رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعله قد بات من المؤكد أن كل قارئ متجرد للتصريحات التي تجددت هذا الأسبوع حول التعليق على ضرورة إبقاء بشار الأسد في السلطة وعدم تنحيه عنها لا يعد أمرا مستغربا خصوصا أن هذا الجزار قد أحكم عليه الخناق من قبل الجيش الحر والمقاومة الوطنية الباسلة في الثورة السورية المجيدة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فالذي يريده هؤلاء أن يبلغوا العالم أجمع من رسالة أنهم جنود مخلصون للطائفية البغيضة وتعميق الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة بهدف إثارة الفتن وتعبئة النفوس للأخذ بالثأر، وكيف لا وهم يجاهرون بهتافاتهم عبر القنوات الخاصة بهم "يا لثارات الحسين" دون أن يكونوا عاقلين حكماء يستريحون ويريحون ويكتفون بإجابة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لمن سأل عن ذلك إن الله تعالى قال: [تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون] (البقرة:141) ودون أن يفهموا أبسط مبادئ الثورة الحسينية التي انتصرت للمظلومين لا للظالمين ولم تشعل نار الحقد في قلوب أصحابها كما يفعل كبار ملالي وآيات وحكام إيران اليوم في اعتدائهم المكشوف على الشعب السوري الذي يقتل بفتاواهم وفتاوى بعض من يحسبون على العلماء السنة ظلما وزورا وبهتانا منحازين كلهم إلى الجلاد ضد الضحية وإلى القاتل المتوحش بشار وأزلامه لا إلى المقتول من شيوخنا ونسائنا وأطفالنا بوحشية لا نظير لها في التاريخ، ثم يطل وزير الخارجية الروسي لافروف ليتناغم مع هؤلاء في طائفيتهم خائفا من ذهاب الحكم العلوي الفئوي الطائفي القليل المتسلط بالحديد والنار مرتجفا من إمكانية عودة الحكم السني ذي الأغلبية الكاثرة إلى سورية فقط ليرضي شركاءه الأشرار حفاظا على امتيازات روسيا ومصالحها في آخر موقع لها في البحر الأبيض المتوسط بعد أن فقدت نفوذها الحقيقي في بقية العالم، فهي لا تفهم في تاريخها القديم ولا الحديث إلا لغة المصالح والمصالح فقط، لقد أكد لافروف الأسبوع الماضي أن تنحي الأسد عن السلطة أمر مستحيل لطمأنة الجزار أن يسرف في القتل ما شاء، فروسيا بدءا وختاما ستبقى في خندق الدفاع عنه بسلاحها وسياستها، ناسيا هذا الحاقد الغبي سياسيا وميدانيا أن الأفغان الضعفاء قد هزموا إمبراطوريته السوفيتية المتحدة وأن الشعب السوري البطل سيهزم روسيا المتعجرفة عاجلا أو آجلا ولن يذهب الدم الحر رخيصا وسيخسر من توهم أنه لاعب كبير يوجه الأسد في الحلبة أمام قوانين الشعوب والثورات، ولو اجتمع أهل الأرض جميعا وليس روسيا وأمريكا واللوبي الصهيوني فيهما وفي إسرائيل وتكالبت إيران وحزب الله والمالكي بل والصين أمام إرادة المقاومة الشعبية لم تفعل شيئا ولا ريب أنها ستغلبهم في النهاية مهما بذلت من ضريبة ويهزم جمعهم وهو يجر أذيال الخيبة إلا أننا نريد فقط أن نبين للعالم أجمع أن التدخل الخارجي الإقليمي والدولي قد بات أوضح من الشمس في رابعة النهار خصوصا من قبل إيران وروسيا وهما يعترضان على أي تدخل خارجي غربي محتمل وينتقدون بعض الدول العربية والإسلامية كقطر والسعودية وتركيا أنها تمد من يسمونهم إرهابيين لا ثوارا بالمال وبعض السلاح، يا عجبا لمن يؤدي حتى أقل القليل ثم ينتقد أما الذي يشارك في الميدان مع الجزار وزبانيته وشبيحته فيجب ألا يلام، وأي مشاركة إنها إسهام بالمال السخي والرجال والخبراء والسلاح عبر الجو والبحر لقتل شعبنا المظلوم دون أي رادع من ضمير وأخلاق بقصف المدنيين والأبرياء.
