رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعله قد بات من المؤكد أن كل قارئ متجرد للتصريحات التي تجددت هذا الأسبوع حول التعليق على ضرورة إبقاء بشار الأسد في السلطة وعدم تنحيه عنها لا يعد أمرا مستغربا خصوصا أن هذا الجزار قد أحكم عليه الخناق من قبل الجيش الحر والمقاومة الوطنية الباسلة في الثورة السورية المجيدة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فالذي يريده هؤلاء أن يبلغوا العالم أجمع من رسالة أنهم جنود مخلصون للطائفية البغيضة وتعميق الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة بهدف إثارة الفتن وتعبئة النفوس للأخذ بالثأر، وكيف لا وهم يجاهرون بهتافاتهم عبر القنوات الخاصة بهم "يا لثارات الحسين" دون أن يكونوا عاقلين حكماء يستريحون ويريحون ويكتفون بإجابة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لمن سأل عن ذلك إن الله تعالى قال: [تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون] (البقرة:141) ودون أن يفهموا أبسط مبادئ الثورة الحسينية التي انتصرت للمظلومين لا للظالمين ولم تشعل نار الحقد في قلوب أصحابها كما يفعل كبار ملالي وآيات وحكام إيران اليوم في اعتدائهم المكشوف على الشعب السوري الذي يقتل بفتاواهم وفتاوى بعض من يحسبون على العلماء السنة ظلما وزورا وبهتانا منحازين كلهم إلى الجلاد ضد الضحية وإلى القاتل المتوحش بشار وأزلامه لا إلى المقتول من شيوخنا ونسائنا وأطفالنا بوحشية لا نظير لها في التاريخ، ثم يطل وزير الخارجية الروسي لافروف ليتناغم مع هؤلاء في طائفيتهم خائفا من ذهاب الحكم العلوي الفئوي الطائفي القليل المتسلط بالحديد والنار مرتجفا من إمكانية عودة الحكم السني ذي الأغلبية الكاثرة إلى سورية فقط ليرضي شركاءه الأشرار حفاظا على امتيازات روسيا ومصالحها في آخر موقع لها في البحر الأبيض المتوسط بعد أن فقدت نفوذها الحقيقي في بقية العالم، فهي لا تفهم في تاريخها القديم ولا الحديث إلا لغة المصالح والمصالح فقط، لقد أكد لافروف الأسبوع الماضي أن تنحي الأسد عن السلطة أمر مستحيل لطمأنة الجزار أن يسرف في القتل ما شاء، فروسيا بدءا وختاما ستبقى في خندق الدفاع عنه بسلاحها وسياستها، ناسيا هذا الحاقد الغبي سياسيا وميدانيا أن الأفغان الضعفاء قد هزموا إمبراطوريته السوفيتية المتحدة وأن الشعب السوري البطل سيهزم روسيا المتعجرفة عاجلا أو آجلا ولن يذهب الدم الحر رخيصا وسيخسر من توهم أنه لاعب كبير يوجه الأسد في الحلبة أمام قوانين الشعوب والثورات، ولو اجتمع أهل الأرض جميعا وليس روسيا وأمريكا واللوبي الصهيوني فيهما وفي إسرائيل وتكالبت إيران وحزب الله والمالكي بل والصين أمام إرادة المقاومة الشعبية لم تفعل شيئا ولا ريب أنها ستغلبهم في النهاية مهما بذلت من ضريبة ويهزم جمعهم وهو يجر أذيال الخيبة إلا أننا نريد فقط أن نبين للعالم أجمع أن التدخل الخارجي الإقليمي والدولي قد بات أوضح من الشمس في رابعة النهار خصوصا من قبل إيران وروسيا وهما يعترضان على أي تدخل خارجي غربي محتمل وينتقدون بعض الدول العربية والإسلامية كقطر والسعودية وتركيا أنها تمد من يسمونهم إرهابيين لا ثوارا بالمال وبعض السلاح، يا عجبا لمن يؤدي حتى أقل القليل ثم ينتقد أما الذي يشارك في الميدان مع الجزار وزبانيته وشبيحته فيجب ألا يلام، وأي مشاركة إنها إسهام بالمال السخي والرجال والخبراء والسلاح عبر الجو والبحر لقتل شعبنا المظلوم دون أي رادع من ضمير وأخلاق بقصف المدنيين والأبرياء.
