رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الداعية إنسان في أصله.
ولذا لا غرو أن يدبَّ بين جوانحه - بين الفينة والأخرى- الخوف الطبيعي.
لكن أن يكون هذا الخوف حاجزًا عن الخير، أو مسيطرًا على العقل، أو حجر عثرة، أو ما يسميه العامة (بُعبُعًا) في الطريق، فهذا ليس في حسِّ المؤمن، ولا يمكن أن يسكن خلاياه.
كنت أُحدث الكثير من إخواني الدعاة عند طرح طرف من هذا الموضوع وخاصة في هذا الوضع الراهن، الذي نال فيه الدعاة والمصلحون الويل والتنكيل، قائلًا: انظروا عبر التاريخ في مسيرة الدعاة الذين نصروا الأمة، ورفعوا من شأنها، وساندوها في طريق البحث عن حريتها وكرامتها وعدالتها وعيشها الكريم، ووقفوا أمام تيارات التغريب والتخريب، ها هم اليوم في المصاف الأولى في حياة الناس، وفي السلم الأول للنجاح، وهم المتقدمون عند الجماهير، والموثوقون في الفتاوى الدينية أو الاجتماعية أو حتى السياسية.
المؤمن الواعي الحصيف لا يتسلَّل إليه الشيطان في أيَّ فتنة، ينسج الشيطان خيوطها لتخويفه، أو إعاقته عن عمل، بل هو بصير بالأمور، مدرك لعواقبها.
لقد تتبَّعت تاريخيًا عددًا كبيرًا من الناجحين الدعاة والعلماء، ووجدت أن مسيرتهم لم تكن حافلة بالمتعة والمشي على الورد.
بل وجدت الصعاب والمشاقَّ والآلام النفسية والجسدية غالبًا،
لكن في مقابل ذلك لم يخسروا دنياهم، بل - والله- إن الدنيا أتت إليهم وهي راغمة، ولم يخسروا الناس، لأن الصدق تظهر دلائله، وإن حاول تشويهها المغرضون.
ومع إيماني بهذا المعنى، ومعايشتي له، حدثني أحد شيوخي حديث القرآن عن الخوف، مما زاد يقيني، وأصَّل معناه عندي، حيث ذكر أربعة أنواع من الخوف، فزدتُ في توضيحها وبيانها.
إن الخوف الذي يصيب الإنسان ويعيقه عن الدعوة أنواع فنَّدها القرآن الكريم، وهي:
أولا: الخوف من أعداء الله، وما يمتلكونه من وسائل الإرعاب، وهذا الخوف ليس صحيحًا، بل هو مجرد وهم، كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: ١٧٥]، ومعنى يخوف أولياءه: يحاول أن يحيطهم بهالة من الخوف لعلهم يخافون، لكنَّ كيده ضعيف: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: ٧٦].
إنها قاعدة القوة الإيمانية والقوة العتادية، وبعدها يأتي نصر الله الذي لا يُقهر.
وكم رأينا في تاريخ اليوم من عبر، فها هي القوة العظمى - كما يسمونها - تُذل على أيدي أبطال الحجارة، الذين يواجهونهم من منطقة الصفر، ويصيدون ضباطهم كما يصيدون النعاج.
ثم النوع الثاني من أنواع الخوف: الخوف على المصالح، فكثير من الناس قد أخذ موقعه في خريطة المجتمع، وله مكانة قد تبوَّأها، فلا يريد أن يفقد تلك المكانة، أو تلك الوظيفة، أو ذلك المال، أو ذلك المنصب، ومن هنا فهو خائف على ما أحرزه، لكن هذا الخوف - كذلك- ردَّه الله بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٢٨]. والعَيلة الفقر.
وكم رأينا اليوم من دعاة كبار ومصلحين عظام فَتحت لهم الدنيا أبوابها، وتسابق الناس لخدمتهم، وتقدموا في صفوف عدة في ساحة الحياة، وما ذلك إلا لأنه رِزق الله، الذي لا يستطيع أحد ردَّه.
