رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالله النعيمي

• باحث في العلاقات الدولية والسياسات العامة

مساحة إعلانية

مقالات

111

عبدالله النعيمي

حين يلتقي صن تزو بمكيافيلي

20 أغسطس 2026 , 11:08م

في زمن يُعاد فيه اختبار قواعد اللعبة الإستراتيجية في الشرق الأوسط باستمرار، يجد كثير من المحللين أنفسهم يعودون إلى نصين قديمين ليسا من هذا العصر ولا من هذه الجغرافيا: "فن الحرب" للقائد الصيني صن تزو، و"الأمير" للمفكر الإيطالي نيكولو مكيافيلي.

النصان، رغم الفارق الزمني والثقافي الهائل بينهما، يلتقيان عند سؤال واحد: كيف تبقى قوة صغيرة أو متوسطة على قيد الحياة، بل وتتمدد، في محيط مليء بالخصوم الأقوى؟ وقلّما توجد حالة معاصرة تستحضر هذا السؤال بقدر ما تستحضره إيران.

الانتصار بلا قتال: المبدأ الأشهر عند صن تزو هو أن ذروة المهارة الإستراتيجية ليست في الفوز بالمعارك، بل في إخضاع الخصم دون خوضها أصلاً. من يتابع السياسة الإيرانية منذ مطلع الألفية يلاحظ نمطًا يشبه هذا المنطق: التمدد عبر الفراغ لا عبر المواجهة المباشرة. حين أطاحت الولايات المتحدة بنظامي صدام حسين في العراق وطالبان في أفغانستان، لم تدخل طهران في صدام مباشر مع واشنطن، بل استثمرت في الفراغ الذي خلّفته تلك الحروب، فوسّعت نفوذها في العراق ولبنان واليمن وسوريا عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء، لا عبر جيش نظامي يعبر الحدود.

هذا النمط – الاعتماد على القوى بالوكالة، والتفاوض المطوّل، والغموض الإستراتيجي بدل المواجهة الصريحة – يقرأه كثير من الباحثين كتطبيق غير معلن لمبدأ المناورة الذي يتحدث عنه صن تزو: وأن تُظهر للخصم غير ما تُبطن، وأن تجعله يخطئ في تقدير نواياك وقدراتك.

الضرورة فوق المبدأ: في المقابل، يقدّم مكيافيلي عدسة مختلفة قليلاً، لكنها متقاطعة. جوهر فلسفته السياسية هو أن الحاكم الذي يريد البقاء لا يحكمه القانون الأخلاقي المثالي، بل "الضرورة"– أي ما تفرضه الظروف الفعلية بصرف النظر عمّا هو مرغوب أخلاقيًا. من هذا المنطلق، يمكن قراءة التناقضات الظاهرية في السياسة الإيرانية – التفاوض في وقت، والتصعيد بالوكالة في وقت آخر، ونفي المفاوضات علنًا بينما تجري فعليًا من وراء الكواليس – ليس كدليل على ارتباك، بل كتطبيق عملي لمبدأ مكيافيلي القائل إن الدول التي تشعر بتهديد وجودي تتصرف بحسب ما تفرضه اللحظة، لا بحسب صورة مثالية منسجمة.

مكيافيلي يضيف أيضًا فكرة أن يكون الحاكم مهابًا أفضل من أن يكون محبوبًا، إن تعذّر الجمع بينهما. وهنا يمكن فهم إصرار طهران على الاحتفاظ بأدوات الردع – من البرنامج الصاروخي إلى الشبكة الإقليمية من الحلفاء – كرسالة ردع لا تراهن على العلاقات الودية بقدر ما تراهن على كلفة الاعتداء على مصالحها.

حين يتقاطع المنطقان: اللافت أن المنطقين، الصيني والإيطالي، لا يتعارضان بقدر ما يتكاملان في القراءة التحليلية لسلوك طهران: فالخداع الإستراتيجي عند صن تزو يحتاج غطاءً مؤسسيًا يبرره، وهذا ما يوفره منطق "الضرورة" عند مكيافيلي.

الدولة التي تتصرف بحسب ما تمليه ضرورات البقاء، تجد في أدوات المناورة وسيلة مشروعة – من وجهة نظرها– لتحقيق تلك الضرورة: لكن ثمة تحذيرًا منهجيًا لا بد منه هنا: مقاربة نص صيني من القرن الرابع قبل الميلاد، ونص إيطالي من عصر النهضة، وإسقاطهما على دولة حديثة معقدة، يحمل خطر التبسيط.

السياسة الإيرانية ليست نتاج قراءة متعمدة لصن تزو أو مكيافيلي، بل نتاج مزيج من الأيديولوجيا الثورية، والحسابات الأمنية، والبراغماتية البيروقراطية. النصان الكلاسيكيان هنا أقرب إلى عدسة تحليلية تساعد على تفسير الأنماط، لا إلى مفتاح تفسيري وحيد وكافٍ.

خلاصة...

سواء نظرنا إلى طهران عبر عدسة "الانتصار بلا قتال" الصينية، أو عدسة "الضرورة" الإيطالية، تبرز صورة لدولة تدرك حدود قوتها التقليدية، فتعوّض عنها بالصبر الإستراتيجي والغموض والوكالة. وربما يكون الدرس الأهم من الجمع بين النصين أن السياسة الخارجية الإيرانية، بعيدًا عن قراءتها كسلسلة تناقضات، تُفهم بشكل أفضل حين تُقرأ كإستراتيجية طويلة النفس تراهن على الوقت لا على الحسم، وهذه مجرد النظر من زوايا متعددة للكاتب في محاولة لتحليل وضع سياسي في القرن الحالي مقارنة بنصوص كتبت في قرون سابقة، لطالما كانت ضمن مراجع تحليلية في كثير من الظواهر السياسية والجيوسياسية في أوقات كثيرة.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية