رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعتبر الدكتور منصف المرزوقي نفسه أول رئيس جمهورية حقيقي في تونس، حيث يرى أن النظام الذي ساد في البلاد منذ الاستقلال (1956) كان «جملوكيا». لأن كلا من بورقيبة وبن علي كان ملكا في زمانه. هذا آخر حوار معه قبل أن ينتقل إلى قصر قرطاج.
(1)
لم أستغرب ما قاله بعد اختياره رئيسا للجمهورية، حين أعلن أن الانفلات والفوضى إذا لم يتوقفا في تونس خلال ستة أشهر، فإنه سوف يستقيل من منصبه، معتبرا أن ذلك يدل على أن رئاسته لم تنجح في إعادة الاستقرار إلى البلاد التي لا تحتمل ظروفها استمرار وضع من هذا القبيل.
حين سألته عن سبب مبادرته إلى إعلان هذا الموقف فور توليه السلطة قال إنه أراد أن يكون صريحا وواضحا وأن يحذر الجميع من استمرار الفوضى التي وصفها بأنها بمثابة «انتحار جماعي» للتونسيين. ضرب لذلك مثلا بقضية البطالة التي تعد قنبلة اجتماعية شديدة الانفجار لا تحتمل البلاد تداعياتها، وهو يشرح فكرته قال إنه كان في تونس قبل الثورة نصف مليون عاطل، وبعد الثورة توقفت حركة السياحة تقريبا فارتفع العدد إلى 700 ألف. وإذا استمر الوضع كما هو عليه فإننا سنفاجأ في النصف الأول من السنة الجديدة بأن لدينا مليون عاطل في بلد تعداد سكانه عشرة ملايين نسمة، وحين يحدث ذلك فإن القنبلة التي أحذر من وجودها ستكون قد انفجرت بالفعل.
في رأيه إن تدوير عجلة الاقتصاد ومن ثم حل مشكلة البطالة هي المهمة العاجلة وواجب الوقت. وهناك مهمة أخرى موازية تتمثل في القطيعة مع النظام السابق التي يرى أن أولى خطواتها تتمثل في إعادة النظر في أدوات ذلك النظام الذي اعتمد طول الوقت على الأجهزة الأمنية التي كان القضاء عونا لها، بحيث يمكن القول إن الأجهزة الأمنية كانت ذراع النظام وإن القضاء كان ذراعا للأمن. وكانت النتيجة أنه تم تدمير هذين المرفقين، بحيث بات إصلاحهما ورد الاعتبار إليهما من أولويات النظام الجديد الذي نريد له أن يكون جمهورية ديمقراطية حقيقية، وليست مغشوشة أو مزيفة كلما كانت في السابق.
كان الدكتور المرزوقي هو من ابتدع مصطلح «الجملوكية» أثناء إقامته في فرنسا التي استمرت 15 عاما. وأراد به أن يصف الوضع في تونس الذي اعتبره جمهوريا في مظهره وملكيا في جوهره. «فبورقيبة كان رجلا وطنيا له إيجابياته لكنه عاش ملكا على البلاد طوال ثلاثين عاما، انفرد خلالها بالسلطة ولم يسمح بأي تداول لها. أما خلفه بن علي الذي لم يختره أحد، ولكنه اختطف السلطة في عام 1987 إثر انقلاب طبي بوليسي، فإنه أوغل في ملكيته ولم تكن له طوال فترة حكمه التي استمرت نحو 23 عاما إيجابية تذكر، حيث حول البلد إلى مخفر كبير». عند هذه النقطة قاطعته متسائلا: لهذا السبب قلت عنه لا يصلِح (بكسر اللام)ولا يصلُح بضم اللام.
عندما سمع العبارة مني لمعت عيناه من وراء نظارته التي لا يخلعها إلا وقت النوم، وعلت وجهه ابتسامة عريضة ثم قال: هذه العبارة أفقدت بن علي أعصابه. ثم استرخى في مقعده وراح يشرح قصة ما جرى آنذاك.
(2)
كان الدكتور المرزوقي (66 سنة) قد حصل على شهادة الدكتوراه في علم النفس من فرنسا. ولأنه كان مهجوسا منذ وقت مبكر بالفقراء والمستضعفين، ومعجبا بالمهاتما غاندي فقد أهله ذلك للفوز في مسابقة عالمية للشبان (عام 1970) بمناسبة مئوية الزعيم الهندي، ومكنه ذلك من أن يقضي شهرا في الهند مدعوا من حكومتها. وبعد عودته بوقت قصير سافر إلى الصين لمعاينة تجربة الطب الشعبي هناك، وهي الخبرة التي حاول أن ينقلها إلى بلاده بعدما عاد إليها وعين أستاذا مساعدا في قسم الأعصاب بكلية الطب في جامعة تونس، لكن نظام بن علي أوقف مشروعه.
