رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

594

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

أبواب لم تعد تُطرق

21 مايو 2026 , 11:47م

في الماضي، لم يكن صوت طرق الباب يثير القلق أو التساؤل كما يحدث اليوم، بل كان يحمل شعوراً مختلفاً؛ زيارة عفوية، جار مرّ للاطمئنان، قريب جاء بلا موعد، أو صديق قرر أن يشارك لحظة بسيطة دون ترتيبات مسبقة. أما الآن، فقد أصبح كثير من الناس ينظرون إلى الطرق على الباب وكأنه اقتحام لمساحتهم الخاصة، حتى لو كان القادم شخصاً قريباً منهم.

تغير المجتمع بهدوء دون أن ينتبه كثيرون إلى حجم هذا التغير. فالبيوت ما زالت قائمة، والعلاقات ما زالت موجودة بالاسم، لكن طبيعة التواصل نفسها تبدلت. أصبح الإنسان يفضل الرسالة السريعة على اللقاء، والمكالمة المختصرة على الجلسة الطويلة، حتى تحولت العلاقات الاجتماعية تدريجياً إلى تواصل إلكتروني أكثر منها علاقة إنسانية حقيقية.

الغريب أن الناس اليوم يملكون وسائل تواصل أكثر من أي وقت مضى، لكن العلاقات أصبحت أقل دفئاً. فالكثير يعرف أخبار أشخاص بعيدين عبر الهاتف، بينما قد تمر أيام دون حديث حقيقي مع جار أو قريب يعيش على بعد أمتار قليلة. حتى الزيارات العائلية التي كانت جزءاً ثابتاً من الحياة الاجتماعية، أصبحت تحتاج أحياناً إلى تنسيق مسبق وكأنها اجتماع رسمي. ولا يتعلق الأمر فقط بضيق الوقت، بل بتغير مفهوم الراحة الاجتماعية. فبعض الناس أصبح يشعر أن العزلة أكثر راحة من الالتزام بالعلاقات، وأن الهاتف يمنحه مساحة للهروب من اللقاءات المباشرة وما تحمله من مسؤوليات اجتماعية أو مجاملات أو أحاديث طويلة.

ومع مرور الوقت، بدأت العلاقات تفقد عفويتها القديمة. اختفت الجلسات المفاجئة، وضعف حضور الجار، وأصبح كثير من الأطفال يعرفون أسماء مشاهير مواقع التواصل أكثر مما يعرفون جيرانهم أو حتى بعض أقاربهم. والأخطر أن هذا التحول لا ينعكس فقط على شكل العلاقات، بل على الإحساس الداخلي بالطمأنينة والانتماء. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بأنه جزء من مجتمع حي، يسمع فيه صوت الناس ويرى وجوههم ويتبادل معهم تفاصيل الحياة اليومية، لا أن يعيش داخل دائرة مغلقة تحيطها الشاشات والصمت.

ورغم أن الحياة الحديثة فرضت إيقاعاً مختلفاً، فإن الإنسان لا يستطيع أن يستبدل التواصل الحقيقي بالكامل بعالم افتراضي مهما بدا مريحاً. فالرسائل مهما كثرت لا تعوض دفء اللقاء، والصوت عبر الهاتف لا يشبه جلسة صادقة تجمع الناس دون تكلف أو مواعيد مسبقة.

وربما لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي أعادت بها تشكيل العلاقات الإنسانية دون أن نشعر. فحين يخاف الناس من الطرق على الأبواب، فالمسألة لا تتعلق بالباب وحده، بل بعلاقة كاملة بدأت تبتعد بهدوء عن معناها القديم.

قد لا نستطيع إعادة الزمن القديم كما كان، لكننا نستطيع أن نحافظ على ما تبقى من روح العلاقات الإنسانية قبل أن تتحول البيوت إلى أماكن صامتة، والجيران إلى أسماء مجهولة، والأقارب إلى أرقام في الهاتف. فالحياة لا تُقاس بعدد المتابعين والرسائل، بل بعدد الوجوه التي تشعر بالراحة حين تراها، والأبواب التي ما زالت تُفتح بمحبة دون خوف أو تردد.

اقرأ المزيد

استثمارك الحقيقي استثمارك الحقيقي

سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر:... اقرأ المزيد

456

| 29 يونيو 2026

لا أبرح حتى أبلغ لا أبرح حتى أبلغ

‏من أعظم أوهام النفس أنها تجعل طول الطريق دليلا على خطأ الطريق، وأن تحاكم الحق إلى الزمن؛ فهي... اقرأ المزيد

45

| 29 يونيو 2026

الشرق الأوسط الجديد بين الحلم السياسي والواقع الجغرافي الشرق الأوسط الجديد بين الحلم السياسي والواقع الجغرافي

منذ عقود طويلة يتردد مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" في الأوساط السياسية والإعلامية، وتحديداً كلما شهدت المنطقة حرباً أو... اقرأ المزيد

45

| 29 يونيو 2026

مساحة إعلانية