهم، متجاهلاً التحديات الحقيقية المتمثلة في بناء الدول وتطوير مؤسساتها بكفاءة. ولعل التجربة السياسية المعاصرة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تقدم نموذجًا مباشرًا لتوظيف "الديماغوجيا السياسية" ببراعة فائقة في تهييج الشارع وإثارة النعرات والعصبيات، فلقد اعتمد خطابه الأساسي على زرع حالة من الذعر والخوف الوجودي لدى أتباعه ومحبيه، محذراً إياهم باستمرار من "أعداء خفيين" يتربصون بالدولة من داخل العقر الأمريكي نفسه، ويصور لهم أن كيانهم وهويتهم مهددة وفي خطر دائم دون أن يكلف نفسه العناء في تقديم تعريف واضح أو دليل حقيقي على هؤلاء الخصوم والأشرار، مكتفياً بصب الزيت على النار وإثارة الفوضى العارمة هناك، ولتحقيق هذه الغاية، نجد أن الرئيس ترامب وظّف مصطلحات تستفز العصبيات العرقية والعنصرية وتوقظ الغرائز القومية الضيقة لدى قطاعات واسعة من أتباعه، محولاً السياسة إلى مسرح شعبي محموم وملتهب يمده بالتعصب والانقسام، ويقصي تماماً لغة العقل والأرقام، مما يفسر ذلك الولاء الأعمى والتعصب المطلق الذي تبديه قواعده الشعبية متجاهلةً تماماً التداعيات المدمرة لتلك السياسات على نسيج دولتهم هناك بأكملها. إذن، وأمام هذا المشهد المعقد والمتقلب، ما هو دورنا كشباب عربي تجاه هذا التغلغل الديماغوجي المستمر والمتجدد في عالم السياسة وأهلها ؟، نجد أن مواجهة هذا التغلغل الديماغوجي يتطلب بناء حصانة فكرية في عقولنا قوامها النقد الحي والمنطقي، والتشكيك الإيجابي في كافة الشعارات المطلقة التي لا تستند إلى براهين أوأدلة مادية ملموسة، وينبغي على النخب الفكرية العربية والمثقفين العرب تفكيك الخطابات الشعبوية وتوضيح مآلاتها على المدى البعيد، بدلاً ممن الاكتفاء بالاستنكار السلبي الانسحاب.
612
| 04 أغسطس 2026
نلاحظ أنه عندما تشتبك أدوات التأثير الرقمي العابر للقارات مع الجهل المريع الثقافي، ينتج حينها خطاب إعلامي يحمل في طياته إشكاليات عميقة فقد جاءت التصريحات والمواقف الأخيرة مع الأسف لإيلون ماسك، مالك منصة "إكس"، لتعكس معضلة جوهرية لا تتعلق فقط باختلاف الآراء، بل بجهل منهجي واضح بحقيقة الإسلام كديانة عالمية كبرى ومنظومة حضارية وتشريعية متكاملة، وإن هذا التناول السطحي والساذج الذي صدر في لقائه الأخير تجاه مفهوم الإسلام، يعيد تسليط الضوء على خطورة تصدر شخصيات ذات نفوذ واسع للمشهد الفكري دون حد أدنى من الموضوعية أو الاستناد إلى ثقافة رصينة تفهم الأديان خارج إطار الصورة النمطية والمستنقعات الإعلامية الضيقة والموقف والانطباع المسبق. وإن هذا الاختزال العنصري ضد الإسلام وعزله عن جذوره العقدية والتاريخية والحضارية لا يُرى أبداً كزلّة عابرة، بل هو انعكاس لأزمة فكرية تعاني منها بعض النخب المؤثرة على المشهد العالمي حين تتعامل مع الهوية والثقافة للآخر بمنظور أحادي القطب، فالإسلام لم يكن يوماً مجرد طقوس معزولة أو ممارسات مشوهة، بل هو إرث إنساني يرتكز على قيم مستقرة في العدل والكرامة وبناء العمران البشري، ويتجلى حجم الخلل لدى ماسك حين يُقارن موقفه بمنهج نخب فكرية وغربية منصفة، فنجد على الصعيد الآخر مؤرخين ومفكرين كباراً سبروا غور الحضارة الإسلامية وأعدوا حولها دراسات موضوعية عميقة، كالمستشرقة الألمانية زغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" التي وثقت أثر الحضارة الإسلامية