رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
واحدة من صفات عباد الرحمن، هي الحلم والإحسان وعدم مقابلة السيئ بمثله. لماذا ؟
لأنهم في طاعة الله جُل وقتهم، لا ينشغلون بتوافه وسفاسف الأمور حولهم، وما أكثرها..
إنهم في جدهم ووقارهم وقصدهم إلى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة، تجدهم لا يتلفتون إلى حماقة حمقى وسفاهة سفهاء، كما يقول صاحب الظلال في تفسيره، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين.. (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). لا يقولون ذلك عن ضعف، ولكن عن ترفّع؛ ولا عن عجز، إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة، بما هو أهم وأكرم وأرفع.
كثيرون منا في زحمة هذه الحياة، وخاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تراهم يتأثرون لكلام هذا وذاك من الناس، فينشغل أحدهم بها أيما انشغال، ويتألم منها كثيراً وطويلاً، وتراه مشغول البال في كيفية رد الصاع صاعين !
لكن من وفقه الله لأن يكون من عباد الرحمن، أو قريباً منهم، تجده وقد اعتبر حياته أغلى وأرقى من أن تنزل إلى تلكم المستويات الدنيا من التفاعل مع الآخرين، لأنه اختار منهج التغافل أو التجاهل في حال الإساءة إليه بقول أو فعل، ليقينه التام أن التغافل فعلٌ إرادي ناتج عن إحاطة وإلمام وإدراك بما يدور في البيئة المحيطة.
وهذا يعني أن التغافل أقرب إلى أن يكون حكمة من الإنسان حين يختاره وسيلة للتعامل مع المسيئين في موقف ما، كقوله تعالى في آية أخرى ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ).
الفرق بين العبيد والعباد
إذن عباد الرحمن كما جاء وصفهم في سورة الفرقان، ولأنهم عرفوا الله حق معرفته، فعبدوه حق عبادته، كانت نتيجة تلك المعرفة وذلكم العمل، استحقاقهم درجة الانتساب إلى الله عز وجل، فهم عباد له وليسوا عبيدا، والفرق بين الكلمتين كبير. إنّ كلمة عباد تُضاف إلى لفظ الجلالة، كما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله، فالذين يعبدون الله يُضافون للفظ الجلالة، فيزدادون تشريفاً، فيُقال: عباد الله أو عباد الرحمن. أما كلمة عبيد فهي تُطلق على عبيد الناس وعبيد الله معاً، وعادة تُضاف إلى الناس. والعبيد تشمل الكل، محسنهم ومسيئهم، كما ورد في سورة ق (ما يُبدلُ القَولُ لدي وما أَنا بظلَّام للعـبيد).
إنّ كل بني البشر عبيدٌ لله في هذه الأرض. المسلم والنصراني واليهودي والمجوسي وكذلك الملحد الذي لا يؤمن أساساً بوجود الخالق ! العبيد يعاملهم الله في أمور أساسية حيوية وبشكل متساو لا يُظلم في كونه وملكه أحد، وتعالى الله وتنزه عن الظلم.. تجده سبحانه يرزق البر والفاجر، والمؤمن والملحد. لا يقطع ماء ولا هواء عن الذين يجحدونه ويكفرونه ويشركون به، ولا غير ذلك من نعمه التي لا تُحصى. الكل سواء هاهنا، لكن في الحياة الأخرى القادمة ولو بعد حين، الأمور لن تكون كذلك، وبالطبع ستتغير..
لكن ليس الكل يرضى أن يكون في درجة العبيد، بل تجد آخرين يبذلون الجهد للخروج من نطاق العبيد، والدخول إلى نطاق أو منزلة العباد، وليس أي عباد، بل عباد للرحمن. وحين يسمي الله تعالى الذين يتقربون إليه ويعبدونه حق عبادته بأنهم عباد للرحمن، فإنّ هذه التسمية أو هذا الوصف يمكن اعتباره جائزة دنيوية قبل تلكم الأخروية المنتظرة بإذنه تعالى، بل ربما هذه التسمية بشرى لعاقبة طيبة وجزاء عظيم في الآخرة.
الأمن والاستقرار الداخلي
ما يهمنا هاهنا هو كيف وصل عباد الرحمن الى ما هم عليه، كي يمدحهم ويذكرهم الخالق في قرآن يُتلى الى يوم الدين؟
لاشك أن السر يكمن في ذلكم الأمن أو الاستقرار الداخلي، الذي يأتي كنتاج طبيعي ليقين وإيمان بالله عميق، والذي به يغنى المرء، وبه تعتدل صحته، وبه أيضاً يحقق نجاحات مستمرة على شكل ترقيات ودرجات ومكافآت، وغيرها من صور النجاحات المادية والمعنوية في الدنيا قبل الآخرة..
الأمن الداخلي الناتج عن عميق الصلة والإيمان بالله، بسببه نعيش في سلام، وإن كان ما حولنا في قلق وفوضى أو رعب وبلوى، وبالتالي نبدع وننتج بشكل ايجابي. إنّ الذي نسميه بالسلام أو الأمن الداخلي، هو الذي يدعـو عباد الرحمن الى عدم الخوض في جدال عقيم ومراء لا يفيد.. فقد أدرك هؤلاء أن هذه الحياة ليست حالة ثابتة تجعلهم مستنفرين طوال حياتهم لأي أمر، أو يتقاتلون ويتنافسون على مباهجها وجميل ما فيها، أو يتعاركون بسبب تفاهات وهوامش تسنزف طاقاتهم في الأقل أهمية عن المهم، أو المهم عن الأكثر أهمية.
عباد الرحمن تراهم مدركين أن كل ما في هذه الحياة العاجلة من أحداث ووقائع لن تستمر، بل زائلة دون أدنى ريب، وبالتالي أي قلق أو توترات بشأنها ستزول أيضاً. ومن هذا الفهم العميق للحياة ومفرداتها وأدبياتها، يعيش عباد الرحمن في سلام عميق، منتظرين السلام الدائم من السلام سبحانه، وقد ظفروا بجائزتهم المنتظرة، جنة عرضها السموات والأرض، وما أغلاها من جائزة (يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).
فاللهم اجعلنا وإياكم منهم.
توازن التهدئة وفرص السلام
برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى... اقرأ المزيد
66
| 24 مارس 2026
أنت لها يا سمو الأمير
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل... اقرأ المزيد
102
| 24 مارس 2026
اللهم أخرجنا منها سالمين
أحدثكم اليوم من مكتبي وقد عدنا إلى مقار أعمالنا بعد أن أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء عودة العمل... اقرأ المزيد
54
| 24 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2850
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
927
| 17 مارس 2026