وهو في الجامعة ذاع صيته بعدما صار طرفا في الحوارات السياسية والفكرية في تونس، وأدرك أنه لا حل لمشكلة البلاد إلا بزوال النظام الحاكم، فقرر أن يتحدى بن علي وقدم أوراق ترشيحه للرئاسة في عام 1994. كان يعلم جيدا أنه لن ينجح، وقال إنه أراد فقط أن يكسر هالة الخوف من منافسته. لكن ذلك أدى إلى اعتقاله، حيث أمضى أربعة أشهر في زنزانة انفرادية. ولم يطلق سراحه إلا بعدما نظم عارفوه حملة دولية لإطلاقه باعتباره سجينا سياسيا، الأمر الذي دفع نيلسون مانديلا المناضل الجنوب إفريقي للتوسط في ذلك.
لم تلن قناة الدكتور منصف الذي يعتز بانتمائه إلى أهل الجنوب المشهود لهم بقوة المراس، فأسس مع بعض زملائه المجلس الوطني للحريات في عام 1997، في مناسبة الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكان تأسيس الجمعية التي كان أول رئيس لها، خطوة باتجاه تحدي نظام بن علي وأجهزته الأمنية الجبارة، بعدما سبق أن تحداه شخصيا في الانتخابات الرئاسية. ومنذ ظهرت الجمعية إلى الوجود دخلت معاناته طورا جديدا، حيث لم يسلم من الملاحقة والمصادرة، حتى اضطر إلى مغادرة البلاد حيث اختار باريس منفى له، التي عمل بها محاضرا بجامعتها.
من باريس واصل الدكتور المنصف معركته ضد بن علي ونظامه، حيث ظل حاضرا في كل محفل وفاضحا لسياساته في كل مناسبة. وفي عام 2006 ظهر في أحد البرامج على شاشة قناة الجزيرة حيث دعا إلى العصيان المدني في تونس، وقال قولته التي اشتهرت آنذاك، وأعلن فيها أن نظام بن علي لا يصلِح ولا يصلُح. وحين ترددت مقولته مدوية في الفضاء التونسي، لم يتمالك بن علي نفسه وقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر بسببها.
عاد اللمعان إلى عينيه ولم تفارق الابتسامة وجهه وهو يختم القصة قائلا: لم أتصور أن ذلك الصًنَم الكبير بتلك الهشاشة والضعف، وتأكد لي ذلك حين لم يحتمل الرجل المظاهرات التي خرجت تندد بنظامه، فسارع إلى الهروب إلى السعودية.
(3)
قلت إن البعض لم يستوعب تركيبة الحكم في تونس التي تحولت إلى «ترويكا» بين الإسلاميين واليساريين والقوميين. فعلق على ذلك قائلا: لعلك لاحظت أن أغلبية الشعب التونسي صوتت إلى جانب أهل الاعتدال من كل الاتجاهات، إذ وجدهم الناس يعبرون عن المزاح التونسي الحقيقي. ولا مفر من الإقرار بأن ما يسمى بالترويكا هو ثمرة تفاعل حقيقي بين قادة الأحزاب الثلاثة (النهضة ــ المؤتمر من أجل الجمهورية ــ التكتل من أجل العمل والحريات). هذا التفاعل الذي نضج خلال حوارات معمقة أجريناها في فرنسا، قام على ركنين أساسيين أولهما تحدي استبداد نظام بن علي الذي كان خصما للجميع. أما ثانيهما فقد تمثل في تحديد القواسم المشتركة بين حزبنا (المؤتمر) وبين الحزبين الآخرين (النهضة والتكتل). وحين توافقنا على ما هو مشترك بيننا ونحينا خلافاتنا جانبا، كان من اليسير أن نتقدم بعد ذلك سواء في مواجهة بن علي ونظامه أو في انتخابات الجمعية التأسيسية.
قلت هذه نقطة تحتاج إلى مزيد من الإيضاح، لأنها تمثل مشكلة في مصر لم تحل.
قال: كان اتفاقنا حول هوية تونس العربية والإسلامية، حيث قلنا إن موضوع هوية البلد ليس مطروحا للمناقشة. اتفقنا أيضا على أن الديمقراطية هي أساس النظام السياسي الذي ننشده، وأن احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان في القلب منها أمر بدوره ليس مطروحا للمناقشة والاجتهاد. فنحن جميعا ملتزمون بها إلى أبعد الحدود.
قلت: كانت تونس منذ الاستقلال تعتبر نفسها بلدا علمانيا، وكان بن علي يتكئ على ذلك في إصراره على قمع المعارضين الإسلاميين.
