رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأمّل معي حال قائد عسكري جيء به لقيادة جيش، ثم بعد قليل يتولى كثيرٌ من الجند لسبب أو آخر، وقبل أن يتحرك الجيش. فكيف سيكون وضعه؟
إن قائداً مطلوب منه الخروج لمواجهة جيشٍ قوي في العدد والعُدة والعزيمة المرتفعة، ثم يتولى كثيرون من جيشه عنه منذ البداية، لا شك أنه في موقف يحتاج إلى نوعية خاصة من القادة. وهذا القائد الذي نتحدث عنه وهو طالوت، لم يبقَ معه سوى جمعٌ، لا يزال يُطلق عليه جيش، رغم انسحاب كثيرين منه لسبب أو آخر كما أسلفنا، لكن في قرارة نفسه، أنه سيقوم بالمهمة رغم كل إشكاليات البداية، لكنه يرى أن كل من اختار المسير معه، لا يمكنه خوض معركة حاسمة بهم قبل أن يختبرهم بنفسه ويرى قوة الإرادة عندهم واقعاً متجسداً، حتى لا يتكرر الانسحاب أثناء المعركة، مثلما كان قبل الخروج للمعركة، لأن الانسحاب من الميدان حينذاك ستكون كارثة.
فكيف يختبرهم؟
قام طالوت وأخبرهم من بعد مسير طويل في الحر، وقد بلغ بهم العطش مبلغاً، أن نهراً بالطريق أمامهم، ويطلب منهم ضبط النفس وعدم الإسراف في الشرب منه، إلا بقدر كف اليد. ومن زاد عن ذلك، يكون دخل نطاق عصيان الأوامر، وعقوبة ذلك ألا يكمل المسير معه ويرجع إلى داره.
الاختبار القاسي
اختبار قاس دون أدنى شك، حيث لم يصمد في ذلك الاختبار كثيرون، فخالفوا تعليمات القيادة. تلك المخالفة كانت ضربة أو نكسة ثانية للقائد طالوت، لأنه أوضح لهم بأن أي مخالفة منهم لأوامره، تستدعي الخروج من الجيش، وهذا ما حدث مع كثيرين من جيشه، لكنه مع ذلك لم ييأس. لماذا؟
لأنه في مثل هذه الأحوال والظروف، تُعتبر تلك المخالفات أمراً لا يُغتفر. فالعصيان وعدم إطاعة الأوامر من شأنهما إلحاق كوارث بالجيش إذا ما وقعت الواقعة فعلاً وحدثت مواجهة بين الفريقين، والتي تحتاج لكثير صبر وقوة تحمل.
انفصل كثيرون إذن عنه لأنهم -كما جاء في ظلال القرآن- "لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم. وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة. والجيوش ليست بالعدد الضخم، ولكن بالقلب الصامد، والإرادة الجازمة، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق. ولم يهز طالوت تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى، بل مضى في طريقه" لملاقاة جالوت وجنوده.
العبرة ليست بالكثرة
الكثرة ليست دوماً عامل كسب وحسم في الحروب؛ إذ ربما تكون عامل خسارة وهزيمة، إذا كانت تلك الكثرة كغثاء السيل. وتلكم حقيقة استوعبتها البقية الباقية ممن صمدت مع طالوت ونجحت في اختبار النهر، ويقينها الراسخ يومها أن قلة صابرة محتسبة صامدة وواعية، سيبارك الله فيها ويكون النصر عبرها، إذ (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله). وقد قيل بأن عددهم بعد النكسة الأولى والثانية بلغ في المرحلة الأخيرة قبل المواجهة، حوالي ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أصحاب بدر.
قلة صابرة، لكن توفرت فيها شروط تحقيق أو تنزيل التأييد الإلهي والفوز بالمعركة. الهدف تحقق بفضل الله، وكان المطلوب: النصر وحسم المعركة وإلحاق الهزيمة بالعدو، سواء كانت عبر كثرة أو قلة جنود. وفي قصتنا، تحقق النصر عبر قلة صابرة محتسبة موقنة بنصر الله (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ). وفي التاريخ نماذج من هذه المعارك، لعل أبرزها معركة بدر الكبرى.
