رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما صاح القائد العربي الشهير مخاطبا جنوده: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس من مفر، إلا الصبر أو النصر. لم يبق جندي واحد شاهد حرق السفن إلا ألقى بنفسه بكل قوة وحماس في أتون المعركة حتى حالف النصر الجنود العرب.
الصورة نفسها تتراءى الآن، بحيث يمكن القول لجميع الدول المدينة (عربية وغير عربية): الحريات والتنمية أمامكم، والديون الخارجية خلفكم، وليس من مفر، إلا تنمية بلادكم أو الخضوع للمديونيات وفق شروط صندوق (النكد) الدولي المجحفة.
والواقع أن موضوع المديونية قد شغل العالم كله، وعقدت حوله مؤتمرات وندوات حاول فيها كل طرف أن يدافع عن مصلحته ويكون الطرف الخاسر دائما هو العالم النامي.
لقد اضطرت الدول النامية أن تتجه إلى صندوق النقد الدولي بعد أن وجدت نفسها في مأزق خطير، فهي من ناحية تورطت في ديون كبيرة ومشاريع إنتاجية ضخمة، بينما نقصت حصيلتها من العملات الأجنبية أمام تراجع أسعار صادراتها التقليدية.
وبدأت تظهر معادلات صندوق النقد الدولي الداعية إلى قيام هذه الدول بتصويب أوضاعها الاقتصادية. وتتلخص السياسة التي يشترط الصندوق تطبيقها من قبل الدول المدينة في تخفيض أسعار صرف العملات المحلية وإزالة المعونات والدعم، وتقليل الإنفاق الحكومي، ودعم القطاع الخاص، والتخلي عن كل السياسات التجارية الثنائية.
ولما قامت بعض هذه الدول بتبني هذه الإجراءات تحت الضغط عليها بتسديد ديونها، أو اضطرارها للحصول على قروض جديدة من أجل شراء سلع تموينية، حصلت فيها اضطرابات سياسية عنيفة، من أشهرها مصر عام 1977، السنغال عام 1983 وآخرها فنزويلا عام 1989.
العلاقة بين مشكلة الديون والتنمية الاقتصادية:
أصبحت أزمة المديونية تشكل عبئا ثقيلا على اقتصادات الدول العربية والإفريقية ونجمت عنها آثار اقتصادية واجتماعية أجملتها عروض الباحثين في عدة مظاهر، منها:
أ- الأثر السلبي على المدخرات المحلية، نظرا لأن تدفق العون بسعر فائدة منخفض في بادئ الأمر أدى إلى عدم تحفيز القطاع الخاص للادخار، كما شجع توجيه الصرف نحو الاستهلاك غير الإنتاجي.
ب- الانخفاض والاضطراب في معدلات النمو: فقد أدت الالتزامات لخدمة الدين إلى تحويل قدر هائل من موارد هذه الدول من الاستخدام لأغراض تنموية إلى سداد جزء من الديون المستحقة.
ج- التدهور في ميزان المدفوعات: حيث أسهمت المديونية الكبيرة في تفاقم حدة أزمة ميزان المدفوعات.
د- عدم القدرة على تعديل الهياكل وإصلاح السياسات، وذلك بسبب تحويل قدر كبير من الموارد لخدمة الدين.
هـ- تمزق الهياكل الاجتماعية: أدت الالتزامات الناتجة عن الدين إلى تخفيض برامج الاستثمارات في المجالات الاجتماعية.
و- عدم توفر شروط الجدارة الائتمانية: فقد ترتب على تفاقم أزمة الديون إعلان كثير من هذه الدول غير جديرة بتلقي العون الأجنبي.
أسباب ضعف التنمية واللجوء للاستدانة:
ويذكر الاقتصاديون أسبابا كثيرة لتدهور اقتصادات الدول النامية والمتخلفة التي تلجأ للاقتراض ومعظم هذه الأسباب يعود إلى السياسات الخاطئة لتلك الدول التي ينجم عنها تدهور التنمية، وقد يمكن إجمال الأسباب التي ذكرها الاقتصاديون للاستدانة، في:
1- التدهور في المدخرات الداخلية للدول المدينة.
2- ضعف القدرة على إدارة الديون وعدم تحويلها إلى مشاريع استثمارية.
3- عدم القدرة التفاوضية لهذه الدول وقبولها بالشروط المجحفة.
4- تعاقب الكوارث الطبيعية، كالجفاف والتصحر والتي تعاني منها كثير من الدول.
5- تدهور أسعار المواد الأولية.
6- إجراءات الحماية التي تمارسها الدول الغنية ضد صادرات الدول الفقيرة.
7- هروب رؤوس الأموال من الدول الفقيرة.
8- الشروط المقترنة بقروض صندوق النقد الدولي والتي تتمثل أحيانا فيما يشبه "شهادة حسن سيرة وسلوك" بالنسبة للدول المقترضة.
9- طلب الدول المانحة للقروض الإشراف على المشاريع التي تغطي تمويلها تلك القروض، مما حدا بالدول المحتاجة إلى التخلي عن فكرة الاقتراض من الدول الغنية والاتجاه نحو المؤسسات الخاصة والتي تطلب فوائد مرتفعة عما تمنحه من قروض.