النوع الثالث من أنواع الخوف: الخوف من التشويه، فكثير من الناس لا يحاولون نصرة الدين، خوفًا من أن يكونوا عرضة لألسنة الناس، وأن تتكالب عليهم الألسنة، فيشوَّهوا بأنواع الألقاب المزرية، ويوصفوا بالنعوت المرعبة، لكن لا يتذكر هؤلاء أن الله (عز وجل)، المتصف بصفات الكمال، المنزه عن النقائص، زعم الناس له صاحبة وولدًا، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء) [المائدة: ٦٤]، (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالوا إن اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) [آل عمران: ١٨١]، هل ضرَّ الله هذا التشويهُ شيئًا؟، ورسل الله الذين اصطفاهم الله من خلقه، وأكمل خلقهم وهو القادر على ذلك، (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14]، مع ذلك ما منهم أحد إلا قيل فيه كذَّاب، مجنون، ساحر، كاهن، طالب سلطة، (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات: 53]، فهل ضرَّ الرسل هذا التشويه شيئًا؟، ما ضرَّهم.
وما نحن إلا حلقة صغيرة من سلسلة طويلة، فيها نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن على آثارهم من المقتدين، فكل نكبة أصابت حلقة من تلك الحلقات لابد أن تصيب كل الحلقات، لكنها نكبات مباركة، فنكبة أصابت نوحًا أو أصابت إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، أو محمدًا (صلى الله عليه وسلم) مرحبًا بها وأهلاً، هذه النكبات التي تصيب الإنسان على طريق الحق نكبات مباركة، أصابت من هو خير منا، ولسنا أكرم على الله منهم، فلذلك إذا أصابنا شيء منها فهي نعمة اختارنا الله بها، فأكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.
والعاقبة للمتقين، والتشويه يعتمد على خيوط ضعيفة، وأعمال رخيصة، يبدِّد الله وهنها، ويمضي دعاة الحق في سبيلهم وصعودهم، لأن الباب الوحيد الذي لا يستطيع أعداء النجاح أن يوصدوه، هو: توفيق الله.
وكذلك من أنواع الخوف وهو الرابع: الخوف من التكاليف، فكثير من الناس لا يمنعهم من نصرة دين الله إلا أنه يخشى أن يتكلَّف بتكاليف وأعباء، وأن يُجهِد نفسه بأعمال يظنُّ نفسه في غنى عنها، أو أنه بالإمكان ألا يكلِّف نفسه ذلك العناء، لكن الواقع أنه قد باع نفسه وماله لله، وأنه بذلك لن تزداد تكاليفه، فليس الإنسان يملك إلا نفسه وماله، وقد باع ذلك لله (عز وجل)، فكيف يخشى من زيادة التكاليف بعد ذلك، إن هذا من غرور الشيطان للإنسان، يظن أنه إن سعى لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه فإن التكاليف عليه ستزداد، والأعباء ستتضاعف، والواقع خلاف ذلك، فكلما ازداد الإنسان تضحية في سبيل الله سهل عليه البذل، وازداد نشاطًا وأُهبة لنصرة دين الله، وما عليكم إلا أن تجرِّبوا ذلك، فإن الذين سبقوكم كلما ازداد أحدهم في العمر ازداد في التضحية.
هذا أبو طلحة الأنصاريّ (رضي الله عنه) وقد زكَّاه النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) تزكية كبيرة، فأخبر أنَّ صوته في الجيش خير من مئة أو من فئة، فعن أنس بن مالك، "أنَّ أبا طلحة، قرأ هذه الآية: (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً) [التوبة: ٤١]، فقال: استنفرنا الله، وأمرنا الله، واستنفرنا شيوخًا وشبابًا. جهِّزوني، فقال بنوه: يرحمك الله، إنَّك قد غزوت على عهد النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعمر، ونحن نغزو عنك الآن، فغزا البحر، فمات، فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها، فلم يقدروا عليه إلا بعد سبعة أيام، وما تغيّر". [رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وابن حبان].
إذن الخوف السلبي هو المعيق عن العمل والتقدم، وهو الجُبْن بعينه، أما الخوف الذي يؤدي إلى الحذر المنطقي إنما هو خطوة إيجابية في طريق العمل.
وسينقلب الخوف على أعداء الدين والحق والحرية والكرامة، وسترهبهم هبَّة سلمية، ويقلقهم شعار يعبرُ القارات، وستبتهج قلوب المؤمنين، ويزيدهم الله ثباتاً، وعلى طريقه فلاحاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026