الإنساني والفلمنكي، وكذلك المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي الذي أشاد بالقيم الاجتماعية للإسلام وقدرته على الإخاء بين البشر ومحو العرقية، فضلاً عن إنصاف المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون لعدالة التشريع الإسلامي وسماحته، فعندما يُصدر قائد مؤسسة رقمية تتحكم بملايين التدفقات المعلوماتية أحكاماً متسرعة تغفل هذا التاريخ العريض، فإنه يسهم بلا شك في تكريس حالة من الجهالة الجمعية وتغذية للخوارزميات بما يخدم تعميق الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب، ويتجاوز بذلك مسؤوليته الأخلاقية والمعرفية في إدارة فضاءات كان من المفترض أن تكون مخصصة لتبادل الفهم الصحيح وتقريب وجهات النظر بين الشعوب ومنع تكريس الصور المشوهة والجهل المركب. فأمام هذه المعطيات، فإن ما نملكه تجاه هذا الأمر يتجاوز حدود الاستنكار المؤقت إلى ضرورة تبني استراتيجية عمل واعية ومؤسسية، فإننا مطالبون أولاً بإنتاج خطاب معرفي وثقافي رصين يؤثر بلغات حيّة وبطريقة جديدة عصرية ليخاطب العالم بعقلانية عن المقاصد وشمولية الحضارة الإسلامية، وثانياً - في رأيي المتواضع - الضغط الفكري والمؤسسي عبر استثمار المساحات المتاحة في المنصات الرقمية لفرض السردية الحقيقية التي تعبر عن هويتنا وليس كما يشوهها الآخرون، فالرد الحقيقي على الجهل لا يكون بالانكفاء عنه والإنزواء، بل بصناعة الوعي المضاد، وتطوير أدواتنا التأثيرية، وبناء حضور استراتيجي يمتلك القدرة على تفكيك هذه الاتهامات وتقديم الإسلام في صورته العالمية النقية كقيمة حضارية وإنسانية لا غنى عنها للبشرية جمعاء.
447
| 28 يوليو 2026
تُعد دولة قطر للمتأملين أنموذجاً حياً وفريداً في الاستخدام الذكي والاستراتيجي لمفهوم "القوة الناعمة" في العلاقات الدولية وبناء الصورة النمطية للدولة، حيث نجحت دولة صغيرة المساحة في حجز مكانة ريادية ومؤثرة على الساحة العالمية وهذا ملاحظ للعيان، فقد تأسست هذه الرؤية الطموحة وترسخت ركائزها الأولى في عهد الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستكمل مسيرتها بنفس الوتيرة والتوجه الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وتجلت هذه القوة في منظومة متكاملة ومتعددة الأبعاد، فبدأت بإطلاق شبكة "الجزيرة" الإعلامية التي أحدثت ثورة استثنائية في المشهد الإعلامي العربي والعالمي، ومروراً بالاعتماد على اقتصاد وطني قوي وتكتيكات استثمارية مرنة عبر فقه الإدارة المالية للدولة القطرية في إدارتها لأصول مالية ضخمة في مختلف قارات العالم، وكما أثمرت هذه الجهود بالاستضافة التاريخية والاستثنائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، والتي أبهرت العالم وغيرت الصورة النمطية عن المنطقة العربية والعرب وأخلاقهم، فضلاً عن ترسيخ مكانة الدوحة كعاصمة عالمية موثوقة للوساطة السياسية وحل النزاعات الدولية المعقدة بالطرق السلمية كالتي بين أمريكا وطالبان وغير ذلك، مما جعل من قطر رقماً صعباً في التأثير في الجيوسياسية الإقليمية والدولية. ومع ذلك، فلنكن واقعيين، فإن دخول دولة قطر لمرحلة "ما بعد القوة الناعمة" يفرض عليها اليوم مواجهة جملة من التحديات الجديدة والمعقدة لضمان استدامة هذه الميزة المكتسبة ألا وهي " القوة الناعمة" والتي استغرق بناؤها عقوداً وجهوداً، فليس الأمر كافياً