وبالنسبة للدول المدينة تمثل القروض تكلفة مرتفعة على اقتصاداتها، وضغطا متزايدا على توازنها الاجتماعي، واضطرابا في أمنها السياسي. وقد وصل الكثير من هذه الاقتصادات إلى حالة من الركود، ووقعت فريسة للحلقة المفرغة، فهي مطالبة بأن تتبنى إجراءات تصحيحية في المدى القصير لضمان قدرتها على التسديد، ومن ناحية أخرى فإن التصحيح له كلفة قد تعيق القدرة على النمو في المدى المتوسط والطويل. وقد هبط معدل النمو الاقتصادي في معظم الدول النامية إلى نسبة تساوي بالكاد معدل الزيادة السكانية. كما أنها تعاني من نقص فادح في دخلها من العملات الأجنبية، مما يعيق قدرتها على استيراد حاجياتها الضرورية ومستلزماتها للتصنيع والتنمية.
أما بالنسبة للدول المقرضة أو الدائنة، فرغم أنها في بداية الأمر أبدت موقفا متشددا تجاه قدرة الدول النامية على تسديد قرضها، إلا أنها رأت في نهاية الأمر أن التمادي في عدم الاستماع لشكاوى الدول الدائنة قد ينطوي على مخاطر كبيرة على مصالحها. وأول هذه الأخطار هو خشية أن تصبح هذه الديون حائلا دون زيادة الصادرات والمبيعات الخارجية وهذا ستترتب عليه انعكاسات اقتصادية واجتماعية داخل البلدان المصنعة.
ولا يجب تجاهل خطورة تمرد بعض الدول المدينة ورفضها تسديد هذه الديون في حالة عدم إيجاد حلول تتماشى ووضعية هذه الدول، وقد ظهرت بوادر هذا التمرد في تهديدات بعض زعماء أمريكا اللاتينية بالامتناع عن تسديد الديون.
الصندوق هو السفينة التي يجب أن تُحرق:
ولم يكن أمام الدول المدينة إلا اللجوء إلى صندوق "النكد" الدولي الذي لا يتمثل خطره في منح القروض فقط، بل يتعدى ذلك إلى إصداره شهادات "حسن السير والسلوك" للدول التي تتبنى وصفاته المجحفة لكي تستعين بتلك الشهادة على الاقتراض من الدول الغنية التي تتفنن في إذلال الدول الفقيرة المقترضة.
وقد ضاقت البلدان النامية ذرعا بالضغوط التي تمارسها عليها البلدان الصناعية الغنية، ولذلك تتالت الصرخات وكان آخرها ما عقده الـUNICTAO في مؤتمره في يوغسلافيا- بلجراد عام 1983 وقد طالب بإلغاء الديون المستحقة على مجموعة الدول الفقيرة والأقل نموا وكانت قد سبقتها مبادرة أروشا ARUSHA INITATIVE التي عقدت بتنزانيا عام 1980.
وكذلك على الصعيد العربي عقد مؤتمر في طرابلس بليبيا – مؤتمر الفكر العربي حول أزمة المديونية عام 1986.
وقد خرج المؤتمر بعدة علاجات تتعلق بحل هذه الأزمة، ومنها:
1- تقليص العجز في الموازين العامة.
2- إدارة ميزان المدفوعات بمنتهى الحزم.
3- تقويم أسعار صرف العملات المحلية.
4- إلغاء سياسة الدعم الاستهلاكي.
5- تشديد القيود على اقتراض القطاع العام من الخارج وتخفيضها على اقتراض القطاع الخاص بدون كفالة الدولة.
6- تشجيع الاستثمارات العربية المباشرة.
7- التوقف عن الاقتراض من المصارف الدولية على أسس تجارية.
8- السماح بمزيد من الحريات والديمقراطية وحرية الصحافة بكشف ومكافحة الفساد الذي يتغطى بالاقتراض.
9- تنشيط دور صندوق النقد العربي.
10- تأسيس وحدة اقتصادية لإدارة الدين الخارجي.
مضيق هرمز ليس ورقة للمساومة
تشكل الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على ممتلكات الدول الشقيقة، وآخرها الهجوم الذي استهدف الناقلة الإماراتية التابعة لشركة «أدنوك»... اقرأ المزيد
108
| 09 أغسطس 2026
مشهد من مُجمّع تجاري
يوم الأربعاء الماضي قررت أن أخرج مع شقيقاتي للتبضع من أحد المولات الكبيرة والجميلة المنتشرة في بلادنا وبالفعل... اقرأ المزيد
189
| 08 أغسطس 2026
قمة مكة.. والبعد الإقليمي في الردع
مع اجتماع القمة الثلاثية قمة مكة التي جمعت بين ولي العهد السعودي ورئيس تركيا رجب طيب أردوغان ورئيس... اقرأ المزيد
123
| 08 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8373
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4809
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
990
| 02 أغسطس 2026