اعتدل الدكتور المرزوقي في مقعده وقال: كلامك يذكرني بما حدث معي أثناء رئاستي للمجلس الوطني للحريات. ذلك أن بن علي كان قد اشتد في محاربة الإسلاميين حتى بدا وكأنه قرر القضاء عليهم كليا. وهو ما عارضته وانتقدته في بيانات صدرت آنذاك سببت لنا متاعب كثيرة. إلا أنني فوجئت ببعض الشيوعيين وغلاة العلمانيين يطلبون مني أن أتجنب نقد النظام في هذه المسألة، بدعوى أن القضاء على الإسلاميين هو في النهاية لمصلحتهم، حيث سيخلي الساحة لهم. وهو ما أدهشني، لأنني أعتبرته موقفا انتهازيا وغير أخلاقي، وأصررت على موقفي، حتى أن ذلك كان أحد أسباب استقالتي من رئاسة المجلس.
في التعليق على ملاحظتي قال إن مشكلة العلمانية في تونس أنها متأثرة بتراثها الفرنسي المخاصم للدين، وهو ما يرفضه المجتمع التونسي الذي عاقب الشيوعيين بشدة في الانتخابات الأخيرة. (حصلوا على ثلاثة مقاعد فقط). ونحن في تونس لا نريد أن نفرط في أمرين نعتبرهما من الثوابت التي يقوم عليها المجتمع. هما الدين والحرية. وقد بينت نتائج انتخابات الجمعية التأسيسية أن الأغلبية الساحقة أيدت ذلك الموقف.
(4)
حين تطرقنا إلى موضوع السياسة الخارجية كانت لديه ملاحظتان. الأولى أن الشأن الداخلي هو الشاغل الأساسي للنظام الجديد في الأجل المنظور. الثانية. أنه شخصيا ليست لديه مشكلة مع الغرب (أشار بين قوسين إلى أنه لم يطلب اللجوء السياسي حين ذهب إلى منفاه في فرنسا)، لكنه يفرق بين ثلاثة مستويات للغرب. غرب الأنظمة وهو قبيح ويرتبط في الأذهان بالاستعمار ودعم الأنظمة الديكتاتورية، وغرب القيم والتكنولوجيا الذي لنا أن نتعلم منه كما تعلم منا. ثم هناك غرب المجتمعات المدنية الذي اعتبره حليفا لنا وصديقا، ومن العبث والغباء وضعه في سلة واحدة مع غرب الأنظمة.
قلت قرأت لك تفرقة بين الدولتين الديمقراطية والليبرالية، انحزت للأولى وانتقدت الثانية. قال: هذا صحيح، فأنا أعتبر الدولة الديمقراطية هي دولة الخدمات التعليمية والصحة والضمان الاجتماعي والحريات الفردية والجماعية. ثم إنها دولة ترتبط بالمجتمع بعلاقة تعاون، وتخضع للقانون الدولي ولا تعتدي على أحد. وهي خصائص متوافرة في الدول الاسكندينافية. أما الدولة الليبرالية التي تعد الولايات المتحدة رمزا لها، فهي لا تعنيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للغالبية في شيء. ويعرف الجميع أنها رفضت دائما المواثيق الدولية للبيئة أو لحقوق الإنسان أو لتتبع جرائم الحرب، وتصدت لمبدأ التجارة العالمية لإنقاذ ثلث البشرية من الموت جوعا. كما أنها تتدخل عسكريا في كل مكان من الأرض بدعوى حماية مصالحها غير المتناهية.
لم أر الدكتور المرزوقي مرة واحدة مرتديا ربطة عنق، حتى وهو يحلف اليمين عقب تنصيبه رئيسا للجمهورية. وحين سألت من حوله عن تفسير ذلك قالوا إن الرجل عاش في فرنسا نحو عقدين من الزمان (سنوات الدكتوراه + سنوات المنفى) لكنه ظل جنوبيا لم يتغير شيء في مظهره. حتى زوجته الفرنسية التي عاد بها من هناك طلقها أخيرا، بعدما أنجب منها بنتين، لكنه يستدرك على الملاحظة قائلا إنه «أنجب» أيضا 25 كتابا في الطب والأدب والسياسة. وليس واثقا من أن وجوده في قصر قرطاج سيمكنه من إضافة شيء إلى هذه «السلالة». وقد حاولت الاتصال به هاتفيا بعد حلف اليمين على الرقم الذي أعطانيه من قبل لأستطلع رأيه بعد ذهابه إلى قصر الرئاسة. لكنني خلال ثلاث محاولات كنت أتلقى ردا واحدا يقول: نشكرك لاستخدامكم شبكة تونسيانا. الهاتف الجوال المطلوب مغلق حاليا. الرجاء الاتصال لاحقا!
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1006
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026