رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

639

هديل رشاد

77 عاماً من نكبة العرب

21 مايو 2025 , 04:14ص

في مايو من كل عام، تتجدّد جراح فلسطين. لكن هذا العام، تمر النكبة في ذكراها الـ77، وهي ليست مجرد محطة في الذاكرة، بل حدث مفتوح مستمر بتداعياته السياسية والإنسانية. ما بدأ عام 1948 لم ينتهِ؛ بل تبدّل شكله، وتعمّقت جذوره. هي ليست مجرد نكبة، بل مشروع اقتلاع ممنهج وهندسة سكانية لم يُواجه يومًا بالعدالة.

في عام 1948، تم تهجير نحو 750 ألفا إلى 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم الأصلية، من أصل 1.4 مليون كانوا يسكنون فلسطين التاريخية. هذا لم يكن نتيجة حرب فوضوية، بل مخطط تطهير عرقي مدروس، هدفه إفراغ الأرض من سكانها الأصليين وتأسيس دولة استعمارية جديدة على أنقاضهم، حيث ذكر المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه «التطهير العرقي في فلسطين» «النكبة ليست صدفة تاريخية، بل نتيجة استراتيجية مدروسة ومبكرة.»

لكن الكارثة لم تبدأ من الصفر في 1948. جذورها تعود إلى أوائل القرن العشرين، حين كانت نسبة اليهود في فلسطين لا تتجاوز %3، ومع صدور وعد بلفور عام 1917، تعهّدت بريطانيا رسمياً بإقامة «وطن قومي لليهود» على أرض لا تملكها، وعلى حساب شعب لم يكن غائباً، بل متجذراً فيها منذ قرون.

خلال فترة الانتداب البريطاني (1920–1948)، نظّمت بريطانيا موجات الهجرة اليهودية، وسهّلت بناء الميليشيات الصهيونية المسلحة (مثل الهاجاناه وإرغون)، وقمعت أي مقاومة فلسطينية ضد الاحتلال أو الهجرة. وبدعم غربي واسع، وصلت نسبة اليهود إلى حوالي 33% من سكان فلسطين عام 1947، رغم أنهم لم يملكوا سوى 7% من الأرض.

ثم جاء قرار التقسيم (181) الذي منح اليهود 56% من فلسطين، فكان بمثابة إعلان حرب دولي على السكان الأصليين، وشرارة النكبة الكبرى، بعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948، تضاعف عدد اليهود خلال ثلاث سنوات فقط، من 650 ألف إلى أكثر من 1.4 مليون، بفعل الهجرة المكثّفة من أوروبا الشرقية، الاتحاد السوفيتي –سابقا-، الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا.

اليوم، بعد 77 عاماً، تجاوز عدد اليهود في إسرائيل 7.2 مليون، في حين يعيش أكثر من 7 ملايين فلسطيني في الشتات، ممنوعين من العودة، وفق سياسات تمييز عنصري ممنهجة، تلك القرى التي طُردوا منها إما هُدمت، أو بُنيت فوقها مستوطنات، أو حُوّلت إلى غابات صهيونية تمحو آثار الوجود الفلسطيني.

النكبة لم تُطوَ صفحتها، تتجدد كل يوم بوقائع حية. في غزة، رأى العالم نسخة محدثة من التطهير الجماعي، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، خلفت أكثر من 174 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، بلا مأوى، بلا دواء، بلا كهرباء، بلا أفق، وما يزيد على 11 ألف مفقود بالاستناد إلى موقع الجزيرة.

في الضفة الغربية، الاستيطان يتمدد، مدعوما من حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، ومسنوداً من جيش لا يتردّد في تنفيذ الإعدامات الميدانية. في القدس، تُسلَب الهويات، وتُصادَر العقارات، وتُخنق الحياة اليومية بقرارات عنصرية، تُنفّذ بهدوء وبتواطؤ دولي فاضح.

رغم كل هذا، لا تزال الهوية الفلسطينية صامدة. لم ينجح المشروع الصهيوني في قتل الذاكرة، فالفلسطيني الذي طُرد من أرضه لم يُستسلم للمحو، بل تحوّل إلى شاهد دائم حمل مفتاحه، وورّث الرواية لأحفاده، وحوّل النكبة من حدث إلى قضية لا تموت، فالكيان المحتل يدرك هذا الخطر جيدا، لذا يلاحق الرواية الفلسطينية، يحظر الكتب والمناهج الفلسطينية في الداخل المحتل، ويشيطن كل من يرفع صوته بالحقيقة.

ولكن المسؤولية لا تقع فقط على الكيان المحتل، بل على من جلب المشروع الصهيوني إلى فلسطين..بريطانيا، التي هندست كل شيء منذ وعد بلفور، وكانت اليد التنفيذية لتهويد فلسطين تحت غطاء الانتداب؛ الولايات المتحدة، التي دعمت وتدعم الكيان سياسيا وعسكريا منذ اليوم الأول، ولا تزال تمنحه الغطاء الكامل في المحافل الدولية؛ ولا تنسى الذاكرة ما قاله الرئيس السابق للولايات المتحدة جون بايدن عند زيارته –التضامنية- للكيان المحتل بعد عملية طوفان الاقصى «إنه لو لم تكن هناك إسرائيل «لعملنا على إقامتها»، والاتحاد السوفيتي سابقًا، الذي أسهم في دعم هجرة اليهود لأسباب جيوسياسية رغم خطابه المعلن المناهض للاستعمار.

خاتمة...

بعد 77 عامًا، ما زال العالم يكتفي بـ”القلق” حين يُذبح الفلسطيني، ويدعي بوجود عناصر مقاومة حين تستهدف المدارس والمستشفيات، أما الفلسطيني، فرسالته واضحة وهدفه ثابت في زوال المحتل بالمقاومة لا بالحلول السياسية التي فُرغت من محتواها، فالنكبة الحقيقية تتجلى في صمت العالم الذي بات يشاهد التقتيل والتهجير والتجويع في بثّ حي ومباشر، دون أن يتحرك ضميره، وكأن هذا العالم وُلد أبكم، أصم وأعمى.

لكن رغم كل شيء، حق العودة بالنسبة لنا كفلسطينيين ليس شعاراً لاستدرار العطف، بل هو جوهر العدالة.

مساحة إعلانية