رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

108

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

من يدفع فاتورة الحروب في المنطقة؟

25 يونيو 2026 , 10:49م

في خضم الأزمات المتلاحقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز تساؤل مشروع يطرحه الكثير من المراقبين والمواطنين على حد سواء: هل تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية تكلفة سياساتها وتدخلاتها العسكرية في المنطقة، أم أن جزءاً كبيراً من فاتورة تلك الحروب يُلقى في نهاية المطاف على كاهل دول المنطقة وشعوبها؟

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الحروب لا تنتهي عند حدود المواجهات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والتجارة والاستقرار الاجتماعي لعقود طويلة. فعندما تشتعل الحروب أو تتصاعد التوترات، تكون دول المنطقة أول من يدفع الثمن، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع. فالموقع الجغرافي للمنطقة جعلها مركزاً للطاقة العالمية وممراً رئيسياً للتجارة الدولية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني ينعكس بصورة مباشرة على اقتصاداتها.

ومنطقة الخليج العربي تمثل نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فكلما ارتفعت وتيرة التوتر العسكري، ارتفعت معها تكاليف التأمين على السفن التجارية وناقلات النفط، وزادت أسعار الشحن والنقل البحري والجوي، وتأثرت حركة التجارة العالمية. كما تتعرض الأسواق المالية لحالة من القلق وعدم الاستقرار، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على خطط التنمية والاستثمار والمشاريع الاقتصادية طويلة الأمد.

ولا تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى زيادة الإنفاق الأمني والدفاعي الذي تضطر إليه دول المنطقة لحماية حدودها ومنشآتها الحيوية ومصادر الطاقة والممرات البحرية. وهذه المبالغ الضخمة كان يمكن أن تُوجَّه إلى مشاريع الإسكان والتعليم والصحة والبنية التحتية، بما يعود بالنفع المباشر على المواطنين ويرفع من مستوى جودة الحياة في المجتمعات الخليجية.

وقد شهد العالم خلال العقود الماضية حروباً كبرى في المنطقة، كان من أبرزها الحرب على العراق وما تبعها من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية امتدت لسنوات طويلة. كما أن النزاعات المتكررة في الشرق الأوسط أثبتت أن تكلفة إعادة الإعمار ومعالجة آثار الحروب غالباً ما تكون أكبر من تكلفة الحرب نفسها، وهو ما يفرض أعباء إضافية على الدول المجاورة والمجتمع الدولي.

ومنذ عقود، تؤكد دول الخليج أنها ليست راغبة في الحروب أو التصعيد العسكري، بل تنادي دائماً بالحوار والحلول السياسية واحترام سيادة الدول. وقد أثبتت الدبلوماسية الخليجية، وفي مقدمتها الدبلوماسية القطرية، قدرتها على تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتنازعة، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الاستقرار هو الأساس الحقيقي للتنمية والازدهار.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت الحروب تُشعلها حسابات سياسية أو أمنية لدول كبرى، فلماذا تتحمل دول المنطقة النتائج الاقتصادية المترتبة عليها؟ ولماذا تُطلب منها المساهمة في إعادة الإعمار أو معالجة آثار الأزمات التي لم تكن سبباً في اندلاعها؟

إن الأمن الإقليمي مسؤولية مشتركة، لكن العدالة تقتضي أيضاً أن تتحمل الأطراف التي تتخذ قرارات الحرب النصيب الأكبر من تبعاتها المالية والسياسية. أما تحميل دول المنطقة أعباء إضافية نتيجة صراعات لا ترغب بها، فإنه يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة النظام الدولي وآليات توزيع المسؤوليات فيه.

إن شعوب المنطقة تتطلع إلى مرحلة يكون فيها صوت العقل أعلى من صوت السلاح، وتُوجَّه فيها الموارد إلى البناء والتنمية بدلاً من معالجة آثار الصراعات. فالحروب مهما كانت مبرراتها لا تخلّف سوى الخسائر، بينما يبقى السلام هو الاستثمار الأكثر ربحاً واستدامة للأجيال القادمة.

لذا فإن القضية لا تتعلق بمن سيدفع ديون الحروب فقط، بل بكيفية منع نشوء هذه الديون من الأساس. فكل جهد يُبذل من أجل التهدئة والحوار هو استثمار حقيقي في أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل شعوبها، ويجنب الجميع دفع أثمان باهظة لصراعات لا رابح فيها.

مساحة إعلانية