بأن تحقق لك تأثيراً استثنائياً وقوة ناعمة إنما التحدي هو استمرار هذا التأثير وتنميته، والحفاظ على هذا الزخم التأثيري يتطلب جهداً استراتيجياً وفكرياً قد يفوق جهد التأسيس نفسه، فالعالم المعاصر الآن يشهد تحولات متسارعة في مراكز القوى العالمية، كالحروب الفجائية كالتي بين أمريكا وايران حالياً وتأثيرها على دول الخليج وقطر، ووجود زيادة ملحوظة في حدة التنافس الشرس الإقليمي والدولي على أدوار "الوساطة" بين الدول وإدارة الملفات الحساسة، وكذلك الاستثمارات الرياضية والاقتصادية، وتأثير المنصات الإعلامية وتصارعها، ومن أبرز التحديات التي تواجه قطر في هذه المرحلة الانتقالية هي كيفية تحويل هذه القوة الناعمة التأثيرية إلى طبيعة ثابتة تنموية ذات نمو مستدام وطويل الأجل، بالإضافة إلى التعامل المرن والمستمر مع الحملات المضادة من الخصوم ومنها الضمنية المخفية ومنها العلنية المكشوفة كالمحاولات السياسية لتشويه هذه الإنجازات، فضلاً عن التحدي الاجتماعي المتمثل في ضرورة الموازنة الدقيقة في المستقبل بين الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم العربية والإسلامية للمجتمع القطري، وبين الانفتاح الفكري العالمي المتزايد والمعقد. لذلك يكون الانتقال بنجاح إلى مرحلة "ما بعد القوة الناعمة" وتطوير آلياتها لزيادة فاعليتها وتأثيرها واستدامتها، بأن تتبنى الدولة القطرية استراتيجيات تطويرية مبتكرة ومواكبة للمستقبل للحفاظ على "القوة الناعمة"، ومن ذلك أنه يجب التركيز المكثف على تعزيز أكثر للقطاعات المختصة بالاستدامة، كالابتكار التكنولوجي، واقتصاد المعرفة، والذكاء الاصطناعي، وحماية الثقافة التنظيمية وصياغة القيم المجتمعية، لتتحول الدوحة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والحلول الرقمية ومصنع للقيم المؤسسية، وأيضاً من الضروري بناء "الدبلوماسية الثقافية الشعبية " من خلال دعم أكثر لقطاعات التعليم العالي، والبحث العلمي، واستقطاب أفضل الكفاءات والعقول العربية والعالمية مما يحول قطر أكثر إلى منارة فكرية رائدة ذات تأثير مستدام، وأخيراً يمكن للدولة أن تقوم بزيادة مساحة قوتها الناعمة من خلال قيادة ملفات حيوية وإنسانية وعالمية جديدة " غير سياسية" تتصدر الاهتمام الدولي، مثل مكافحة التغير المناخي مثلاً، أو ملف الاستثمار في الطاقة المتجددة، أو الابتكار في تأمين سلاسل الإمداد والأمن الغذائي العالمي وغير ذلك مما يستجد، مما يضمن الحفاظ على تحول القوة الناعمة القطرية من مجرد أداة لإثبات الحضور في المشهد العالمي وبناء السمعة القوية، إلى استراتيجية بنيوية راسخة تسهم وتساهم في صناعة "الدولة المؤثرة المستدامة" ويمنعها من الاضمحلال في مصادر القوى.
360
| 21 يوليو 2026
إن رحيل القادة الكبار لا يمكن اعتباره مجرد غياب لقامة سياسية فقط، بقدر ما هو اهتزاز عميق في وجدان العارفين بقيمة أولئك القادة حق المعرفة، فقد غمر الحزن الأوساط العربية والإقليمية والدولية بنبأ رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجاء هذا العزاء العالمي الذي لم يكن بروتوكولياً روتينياً تفرضه الأعراف الدبلوماسية بين الدول، بل الحقيقة أنه جاء كموجة جارفة من التقدير الخالص الذي آمنت به مختلف القوى والشخصيات العالمية والنخب الأكاديمية والفكرية الحرة مروراً إلى البسطاء والعوام بتباين مشاربهم الفكرية والسياسية