من أسرار النجاح
الانضباط والالتزام بتعليمات القيادة، لاسيما إن كانت قيادة واعية مخلصة وذات رؤية، من أسباب تحقيق النجاح والنصر في صراع الحق والباطل. وأي تلكؤ أو تردد أو مخالفة للتعليمات، فالنتيجة تميل غالباً إلى الأكثر انضباطاً وتنظيماً، وساعتئذ لا علاقة للإيمان بالمسألة ها هنا، وأقصد أنه مهما كان الجند على درجة من الإيمان عالية، لكن دون انضباط ودون احترام للقيادة، فالمسألة ستتحول إلى دنيوية أو مادية بحتة، والنتيجة الحاسمة ستكون لمن يكون أكثر التزاماً بالتعليمات، وأحكم في التخطيط والاستعداد المادي والمعنوي، مهما يكن دينه.
هل يشك أحدنا في إيمان وإخلاص الرماة الخمسين في معركة أحد؟ لقد خرج الجميع مع خير خلق الله رغبة في الشهادة، وإعلاء كلمة الله ودحر الكفر والكافرين. وبتلك العقلية والهمة الإيمانية العالية، وصل من تبقى مع النبي الكريم إلى ميدان المعركة، بعد أن سحب رأس النفاق ابن سلول، ثلث الجيش وهم في الطريق إلى أحد. وبدأت المعركة وأبلى الجميع بلاءً حسناً بادئ ذي بدء، وكان المسلمون قاب قوسين أو أدنى من حسم أمر الكفار.
لكن ساعة أن تسربت المشاعر المادية في نفوس غالبية الرماة وحب الدنيا ومتاعها، وقعت الكارثة.. كانت تعليمات القيادة لهم قبل المعركة دقيقة وصارمة وحازمة بعدم ترك مواقعهم ولو رأوا أصحابهم في الميدان تخطّفهم الطير. ولو يحدث ما يحدث في الميدان، فإن مهمتهم هي البقاء في مواقعهم على الجبل، وأداء الدور المطلوب منهم لا أكثر.
حدثت المخالفة، ونزل كثير من الرماة عن الجبل لجمع الغنائم، فكانت بمثابة ثغرة استفاد منها العدو، فدخل منها وانقلبت الأمور، وحدث ما حدث في قصة المعركة المعروفة. وكم وقعت كوارث ومآس مماثلة في تاريخنا، سواء عبر المعارك أو الثورات ضد الظلم والظالمين، وراح ضحيتها الآلاف المؤلفة بسبب أخطاء من تلك النوعية التي ذكرناها في قصة رماة معركة أحد، أو قصة جنود طالوت الذين شربوا من النهر أكثر مما كان مسموحاً لهم.
لب الحديث
إن قصص القرآن وقصص التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل هي دروس وتجارب للتأمل والتدبّر، نتعلم من الأخطاء كيفية تجنب تكرار المآسي والأحزان، وفي الوقت نفسه نتعلم كيفية تحقيق الانتصارات. التاريخ دوماً يعيد نفسه، والأحداث هي هي تتكرر في كل زمان ومكان، ولكن عبر شخوص وطقوس مختلفة، وغالباً تكون النتائج والمآلات واحدة، إن لم يستفد الخلف من تجارب السلف (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
«فإِذا فرغت فانصب»
حين تتزاحم الملهيات على القلب، وتتشابك تفاصيل الحياة اليومية، حتى تكاد تسرق من الإنسان صفاءه الداخلي، تأتي الآية... اقرأ المزيد
165
| 03 مايو 2026
معضلة براءة الاختراع
لطالما قُدمت براءة الاختراع للمبتكر العربي على أنها 'صك الأمان' ودرعه الحصين، لكن الواقع التقني المعقد اليوم يكشف... اقرأ المزيد
159
| 02 مايو 2026
نبض العطاء
يُعد يوم العمال العالمي مناسبة مهمة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يقوم به العمال في بناء المجتمعات... اقرأ المزيد
138
| 02 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3795
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1323
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
984
| 29 أبريل 2026