إن روسيا وإيران توأمان شريران شقيان لا يهمهما إلا مصالحهما ولا تجرد وإنصاف لديهما في السياسة مطلقا إلا ما يسوقان من أفكار هي أوهى من خيط العنكبوت، وهل من السياسة بمكان مخالفة الشعب بمعظمه من أجل حاكم فرد ديكتاتوري ظالم كمثلهم، إنه الحقد بعينه والطائفية بعينها والمزاج القائم على الهوى لا على الحق وإلا فكيف تدعي إيران أنها جمهورية إسلامية وقد جاءت لتنصف المظلومين وهي كما المالكي في العراق ضد العلمانية والبعثية التي كان عليها صدام لكنها مع هذه الخبائث ما دامت من حافظ وبشار الأسد، لقد أعمتها الايديولوجيا والمطامع عن الحقيقة فبئس ما تزعم وتدعي من دفاع عن الشعوب واهتمام بالمظلومية، إن مبدأ ولاية الفقيه الأعمى هو الذي يحكمها وهو فوق كل اعتبار ولذا فإن المرشد الأعلى للجمهورية في إيران علي خامنئي يتمتع بالسلطة المطلقة المتحكمة بأي قرارات تصدر من السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية وسلطته أقوى من سلطة رئيس الجمهورية أحمدي نجاد، ولذا فهو يطمح الآن لتوريث ابنه مجتبى تلك الزعامة، لقد قال خامنئي أكثر من مرة إن بشار الأسد كابنه ولابد أن يدافع عنه في كل حال هو وفرعه في لبنان حزب الله ودعا إلى استبدال الزحف حتى القدس بالزحف حتى الشام إمعانا في الإجرام واعتبر حسن نصر الله أن جنوده الذين قتلوا هناك جهاديون، إن إيران تخشى من انتقال الحراك الثوري السوري إليها فالنار فيها تحت الرماد ولذا فهي تسعى اليوم إلى تدريب ستين ألف عنصر سوري على شاكلة الحرس الثوري لديها للدفاع عن النظام أو حمايته إذا سقط بإقامة دويلة علوية، إنها معركة طهران دفاعا عن الأسد ومع إيران نوري المالكي الذي كان صرح بأن نظام الأسد لن يسقط ولماذا يسقط بعد أن ألزمته إيران بالخضوع لمبدأ ولاية الفقيه مع أنه هو الذي لم يقبل أي عذر سابقا حين اتهم بشار الجزار بأنه من قام بالتفجيرات في بغداد، إن خامنئي يعتبر أن قمع بشار للسوريين أمر طبيعي كما نقلت أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في باريس عنه كي لا يقوى الجيش الحر ويصدر الثورة خارج سورية فهو عراب الطاغية بشار أو حاميه كونه كابنه وهو إذ يقول ويفعل فعل المجرمين يؤيد ويدعو إلى تشكيل الباسيج الأسدي الذي أشرنا إليه والذي يسميه اللانظام الأسدي جيش الدفاع الوطني وهي تسمية جديدة بدل الشبيحة المقيتة، إن هذا الفصيل فكرة إيرانية خصوصا أنها ستنشر في دمشق حيث تقسم إلى مربعات أمنية كما قسمت طهران إلى تلك المربعات لقمع الثورة الخضراء وليعيد اللانظام تموضعه الطائفي كما يشتهي، إن إيران منذ ولدت دولة للخميني أخطر من أي عدو آخر وكيف لا واللص إن كان داخل بيتك لا تستطيع أن تتعامل معه كما تريد إذ ليس له مقياس بخلاف الأعداء الآخرين فلنحذر مخالب إيران بدل أن يحذر البعض من التيارات الإسلامية ويعتبرها أخطر من السرطان الإيراني الذي لم ولن يؤخر شهيته للتدخل في البلاد العربية والإسلامية وغيرها، إن تصريحات مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي من أن الرئيس السوري بشار الأسد خط أحمر، وادعاؤه أن معظم الذين يقاتلون في سورية ليسوا سوريين وقوله: سيدحر بشار الانتفاضة في سورية مناقضا نفسه بأن دعم بشار لا يعني الوقوف ضد الشعب السوري في تحديد مصيره، نقول ذلك طبعا بعد أن تجرى انتخابات مزورة بامتياز كما هو شأنه دوما، إن ما قاله ولايتي محض ضرب من الوهم ونحن نسأله هل كان اليوم مستشارا لخامنئي لو لا انتفاضة الشعب الإيراني على الشاه عام 1979 ونقول له إن معركة الأسد يائسة وإن قالها مرشدها الأعلى: سندافع عن دمشق لنتمكن من مقاومة إسرائيل ونقول مثل ذلك لعلي أكبر صالحي وزير الخارجية الذي كرر أن الأسد خط أحمر وأن الذين يسعون إلى إسقاط حكمه يلهثون وراء سراب وأن إيران لن تسمح للطفيليين الدوليين والإقليميين بالتدخل في سورية، يقول ذلك وهو يعلم أن المدعو بشار تفوق على والده في قتل الناس في عموم سورية، وهكذا فإن إيران تلعب بالنار والعار ولكننا نذكر الجميع أن إيران الفارسية لم تكسب أي حرب ضد العرب تاريخيا قبل الإسلام وبعده، فما أسخف دعوة آية الله أحمد جنتي الشيعة العرب أن يبادروا إلى سورية لقتال الشعب الذي لا يحب آل البيت كما يدعي، ويكفي أن نعلم اليوم أن إيران تعمل كما تعمل إسرائيل على إبقاء بشار ونظامه ونقول لها لا تلعبي بعد ذلك على وتر المقاومة والممانعة فالثورة السورية هي الثورة الفاضحة لكل منافق باطني خداع ذي تقية يدعم من أثبتت وثائق ويكيلكس التي تزيد عن ثلاثة آلاف من هو هذا الجزار الذي صنعه وأباه أهل الظلام لتحقيق مآربهم وتدمير سورية لتكون لقمة سائغة للباطنيين والصهاينة ومن معهم، وبهذه المناسبة فإننا نستخف أيضا تصريح وليد المعلم (بفتح اللام) أن العنف سوف يستمر طالما دامت الدعوة من البعض دوليا وإقليما وعربيا لتنحي رئيسه المعلم (بكسر اللام) له فقط، ليس لدينا شك بإذن الله أن بشار ونظامه سيسقطان وأن الثورة المغدورة هي التي تقدم الوطنية لا الخطب الرنانة وأنها ستبني دولة القانون لا دولة الأشخاص وتكون حجة على كل فرعون من الآلهة الذين هم كالطبول الجوفاء والأوراق المنتثرة في الهواء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2841
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2049
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
1515
| 04 مايو 2026