والاجتماعية الذين طالتهم أيادي التأثير الإيجابي القطرية، فأجمعت الردود على أن غياب هذا الرجل يمثل طي صفحة من الدبلوماسية الفريدة والريادة الاستثنائية في الفكر السياسي والتنموي التي ندر تكرارها، وهذا الصدى الدولي الواسع والمؤثر بمثابة انعكاس حقيقي لثقل تاريخي وتراكم استراتيجي لرجلٍ لم يهدأ يوماً عن نسج شبكة من العلاقات المتوازنة القائمة على الندية والاحترام المتبادل في آن واحد، جاعلاً من وطنه الصغير جغرافياً مؤثراً عملاقاً سياسياً، واقتصادياً، وإنسانياً يُشار إليه بالبنان في كل محفل إقليمي ودولي، ومثبتاً للعالم أن قيمة الدول إنما تقاس بعمق الفكرة الجامعة وليس بحدودها الجغرافية. ويتجلى في سيرة الأمير الوالد – رحمه الله - نموذج حي وعملي لـ "القيادة التحويلية" بأبهى صورها وأكثرها نضجاً، فتلك المدرسة القيادية والمنهج الإداري الحديث الذي تبناه الراحل لم يكتف بإدارة الواقع القائم أو التكيف مع ظروفه، بل سعى جاداً لإعادة صياغته وهيكلته بالكامل وفق رؤى مستقبلية بعيدة المدى، فالقارئ في رؤية الشيخ الأمير الوالد – رحمه الله - يجدها تجاوزت الاقتصار على تشييد ناطحات السحاب واستثمار تدفقات الغاز السائل وتكديس الاحتياطيات النقدية إلى الاهتمام بالدرجة الأولى على الاستثمار في الفرد القطري باعتباره الثروة الحقيقية والركيزة الأساسية لأي تنمية مستدامة، وفعلاً لقد نجح عبر أدوات التمكين الإداري والتغيير الهيكلي الجذري، في تحويل المجتمع من نمط الاستهلاك السلبي إلى نمط الإنتاج المعرفي الواعي، مستقطباً كبار الحواضر الأكاديمية والجامعات العالمية عبر المدينة التعليمية وكذلك الخبراء العرب وغير العرب في شتى المجالات، ومؤسساً لمنظومة إعلامية رائدة غيرت وجه الإعلام العربي تمثلت في قناة الجزيرة، ومطلقاً لاستراتيجيات تنموية متكاملة صهرت الفرد القطري في بوتقة الحضارة والمدنية دون المساس بثوابته الأخلاقية والدينية، فالقيادة التحويلية لدى الأمير الراحل هنا تجسدت في قدرته الفائقة على إلهام شعبه، وزرع الثقة في نفوسهم، ورفع سقف طموحاتهم ليتجاوزوا عقدة الضيق الإقليمي نحو آفاق العالمية الرحبة، وواضعاً بذلك أسساً متينة للتنمية المستقلة التي لا تهتز أمام عواصف الاقتصاد وتقلبات السياسة الدولية. ولكي نمنح هذا الإرث التنموي حقه الكامل من التقدير والاستمرارية، لا بد من تحويل ممارسات الأمير الوالد الراحل في الحكم والإدارة من مجرد تجربة تاريخية قطرية إلى منهج علمي ونموذج إداري متكامل يُحتذى به ويُدرّس في كليات السياسة والإدارة عبر مراكز التعليم كالجامعات وغيرها، فإن استلهام ممارساته وتطبيقها الفعلي يتطلبان تبني عقيدة "الجرأة العقلانية " في اتخاذ القرارات التاريخية، والإيمان المطلق بقدرات وطاقات الشباب الوطني القطري وجعلهم محرك التغيير.
297
| 15 يوليو 2026
بينما كنت أتابع إحدى المنصات العربية، استوقفتني أطروحة ألقاها أحد الذين يقتاتون على إثارة الجدليات العقيمة في وسائل الإعلام، ويمارسون هواية ضرب الأصول والمرويات التاريخية التي استقرت في وجدان الأمة العربية وضميرها الثقافي لقرون طويلة، حيث راح هذا المتحدث ينكر بجرأة تامة وقوع حوادث جمة ومنها حادثة "عام الفيل" جملة وتفصيلاً، مستنداً إلى قراءات قاصرة وتأويلات مستشرقين حاولوا التشكيك في النص القرآني عبر نقوش أثرية أسيء فهمها، ويغلب عليها الجهل