إن روسيا وإيران توأمان شريران شقيان لا يهمهما إلا مصالحهما ولا تجرد وإنصاف لديهما في السياسة مطلقا إلا ما يسوقان من أفكار هي أوهى من خيط العنكبوت، وهل من السياسة بمكان مخالفة الشعب بمعظمه من أجل حاكم فرد ديكتاتوري ظالم كمثلهم، إنه الحقد بعينه والطائفية بعينها والمزاج القائم على الهوى لا على الحق وإلا فكيف تدعي إيران أنها جمهورية إسلامية وقد جاءت لتنصف المظلومين وهي كما المالكي في العراق ضد العلمانية والبعثية التي كان عليها صدام لكنها مع هذه الخبائث ما دامت من حافظ وبشار الأسد، لقد أعمتها الايديولوجيا والمطامع عن الحقيقة فبئس ما تزعم وتدعي من دفاع عن الشعوب واهتمام بالمظلومية، إن مبدأ ولاية الفقيه الأعمى هو الذي يحكمها وهو فوق كل اعتبار ولذا فإن المرشد الأعلى للجمهورية في إيران علي خامنئي يتمتع بالسلطة المطلقة المتحكمة بأي قرارات تصدر من السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية وسلطته أقوى من سلطة رئيس الجمهورية أحمدي نجاد، ولذا فهو يطمح الآن لتوريث ابنه مجتبى تلك الزعامة، لقد قال خامنئي أكثر من مرة إن بشار الأسد كابنه ولابد أن يدافع عنه في كل حال هو وفرعه في لبنان حزب الله ودعا إلى استبدال الزحف حتى القدس بالزحف حتى الشام إمعانا في الإجرام واعتبر حسن نصر الله أن جنوده الذين قتلوا هناك جهاديون، إن إيران تخشى من انتقال الحراك الثوري السوري إليها فالنار فيها تحت الرماد ولذا فهي تسعى اليوم إلى تدريب ستين ألف عنصر سوري على شاكلة الحرس الثوري لديها للدفاع عن النظام أو حمايته إذا سقط بإقامة دويلة علوية، إنها معركة طهران دفاعا عن الأسد ومع إيران نوري المالكي الذي كان صرح بأن نظام الأسد لن يسقط ولماذا يسقط بعد أن ألزمته إيران بالخضوع لمبدأ ولاية الفقيه مع أنه هو الذي لم يقبل أي عذر سابقا حين اتهم بشار الجزار بأنه من قام بالتفجيرات في بغداد، إن خامنئي يعتبر أن قمع بشار للسوريين أمر طبيعي كما نقلت أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في باريس عنه كي لا يقوى الجيش الحر ويصدر الثورة خارج سورية فهو عراب الطاغية بشار أو حاميه كونه كابنه وهو إذ يقول ويفعل فعل المجرمين يؤيد ويدعو إلى تشكيل الباسيج الأسدي الذي أشرنا إليه والذي يسميه اللانظام الأسدي جيش الدفاع الوطني وهي تسمية جديدة بدل الشبيحة المقيتة، إن هذا الفصيل فكرة إيرانية خصوصا أنها ستنشر في دمشق حيث تقسم إلى مربعات أمنية كما قسمت طهران إلى تلك المربعات لقمع الثورة الخضراء وليعيد اللانظام تموضعه الطائفي كما يشتهي، إن إيران منذ ولدت دولة للخميني أخطر من أي عدو آخر وكيف لا واللص إن كان داخل بيتك لا تستطيع أن تتعامل معه كما تريد إذ ليس له مقياس بخلاف الأعداء الآخرين فلنحذر مخالب إيران بدل أن يحذر البعض من التيارات الإسلامية ويعتبرها أخطر من السرطان الإيراني الذي لم ولن يؤخر شهيته للتدخل في البلاد العربية والإسلامية وغيرها، إن تصريحات مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي من أن الرئيس السوري بشار الأسد خط أحمر، وادعاؤه أن معظم الذين يقاتلون في سورية ليسوا سوريين وقوله: سيدحر بشار الانتفاضة في سورية مناقضا نفسه بأن دعم بشار لا يعني الوقوف ضد الشعب السوري في تحديد مصيره، نقول ذلك طبعا بعد أن تجرى انتخابات مزورة بامتياز كما هو شأنه دوما، إن ما قاله ولايتي محض ضرب من الوهم ونحن نسأله هل كان اليوم مستشارا لخامنئي لو لا انتفاضة الشعب الإيراني على الشاه عام 1979 ونقول له إن معركة الأسد يائسة وإن قالها مرشدها الأعلى: سندافع عن دمشق لنتمكن من مقاومة إسرائيل ونقول مثل ذلك لعلي أكبر صالحي وزير الخارجية الذي كرر أن الأسد خط أحمر وأن الذين يسعون إلى إسقاط حكمه يلهثون وراء سراب وأن إيران لن تسمح للطفيليين الدوليين والإقليميين بالتدخل في سورية، يقول ذلك وهو يعلم أن المدعو بشار تفوق على والده في قتل الناس في عموم سورية، وهكذا فإن إيران تلعب بالنار والعار ولكننا نذكر الجميع أن إيران الفارسية لم تكسب أي حرب ضد العرب تاريخيا قبل الإسلام وبعده، فما أسخف دعوة آية الله أحمد جنتي الشيعة العرب أن يبادروا إلى سورية لقتال الشعب الذي لا يحب آل البيت كما يدعي، ويكفي أن نعلم اليوم أن إيران تعمل كما تعمل إسرائيل على إبقاء بشار ونظامه ونقول لها لا تلعبي بعد ذلك على وتر المقاومة والممانعة فالثورة السورية هي الثورة الفاضحة لكل منافق باطني خداع ذي تقية يدعم من أثبتت وثائق ويكيلكس التي تزيد عن ثلاثة آلاف من هو هذا الجزار الذي صنعه وأباه أهل الظلام لتحقيق مآربهم وتدمير سورية لتكون لقمة سائغة للباطنيين والصهاينة ومن معهم، وبهذه المناسبة فإننا نستخف أيضا تصريح وليد المعلم (بفتح اللام) أن العنف سوف يستمر طالما دامت الدعوة من البعض دوليا وإقليما وعربيا لتنحي رئيسه المعلم (بكسر اللام) له فقط، ليس لدينا شك بإذن الله أن بشار ونظامه سيسقطان وأن الثورة المغدورة هي التي تقدم الوطنية لا الخطب الرنانة وأنها ستبني دولة القانون لا دولة الأشخاص وتكون حجة على كل فرعون من الآلهة الذين هم كالطبول الجوفاء والأوراق المنتثرة في الهواء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6339
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2778
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2490
| 02 يونيو 2026