والجهالة، وإن هذا الإنكار المتهافت دفعني تلقائياً لإعادة قراءة هذه القصة العظيمة وتأملها بعمق وجدية أكاديمية، فحملة أبرهة الحبشي لم تكن في حقيقتها مجرد رد فعل، بل كانت تمثل حلقة من حلقات الصراع الجيوسياسي المحتدم بين القوى الكبرى العالمية التي تحيط بالجزيرة العربية، فلقد كانت القوة المسيحية البيزنطية والأحباش تسعى بكل ثقلها لبسط النفوذ الاستعماري على الدويلات والقبائل العربية، والدخول في صراع إستراتيجي مباشر مع النفوذ الساساني الوثني، وفي هذا السياق، تحرك أبرهة من حالة الخمول والتبعية ليرسخ حكمه في اليمن، محاولاً تحويل أرض العرب إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات السياسية، والسيطرة على خطوط التجارة البرية العالمية المارة عبر الحجاز وتهامة، والتي منحت مكة موقعاً إستراتيجياً وممراً حيوياً للقوافل الشرقية. وفي غمرة هذا الصراع الاستعماري المحموم، جاء بناء أبرهة لكنيسته الشاهقة التي عُرفت بـ "القليس" في صنعاء، مستعيناً بأحجار جُلبت من قصر بلقيس، ومزيناً إياها بالذهب، والفضة، والرخام، والياقوت الأحمر، في محاولة بائسة لإبهار ملك الحبشة والقيادة الرومانية وصرف حج العرب إليها وتحويل حركتهم الاقتصادية والدينية لليمن بدلا من العمق الحجازي. ولأن أيديولوجية الطغيان تعمى دائماً عن فهم الوجدان العقدي وحرمة المقدسات لدى الشعوب وجالبة للفوضى في الإقليم، فقد ارتكب النصارى الأحباش خطأً إستراتيجياً وفادحاً حينما حاولوا استفزاز مشاعر القبائل العربية وتحدي رمزية الكعبة المشرفة، وتعددت الروايات التاريخية حول الشرارة المباشرة التي جاءت كرد فعل لهذا الاستفزاز، ومنها قصة دخول رجل من كنانة العرب وتدنيسه لجدران القليس بالقاذورات لبيان حقارتها رداً على دعوة السلطة اليمنية النصرانية لتهميش الكعبة المشرفة. وعندها حشد أبرهة جيشه العرمرم المدعوم مادياً ومعنوياً من القيادة الإثيوبية والرومانية، يتقدمه فيل ضخم يُدعى "أبو الفيلة"، وحاصر مكة مساقاً بطغيانه وجبروت آلته العسكرية، وتجلت أسمى مواقف السياسة المحنكة والعقلانية في رد سيد قريش عبد المطلب بن هاشم، حين قال لأبرهة بثقة مطلقة ويقين حازم بعدما طلب استرداد إبله المسلوبة: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه !، ولأن العوامل البشرية والقوانين المادية تفرض الانسحاب، واللجوء إلى رؤوس الجبال لعجز القبائل العربية عن مواجهة هذا الجيش الطاغي كحسبة مادية، إلا أن النتيجة النهائية تظل دائماً معلقة بمشيئة مسبب الأسباب وحده، وحين وجهوا الفيل صوب مكة ليدخل الحرم، برك الفيل الأكبر وأبى التقدم رغماً عنهم، بينما كان يهرول سريعاً إذا وجهوه نحو اليمن أو الشام أو المشرق، ولم ينتهِ الطغيان البشري حتى أتاهم أمر الله ونزل العذاب الإلهي بالمغمس، حيث أرسل الله أضعف جنده طيراً أبابيل متتابعة ومتفرقة، تحمل حجارة من سجيل حوّلت ذلك الجيش العرمرم إلى "عصف مأكول".، كما خلدها الله للبشرية في سورة "الفيل"، ولقد أبيدت تلك المخططات الشيطانية بالكامل، وهلك الطاغية أبرهة بجسد يتساقط قطعة قطعة حتى انصدع صدره في صنعاء، ليتوج هذا النصر الرباني برفع مكانة مكة وقريش دينياً وسياسياً بين سائر القبائل العربية، وليصبح هذا العام تاريخاً مجيداً تؤرخ به العرب، وإرهاصاً ودلالة واضحة على شرف البيت الحرام الذي شهد في نفس العام مولد المصطفى ﷺ.
396
| 07 يوليو 2026
يُقصد بسيكولوجية الجماهير كما يعرفها البعض بذلك العلم الاجتماعي والنفسي الذي يدرس سلوك الأفراد عندما ينخرطون في حشد أو جماعة بشرية، حيث تذوب حينها الشخصية الواعية للفرد الواحد لصالح "عقل الجماعة "، وهو تصرف يقوده الوجدان لا المنطق، وتتراجع فيه ملكة النقد الذاتي خوفاً من بطش الجماعة، وتعد كتابات الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، ولا سيما كتابه العمدة والمشهور بـ "سيكولوجية الجماهير"، الحجر الأساسي والمنطلق الفكري الأبرز في هذا المجال المعرفي، حيث يرى لوبون أن الجماهير ليست مجرد تجمع عددي، بل هي كيان نفسي جديد يتميز بالاندفاع والشراسة، وسرعة التصديق، والتبسيط الساذج للأفكار المعقدة، والنزوع نحو التطرف والغلو في المشاعر، حيث يتحرك الحشد البشري ككتلة واحدة مدفوعة بالغرائز البشرية واللاوعي الجمعي، وحسب نظريته، فإن المحرك الأساسي لهذه الجماهير ليس الحقيقة العقلانية أو البرهان العلمي، بل المحرضون والزعماء الذين يتقنون استخدام لغة العاطفة والديماغوجيا، والعدوى النفسية، والتركيز على الصور الذهنية المؤثرة والتكرار المستمر للكلمات ذات المعنى المؤثر، مما يسهل قيادة الحشود وتوجيهها نحو أهداف محددة عبر الشعارات الحماسية الملهبة للمشاعر بدلاً من الحجج والبراهين والخطط المنطقية المفصلة. ومع دخول القرن الحادي والعشرين وما بعد الألفية، نجد أنه لم تتغير الغرائز البشرية لسيكولوجية الجماهير في جوهرها ومنطلقاتها، لكن "البيئة الحاضنة" الحالية التي تنشط فيها شهدت تحولاً جذرياً غير مسبوق في التاريخ البشري، فلقد انتقلت الجماهير من الميادين الملموسة والشوارع إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ليتشكل مفهوم "الجماهير الشبكية الافتراضية" التي تجتمع وتفترق في ثوانٍ معدودة عبر وسم "هاشتاق" أو مقطع مرئي واسع الانتشار، والفارق الجوهري في عصرنا هو أن العدوى النفسية والتحريض اللذين تحدث عنهما لوبون أصبحا يعملان بسرعة وعبر القارات، وتذكيهما وتزيدهما خوارزميات ذكية مصممة خصيصاً للفت الانتباه وإثارة الغضب والمشاعر لزيادة التفاعل، وهذا الواقع الجديد أنتج ظاهرة شبيهة بـ "غرف العزلة"، حيث يعزل الأفراد أنفسهم داخل إطارات فكرية متشابهة تعيد إنتاج آرائهم وتضخمها، مما يضاعف الاستقطاب السياسي والاجتماعي، ويجعل الجماهير الرقمية أكثر حدة وشراسة في إقصاء المخالفين وممارسة الاغتيال المعنوي والإلغاء الرقمي مما أظهر مفهوم "الذباب الإلكتروني"، والتي هي مدفوعة بوهم المعرفة وسهولة التعبئة عن بُعد دون أدنى مسؤولية واقعية. لذلك فإن مواجهة الآثار السلبية والمخاطر الناتجة عن سيكولوجية الجماهير الحديثة لا تعني محاولة كبحها تدفق الآراء الجمعية أو قمعها، بل تتطلب إعادة صياغتها بذكاء عبر أدوات هذا العصر ذاته، لتحويلها من طاقة عاطفية تدميرية مساقَة من أطراف شريرة إلى قوة بناءة واعية ومسؤولة في المجتمع، فتبدأ هذه الصياغة بـالتحصين المعرفي الشامل للشعوب، من خلال إدراج مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية الرقمية في المناهج التعليمية، لتمكين الأفراد منذ الصغر من تفكيك السرديات والحكايا الموجهة وتمييز الأخبار الزائفة من الحقائق، وتلي ذلك خطوة إدارة الخوارزميات، عبر فرض تشريعات وقوانين ملزمة لشركات التكنولوجيا الكبرى تمنع المتاجرة بانفعالات البشر وتحد من صناعة الاستقطاب المصطنع، وأخيراً يكمن الحل في تحويل "التفاعل الافتراضي" السلبي إلى "مشاركة مدنية" إيجابية، من خلال توجيه الزخم الرقمي الجارف نحو مبادرات تنموية، وتطوعية، وفكرية حقيقية تؤثر إيجاباً على أرض الواقع.
699
| 30 يونيو 2026
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3030
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2214
| 23 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1038
| 27 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
768
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
726
| 23 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
669
| 28 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
564
| 27 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
519
| 22 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
459
| 25 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
429
| 23 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
عدد المقالات 150
عدد المشاهدات 153225
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل